مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

ربّةُ عسقلان، بين الخِيام

ربّةُ عسقلان، بين الخِيام

تاريخ النشر: 2025-11-16 | 13:40

كنتُ هناك معهم ومنهم، لكنّي استيقظتُ فوجدتُني هنا بين الخيام المُلفّقة! فمَنْ أنا؟ المرأةُ التي تُخوّض في وَحْل المُجرى، وتطبخ الحجارةَ، وتغسل الجذور، وتنشرُ في الممرّ الضيّق المزدحم، ثوبَها الوحيد؟ أم تلك التي تتراءى لي في صحوي؟ ليس حُلماً ما أرى..هذه أنا! غير أنني أعود من حُلم اليقظة، فأجدني أجلس على حجرٍ طار من جدار، وأرى أحفادي، بأسمالهم الكابية، مع أترابهم المعفّرين يتقاذفون صحون الفراغ، وصوت القصف ينبئ بدمٍ جديد.

ليس حُلماً ما أرى، بل إنني هي؛ تلك المرأةُ الحنطيّةُ، زوج التاجرِ الذي ابتاع بيتَه قرب السوق، وله هوادج وأفراس. وأبي كان حاكم المدينة، ومسؤولاً عن الفرسان، وعمّن يقود المعركة..أنا هي، أنا هي!

لكنّي أرى الآن عجاجَ الجنود وهم يقتحمون عسقلان، والنار تلتهم كل شيء.. والجلبة والدم والدخان والصراخ والجثث والرّعب والجنون..كأن القيامة قد وقَعَت، وكيف خرج الناسُ من بيوتهم مذعورين، وقد تركوا أشياءهم، وربما أطفالهم! وكأني أرى ذلك السربَ الطويل الذاهب جنوباً ينزح نحو المجهول، هرباً من بَقْر البطون واغتصاب الحارات والبنات..والمفاتيح تتدلّى من الأحزمةِ، تشير إلى العودة بعد قليل. لكنّي أنتظرُ عودتي منذ سبعٍ وسبعين وأكثر. وقد التهمني الهمُّ، ومات زوجي التاجرُ، وتشظّى أبنائي في السّيرك الوطني، وضاعوا في بحر الدم الكَذِب. إنني، الآن، وحيدة في حمأة المخيم، وتحيط بي المدينةُ المردّمة، كأنني أستلقي على فِراشي، ليلة العيد، وأرقب الصباح لينبلج، لأخرج بثوبي الجديد، وأحثّ خطاي نحو بيت خالتي، ونسرعُ نحو المراجيح، قبل أن يأتي الجنود، ويبيدوا المدينةَ، ويُخْرِجوا أهلها سِرباً من الموتى والنازحين. ولماذا ترجع كل تلك الأيام، الآن؟ كأنني بضفائري أفتتح نهارها بخطواتي الصغيرة الثابتة. أو أُضوّع سطوحها بعبق دم المشمشِ والبرقوق، أو أنشرُ الياسمين على أبوابها ليلةَ التحوّل المصوَّح.. أو أرتعش على رذاذ قُطْنها كزلزالٍ ودودٍ يمرجح النجوم. أو كأنني ألتفت ورائي فأرى الدخان يُرمَّدُ كلّ شيء، وأسيرُ منكسرةً إلى البعيد، أو أنني جُرْمٌ هلاميّ يتلاشى تدريجياً، ويصعد من كوّة الصفيح إلى السماء، لعله يتكوّم غيمةً تسقط بمائها على المدينة المهجورة، أو يصبح نجماً يدور على بيوتها، فيرى آثارَ الداهمين، والدمَ المرشوق الأسود، والهياكلَ المتراكمة تحت التراب؟ أو يصير حفنةً من تراب تعلو، وتمضي إلى فضاء المدينةِ، وتحطّ على بابها، لتحتضن بذرة عبّاد شمس أو شتلة نور تنمو وتنمو وتنمو.. إلى أن تُظلّل المدينةَ من جديد.

أكاد أعدّ عروقَ النعناع على صدر تلك المرأة، وَحَبَّ الرمّان المنفرط على كُمّيْها، وأشمّ رائحةَ القرنفل تحت إبطيْها. هي أنا! الساكنةُ في باب السهل العالي، أصعد على درج الورد، فيلقاني بلباسه الكتّاني، يهبط مبتسماً إلى المدينة، كأنه يومئ بالرضا عمّا أحسَّه من جسدي المتجدّد، وكان يقلّبه كالكمّثرى بين فكّيه ويديه، حتى سال الثعبان إلى الشقِّ المتلهّف لماء الصّلب والترائب. وأكاد أسمع سقوطَ الماء في الجرار والأباريق، والسَّقّاءُ يدلحها من قِرَبه اللّدنة، وَعَرقُه يختلط بالسّلسبيل الرقراق. وأمرّرُ أصابعي على أطراف السرير المفرود، والصندوق ثابت في مكانه الثقيل، يحضن غلالاتي وأحزمتي وأوراق الورد الناشفة. ها أنذا، ألفّ وشاحي المزركش وقت الغروب، والعسلُ يفيض على أبواب الجبال الهادئة، والصغارُ يتلهّون بألعابهم، كأنهم يخربشون صفحةَ السماء بأيديهم الصغيرة، ويتركون للغيم الخفيف لعبةَ البياض من جديد. وها هو الطريق ينعرج تحت ناظريّ، كالنّاي المجوّف والمُثقَّب بفتحاتٍ تُفضي إلى الدكاكين والطرقات الصغيرة. وها هي الساحة والباعة والأصداء والعطور والطيوبُ والمنسوجاتُ والحنّاء واللآلئ والزيوت والبخور والمرّ والبلسم والقار والخزف والتوابل والملح والجواهر والشهدُ والفخاّر والأرجوان..وها هو الليل يعود ساحراً، يشمل كل المدينةِ بِغَبَشِهِ الشفيف الداكن! لقد انتهيتُ من إعداد الطعام، وسكبتُ جرّتين من الماء ورغوة الغار على جسدي، وحزمتُ قبضتين من الحبق والمنثور، وخزنْتهما حتى تطيب الرياح، ليأتي ويأكل، ويشرب العسل، وليسأل قليلاً، وليخلع درّاعته الحرير، وليتمطّى ويغفو على صفحة الناي، ليعود من جديدٍ بأنفاسه التي تُذيب لحمي، وتلهب صدري بتمسيد أسنانه ولسانه، وليزحف على سفح الحليب، ويزرعه بأشجار النار، ويتحسّس منابت الزغب المحصود ومسكب اللّبن الحلو، وليمتصّ آخر جمرةٍ في أطراف قدمي، لتنتفض حواء الأولى، وتبكي في نحيبها الحبيب توقَ الجنّة إلى الجحيم، وتنزلق في هُوَّ الغياب والغفوة، وتصحو، لتجد الأيلَ يرعى على سهوبها، يقضم البندق، ويعبّ الموجة من جديد!

أنا، يا ولدي، امرأةٌ آلهةٌ من فراديس عسقلان، ولدتُ وعشتُ وكنتُ هناك، وتلك امرأةٌ أخرى، لا أعرفها؟ غير أن كوابيس الشيطانِ تلاحقني أحياناً، والوَهْمُ يحاول أن يسرقَ ثوبَ العيد. أعطوني الثوبَ، وَلْتَبعدْ تلك المرأةُ، عنّي.

×
أخبار
تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط