مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

د-طاهر مشي..شاعر تونسي أوقد شعلة الإبداع..وارتحل ب"مريديه" إلى مجاهل الذات..في مزيج من الشعر والسرد

د-طاهر مشي..شاعر تونسي أوقد شعلة الإبداع..وارتحل ب"مريديه" إلى مجاهل الذات..في مزيج من الشعر والسرد

تاريخ النشر: 2024-11-09 | 15:11

قد لا يحيد القول عن جادة الصواب إذا قلت أنّ القصيدة عند الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي عمليّة استشهاد على الورق،فهذا الشاعر-دون مجاملة ولا محاباة-يقف -كرجل سلطة- بحكم قدرته على الوصول إلى الجماهير والإمساك بنبض الشارع،بلغة تتغلغل في فقر الفقير،وتتجول على عربة البائع المتجول،وتجعل نفسها في موضع آخر وردة تعبق بعطر الجمال على رموش حسناء،فالشاعر التونسي د-طاهر مشي يرفض في كل الأحوال قصيدة مثل قصيدة زهير بن أبي سلمى،القصيدة التي تعيش نصف عمرها مرتجفة الكلمات في خيمة وتخاف ساعة الخروج إلى الناس.

وهنا أقول : هناك قراءات متعددة للنص الإبداعي،ولكن حين يتعلق الأمر بشاعر له قامة شاعرنا القدير د-طاهر مشي فإن قراءته تشكل تحدياً للقارئ والناقد معاً.

وأنا من المؤمنين أن لكل نص خصوصية،تفرض على القارئ رؤيته ومنهجه الخاص في التعامل معه.واعترف أن قراءة جل قصائد طاهر مشي فرضت عليّ نوعاً من الحصار لم أستطع منه الفكاك،كان ما سيطر علي هو رؤية الشاعر للعمل الإبداعي من حيث عملية الخلق،واللغة والصورة والتجربة.ولعلي أجد دور الناقد لا يبتعد كثيراً عن رؤية والاس مارتن الذي يقول :

"..فمسؤولية الناقد،هي اكتشاف أو خلق منظومة من العناصر ضمن ثقافة عصره بحيث تجعل الأدب مفهوماً.وكثيراً ما يتحتم عليه خلق البناء الضروري الذي يتم بوساطته تعليل الفوضوية “الطبيعة” للأدب،غير أنه على العكس من الكاتب التخيلي،فهو يعمل ضمن حدود أنظمة من الكوابح الموضوعة من قبل ثقافته وغرض نشاطه."

فهو لذلك أشبه ما يكون بعامل متجول بين شتى الحرف،حيث يعمد ببراعة إلى تطويع مجموعة متنافرة من الأشياء لحل مشكلة عملية.(ما هو النقد-والاس مارتن: مقالة ويليم ستانلي ميروين ص 90-91)

والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع : هل يمكننا الدخول إلى فهم رؤية الشاعر من خلال شعره بنفس الطريقة التي يمكننا بها معرفة شخصيته من خلال شعره..؟

يقول ستيفن سبندر: “ولكن الشعر مسألة أخرى؛ فشخصية الشاعر هي شعره. إننا نعرف الرجل عن طريق شعره أكثر مما نعرفه عن طريق دقائق تاريخ حياته، بل إن ما يجذبنا إلى قراءة سير الشعراء والفنانين هو أننا نعرف ماذا كانوا من خلال إنتاجهم وما لم يكونوه عن طريق وقوفنا على دقائق حياتهم”. (الحياة والشاعر : ص. 65 )

في هذا السياق،يؤكّد الشاعر التونسي د-طاهر مشي أن الحياةَ داخل القصيدة غير الحياة التي يعرفها الآخرون،فالقصيدة لدى-هذا الشاعر-حياة جديدة تتعانق فيها رعشات الإحساس ونبضات القلب ونتاج العقل،وقد جسّد في بعض قصائده التي اطلعت عليها من زاوية نقدية،فكرة الزمان والإنسان وعلاقة الإنسان بالأزمنة وامتداد الهاجس المرافق للحس الإنساني،ليرسم لنا لوحات شعرية خلابة تترجم معالم الحياة في قلب وفكر الإنسان لحظة بلحظة.

وإذن؟

إنها إكراهات القصيدة إذا-نراها-،تمارس سطوتها على وجدان الشاعر،لم يعد للوعي مكان لأن اللاوعي استحوذ على أمكنة النزيف والبوح،إلهام كالسيل الجارف يحمل إلينا عبق الذات المنصهرة في صفحات الزمن،يحمل إلينا عبير فسيفساء فكرية رائعة..

تفننت قريحة الشاعر د-طاهر مشي في رسم قصائده الشعرية لتصير غواية البحث عن أسئلته الرابضة خلف دلالات-القصيدة-هاجسا جميلا يطارده في كل لحظة،لأنه اختار القصيدة منفى له يفر إليها من واقع مؤلم باحثا عن فوضى جديدة ولكنها أجمل من عالمه الخارجي،وألذ فراش ينام عليه ساعة الإمتزاج بالقصيدة والسفر إلى عوالم الحس الفلسفي بسريالية جميلة دون سابق إنذار.

هكذا يسافر الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي داخل ذاته ليعيش غربة أنيقة مع خلجات الذات وزخات الفكر متطلعا إلى غذ أفضل في مأمله وأمنيته.

ختاما أقول : صحيح ان طقس الكتابة،يشبه موعدا مع الغياب،قد يأتي وقد لا يأتي،قد يجيء ولا يأتي،ولكن المبدع المجتهد ،بعد كل خطوة ناجحة،مضطر لمتابعة التقدم في الكتابة،لتحصين خطواته السابقة،وتطوير حضوره،فبعد النجاح،لا يعود التوقف الإرادي ،مُباحا ولا يجوز.

ولكن..قصائد د-طاهر مشي التي أبهرتني،هي قصائد جماليّة(وهذا الرأي يخصني) ترتسم رؤيتها بهندسة نسقية متفاعلة الخطوط، والألوان،والإيحاءات،والظلال اللونيَّة،والإيقاعات الداخليَّة؛إذْ تتفاعل الشذرات التصويريّة فيما بينها بأنساق مؤتلفة تؤكد فنيّة القصيدة،وتنظيمها النسقي الفاعل لديه في إضفاء طابع جمالي منسق على اللوحة المشهديّة ككل،كما لو أنَّها مرسومة بريشة فنية دقيقة ترصد الأبعاد والمشاهد والرؤى بدقة متناهية للمتلقي.

وها أنا..أرفع قبعتي-بتواضع شديد-انتصارا مطلقا لخطابه الشعري الوهّاج..

 

ألكلُّ إخوةُ طينُهم..من طينِها..

      

لا تسألِ الدّارَ  إن  فارقْتَ يوماً

قد لا تجيبُ السُّؤلَ رغمَ حَنينِها 

 

فالنّبضُ في شوْقٍ لِقلبٍ دافِئٍ 

والعينُ في كَمَدٍ وَزادَ  أنينُها

 

والرّوحُ قد  نهجَتْ طريقاً شائكاً 

يا لوْعَةَ المكنونِ باتَ سجينُها

 

قلبُ العُروبةِ قد تشظّى في الوغى 

لن يجمعَ الأشبالَ غيرُ عرينِها

 

في (غزّةَ)الأعرابُ يدنو شِبلُها

يدعو إلهَ الكَوْنِ ربِّ يُعينُها 

 

ألبيتُ يُحرَقُ والحياةُ مُخيفةٌ

والكلُّ ينظُرُ مَن تُراهُ مُعينُها؟

 

تلكَ الدّيارُ بعزِّها باتتْ فَنا 

والحزنُ في الأعطافِ بات دفينُها 

 

ماتتْ عُروبتُنا،شاخَتْ  مُروءتُنا

أرواحُ تُزهَقُ والعدوُّ يُهينُها

 

لا مَنْ يُلَبِّي نِداءَها في نُصرَةٍ

لا مَنْ يُضمِّدُ جرحَها ويُزينُها

 

تمضي عروبتُنا لا شيءَ يُقلِقُها

يمضي الزّمانُ وما سمعتُ رنينَها

 

كم من جبانٍ يعتلي أسوارَها 

كم من جبانٍ خانَها وَ يُهينُها

 

ومُجاهِدونَ يُغالبونَ عدوَّهُم

لا مَنْ يُعينُ وَمَنْ يجيرُ بَنينَها

 

هل ضاع في الأعراب دينُ محمّدٍ

وانثالت الأوباشُ تفرِضُ دينَها؟

 

رحلَ الوفاءُ من القلوب فأقفرَتْ 

وغدا فسوقُ الظالمينَ يمينُها 

 

لكنّ نوراً في الظّلام أخالُهُ

عُربٌ تّهُبُّ لِنجدةٍ في حينِها 

 

ألحقُّ يعلو فانتظِرها لُنُصرَةٍ

فالكُلُّ إخوةُ طينُهُمْ مِن طينِها!

 

طاهر مشي

 

قد تميزت لغة شاعرنا بالشفافية والوضوح،فهي بعيدة عن لغة التعتيم والتهويم في سرف الوهم واللاوعي،تلك اللغة التي تلفها الضبابية القائمة والرمزية المبهمة،فلغته ناصعة واضحة لا غموض فيها،وتعبر عن مضامينه بأسلوب أقرب فيه إلى التصريح المليح منه إلى التلميح،هذا يعني أن الشاعر ذو مهج تعبيري سلس،وقاموسه الشعري لا يحتاج إلى كد ذهني وبحث في تقاعير اللغة،وأنا إذ أصرح بهذا إنما أغبط شاعرنا على الرؤى الواضحة والألفاظ المعبرة بذاتها.

ختاما أقول : يحاول هذاالشاعر التونسي القدير(د-طاهرمشي) أن يتحفنا-حينا-بما جادت به قريحته،وأن يحلق بنا في خيالاته العلوية،ويصهرنا في أتون ثورته الداخلية الوطنية المعطاءة حينا آخر،ولا يسعنا إلا أن نتمنى له ديمومة الإيداع ونأمل منه المزيد،ونهمس في أذنه بألا يكرر ذاته،وان يكون دائما ودائما متجددا.

 

 

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط