مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

حيتان الفساد في فلسطين

 حيتان الفساد في فلسطين

تاريخ النشر: 2026-10-04 | 12:00

رامي الغف
رامي الغف

ليست المشكلة في أن يكون في الوطن الفلسطيني فاسدون؛ فالفساد ظاهرة يمكن أن تظهر في أي دولة ومؤسسة ومجتمع. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الفساد بلا ثمن، وعندما تتأخر المحاسبة، ويشعر من يستغل المال العام أو النفوذ أو المنصب أن القانون بعيد عنه.

وهنا يكمن الفارق بين من يخوض معركة حقيقية ضد الفساد، مهما كانت كلفتها، وبين من يكتفي بالتصريحات والشعارات، أو يتردد في فتح الملفات ومساءلة المسؤولين، أو يسمح لشبكات المصالح والنفوذ بأن تتمدد داخل مؤسسات الدولة.

إن مكافحة الفساد في فلسطين ليست مهمة مستحيلة. فلدينا مؤسسات رقابية، وقوانين، وهيئات مختصة، وأجهزة عدلية، ولدينا القدرة على فتح الملفات والتحقيق في الشبهات وتحويل من تثبت مسؤوليته إلى القضاء. لكن المشكلة تكمن في تحويل هذه الأدوات من نصوص وإجراءات إلى ممارسة حقيقية ومستقلة ومستدامة.

ولا يمكن أن تكون مكافحة الفساد انتقائية؛ فلا حصانة سياسية أو تنظيمية أو وظيفية أمام القانون، ولا ينبغي أن يكون الانتماء أو الموقع أو العلاقات سبباً لحماية أي مسؤول تثبت مسؤوليته.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الظروف الاستثنائية التي يعيشها الشعب الفلسطيني، من الاحتلال الإسرائيلي، إلى الأزمة المالية والاقتصادية، وما خلفته سنوات الانقسام والحروب والأزمات من ضغوط هائلة على مؤسسات السلطة والمجتمع.

لكن الظروف الصعبة لا ينبغي أن تصبح مبرراً لتعليق الإصلاح، بل سبباً إضافياً لتعزيز الرقابة على المال العام وحماية ما تبقى من مقدرات الدولة.

ولذلك، فإن المعركة يجب أن تسير على مسارين متوازيين: مواجهة الاحتلال والدفاع عن الحقوق الوطنية، وبناء جبهة داخلية قوية ضد الفساد وسوء استخدام السلطة والمال العام.

والبداية الحقيقية لهذه الجبهة يجب أن تكون من داخل مؤسسات الدولة نفسها، عبر مراجعة أداء الوزراء والوكلاء والمديرين العامين وكبار المسؤولين، الحاليين والسابقين، وفق القانون وبعيداً عن الانتقام السياسي أو تصفية الحسابات.

كل ملف توجد بشأنه شبهات فساد يجب أن يخضع للتحقيق، وكل من تثبت إدانته أمام القضاء يجب أن يتحمل مسؤوليته، أياً كان اسمه أو منصبه أو انتماؤه السياسي.

وهنا تقع مسؤولية الحكومة والقيادة السياسية في بناء نموذج جديد لإدارة الشأن العام: مسؤول يعرف أن المنصب تكليف لا غنيمة، وأن المال العام أمانة، وأن القانون فوق الجميع.

ولا تحتاج الدولة إلى "جهاز خاص" يعمل خارج الأطر القانونية لمراقبة المسؤولين؛ بل تحتاج إلى مؤسسات رقابية وقضائية قوية ومستقلة، وإلى تفعيل أجهزة الرقابة والتفتيش والتحقيق، وإلى حماية المبلغين عن الفساد، وإلى نشر نتائج التحقيقات والأحكام النهائية بشفافية.

القوة الحقيقية ليست في أن يراقب المسؤول أنفاس موظفيه، وإنما في أن يعرف الجميع أن هناك قانوناً يعمل، ورقابة لا تتوقف، وقضاءً مستقلاً، ومحاسبة لا تستثني أحداً.

وعندما يدرك الوزير والمدير والوكيل والمستشار أن أي استغلال للمنصب أو المال العام يمكن أن يقود، بعد تحقيق عادل ومحاكمة قانونية، إلى العقوبة ومصادرة الأموال غير المشروعة وفق القانون، فإن معادلة الإدارة العامة تبدأ بالتغير.

عندها يصبح المنصب للكفاءة والنزاهة، لا للواسطة والنفوذ.

نحن لا نحتاج إلى حرب على أشخاص؛ نحتاج إلى حرب مؤسسية على الفساد.

ولا نحتاج إلى رئيس أو رئيس وزراء "قوي" بمعنى القوة الشخصية وحدها، بل إلى دولة قوية بالقانون؛ دولة لا تخاف من فتح الملفات، ولا تحمي الفاسد، ولا تظلم البريء، ولا تجعل مكافحة الفساد شعاراً موسمياً.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للوطن ليس أن يوجد فاسد، وإنما أن يقتنع الفاسد بأن لا أحد يستطيع مساءلته.

أما عندما يصبح القانون هو الأقوى، فإن الفساد يتراجع، وتستعيد مؤسسات الدولة ثقة الناس، ويصبح المنصب العام مسؤولية وطنية لا فرصة للثراء والنفوذ.

فلسطين تحتاج اليوم إلى معركة نظيفة ضد الفساد، عنوانها: لا حصانة لأحد أمام القانون، ولا إدانة لأحد قبل القضاء، ولا مال عام بلا رقابة، ولا منصب عام بلا مسؤولية.

*إعلامي وباحث سياسي
اسم المؤسسة / الجهة:

×
أخبار
تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط