مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

راشيل كوري: أيقونة سرمديّة

راشيل كوري: أيقونة سرمديّة

تاريخ النشر: 2025-03-17 | 12:48

"لماذا ماتت راشيل؟ قصّة الجرّافة التي سحقت جسداً أمريكياً لتدفن معه ضمير العالم".

في السادس عشر من مارس/آذار 2003، ارتفع صوتٌ جديد في سجل النضال الإنساني من أجل فلسطين، صوتٌ لم يأتِ من قلب المخيمات أو الحواجز العسكرية، بل من شابة أمريكية ابنة. الثالثة والعشرين ربيعاً، قررت أن تختبر العالم من خلف جدران الصمت الدولي. راشيل كوري، المولودة في ريف واشنطن عام 1979، ابنة عائلة بسيطة، تحملت مسافة آلاف الأميال لتصل إلى قطاع غزة المُحاصر، حاملة معها حقيبة مليئة بأحلام المراهقة وأخرى أثقل منها: قناعةٌ بأن الظلم لا يمكن أن يكون مصيراً نهائياً لأي شعب.



بدأت رحلة راشيل مع القضية الفلسطينية مبكراً، ففي سنوات دراستها الجامعية بمدينة أوليمبيا، انخرطت في نشاطات مناهضة للحرب والعنف، قبل أن تتعرف عبر حركة التضامن الدولية (ISM) على قصص لم تُحكَ في الإعلام الأمريكي: عن عائلات تفقد منازلها تحت جرافات الاحتلال، وأطفال يُقتلون على حواجز التفتيش، ومزارعين تُدمر أرزاقهم بين ليلة وضحاها. قرأت يوميات أهالي غزة الذين التقتهم لاحقاً، وكتبت في مذكراتها: "أشعر بأنني جزء من شيء أكبر، شيء لا يمكن أن يموت".


في يناير 2003، وصلت راشيل إلى رفح بقطاع غزة، مع مجموعة من المتطوعين الدوليين، مهمتهم بسيطة وغير مسبوقة: استخدام أجسادهم كدرعٍ بشري لحماية الفلسطينيين من هدم المنازل والاعتقالات العشوائية. كانت تؤمن بأن وجود أجانب في مناطق المواجهة قد يمنح الأهالي هامشاً ضئيلاً من الحماية، أو على الأقل يُسمع صوتهم للعالم. في تلك الأسابيع القليلة، تحولت من مراقبة إلى مشاركة، تتعلم اللهجة العامية، وتشارك العائلات قهوتهم الصباحية، وتكتب لوالديها عن "الغضب الذي يتحول إلى قوة عندما ترى طفلاً يبني بيتاً من الرمال فوق أنقاض منزله".


لكن صباح السادس عشر من مارس، لم يكن كسابقه. بينما كانت ترتدي سترتها البرتقالية الواقية، التي ميزت المتطوعين الدوليين، وقفت أمام جرافة إسرائيلية من نوع D9 كانت تتقدم لهدم منزل عائلة فلسطينية في حي السلاطين برفح. وفقاً لشهادات شهود عيان، رفعت يديها عالياً، وصاحت في وجه السائق عبر مكبر الصوت، لكن الجرافة استمرت في التقدم حتى سحقتها تحت جنازيرها. في غضون ساعات، تحولت الحادثة إلى قضية عالمية: كيف لفتاة من ولاية واشنطن أن تدفع حياتها ثمناً لمنع هدم منزل لا تعرف أهله إلا منذ أسابيع؟


الجيش الإسرائيلي قدم رواية مغايرة، مفادها أن السائق لم يرها بسبب "العرقلة المتعمدة لرؤيته"، وأن الحادث كان "خطأ مأساوياً"، لكن تقارير مستقلة، بما في ذلك تحقيق صحفي لصحيفة الغارديان البريطانية، أشارت إلى أن ظروف الحادث تتعارض مع إمكانية عدم رؤية سائق الجرافة لملابسها البرتقالية الفسفورية. لم تُغلق القضية judicially أبداً، فمحكمة إسرائيلية رفضت لاحقاً إدانة الجيش، بينما ظلت عائلة كوري تطالب بالعدالة حتى اليوم، وسط صمتٍ رسمي أمريكي لافت.


ما جعل راشيل أيقونة ليس فقط طريقة رحيلها، بل ما كشفته يومياتها ورسائلها عن عمق إنسانيتها. في رسالة إلى والدتها كتبت: "أنا أحب الحياة، وأريد أن أعيش طويلاً لأغني وأرقص، لكنني هنا لأنني لا أستطيع أن أتخيل عالمنا من دون عدالة". هذه الكلمات، إلى جانب صورتها الأخيرة وهي واقفة بعناد أمام الجرافة، جعلتها رمزاً للتمرد على ثنائية "نحن" و"هم" التي تكرسها الصراعات. الفلسطينيون رأوا فيها الوجه الإنساني للغرب الذي طالما حُجب عنهم، بينما رأى فيهاactivists حول العالم نموذجاً لـ "التضامن الجذري"، الذي لا يكتفي بالشعارات، بل يغامر بالجسد.


لم تكن راشيل مجرد شهيدة، بل مُنظِرةً غير معلنة لقوة الفعل المباشر السلمي. في مقال كتبته قبل أشهر من استشهادها، شرحت كيف أن وجود المتطوعين الدوليين "يكسر العزلة التي يُحاول الاحتلال فرضها على الفلسطينيين"، وأن "المقاومة اليومية للاحتلال هي فعل إبداعي بحجم كتابة قصيدة". ربما لهذا تحولت قصتها إلى لوحات لفنانين مثل محمود البوليس، الذي يجسدها في أعماله كامرأة-شجرة، جذورها في أرض غزة، وأغصانها تلامس سماوات العالم.


اليوم، بعد 22 عاماً على رحيلها، ما زال اسم راشيل يُذكَر في مسيرات العودة بغزة، وفي جداريات مخيمات اللاجئين بلبنان، وحتى في شوارع مدن أمريكية حيث تُنظم مسيرات تحت شعار "احملوا روح راشيل". عائلتها حوّلت الألم إلى فعل، فأقامت مؤسسة تحمل اسمها لدعم المشاريع التعليمية في غزة، بينما تحولت قصتها إلى مسرحيات وأفلام وثائقية تسائل الضمير العالمي: كم من "راشيل" أخرى يجب أن تموت قبل أن نعترف بأن الاحتلال جريمةٌ ضد الإنسانية جمعاء؟


الحديث عن راشيل كوري ليس استذكاراً للماضي، بل إضاءة على الحاضر. ففي عام 2023، دُمرت منازل 152 عائلة فلسطينية في رفح وحدها، وفقاً لمنظمة بتسيلم، دون أن يوقفها درعٌ بشري أو قرار أممي. ربما هذا ما يجعل سؤالها الذي طرحته قبل أيام من استشهادها يطن في الأذن: "ماذا سأقول إذا سألني طفل فلسطيني يومًا: لماذا لم تأتي أمريكا لإنقاذنا؟".


في ذكراها الثانية والعشرين، تبقى راشيل كوري رمزاً لإصرار الإنسان العادي على أن يكون جزءاً من التغيير، حتى لو كان الثمن أعلى ما يملك. وكما كتبت على جدار في رفح قبل رحيلها بأيام: "الحدود ليست سوى أوهاماً نصنعها ليقتل بعضنا بعضاً فوقها".

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط