عملية الخليل، وكذا عملية الكرك، جاءت خدمة فوق سوبر ستار لدولة الاحتلال، قبل غيرها، فلن تترك الفرصة لاستخدامهما في ظل حصارها العام.

خطاب الكراهية

خطاب الكراهية

تاريخ النشر: 2026-10-24 | 15:07

عبد الحسين شعبان
عبد الحسين شعبان

بدعوة من مجلس كنائس الشرق الأوسط والهيئة القبطية للخدمات الاجتماعية، التأم في القاهرة مؤتمر تحت عنوان " من أجل تعزيز الكرامة الإنسانية والحياة معاً لمواجهة خطاب الكراهية" شارك فيه نخبة من الباحثات والباحثين من العديد من البلدان العربية. وشهد المؤتمر حوارات جادة ونقاشات عميقة بخصوص خطاب الكراهية وكيفية مواجهته؛ وكان لي شرف إلقاء محاضرة في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر.

فكر إكراهي

ابتداءً أقول إن خطاب الكراهية ناجم عن فكر إكراهي وعقل لا يعترف بالآخر، الأمر الذي يحتاج لمواجهته لتفكيك العقل الآخر الذي يقوم على التعصب. وحسب دستور اليونسكو (1945) " بما أن الحروب تولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام".

صحيح أنه لا يوجد مجتمع أو دولة تخلو من شكل من أشكال الكراهية؛ الأمر يستوجب دراسة هذه الظاهرة، وكيف تطوّرت بحيث تحوّلت من مجرّد بضعة أفكار أو آراء أو حتى وجهات نظر أو ردود أفعال لفرد أو لعدد من الأفراد إلى أن تُصبح ظاهرة متفشية بالمجتمع ككل أو بجماعة معينة دينية أو إثنية أو سلالية أو لغوية أو طائفية قد تُسفر عن عنف منفلت من عقاله، وقد تؤدي إلى نزاعات أو حروب أو حتى أعمال إبادة جماعية.

وعادة ما تنجم الكراهية الفردية والمجتمعية عن شعور يتّسم بشحّ مبادئ المساواة والعدالة والتمييز أو عدم الثقة بحق فرد ما أو مجموعة إثنية أو دينية أو اجتماعية أو غير ذلك، فضلاً عن التفاوت الاجتماعي والطبقي وعدم تكافؤ الفرص، إضافة إلى الأمية والتخلف، الأمر الذي ينشأ بسببه أو على أساسه مثل هذا الشعور بالاستعلاء (من جانب القوى المتنفّذة والمتسيّدة) أو بالاستتباع (من جانب القوى الضعيفة والمهمّشة)، والذي قد يؤدي إلى ردود فعل قد تقود إلى العنف، وثمة أمثلة صارخة على ذلك  خصوصاً حين ينشأ " العقل الإكراهي".                              

وقد لعبت وسائل الإعلام، في السابق والحاضر، دورًا كبيرًا في إذكاء نار الكراهية، ويزداد خطرها اليوم بفعل الثورة العلمية التقنية وتكنولوجيا المعلومات والتطوّر الهائل وغير المسبوق في الاتصالات والمواصلات، فضلًا عن الذكاء الاصطناعي، ولو توقّفنا عند الحرب العالمية الثانية لأدركنا خطر خطاب الكراهية الذي امتشقته النازية والفاشية كسلاح لا يقل عن أسلحة الدمار الفتّاكة وما بعدها في فترة الحرب الباردة والصراع الآيديولوجي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي (1946 – 1989)، ، فضلًا عمّا حدث في البوسنة والهرسك ورواندا، ومؤخرًا على يد التنظيمات الإرهابية الإسلاموية المعروفة باسم "القاعدة" و"داعش" وأخواتهما، دون أن ننسى ما قامت به الأنظمة الشمولية والسلطوية .

 

سؤال قلق وليس طمأنينة

لذلك أقول إن سؤال كيفية مواجهة خطاب الكراهية؟ ينم عن قلق وعدم طمأنينة وضعف ثقة، وهو يحتاج إلى بحث في الجوهر والخلفيات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والدينية والثقافية وسُبل المعالجات للحدّ منه، ولكبح جماحه، الذي قد يُسفر عن ارتكابات شنيعة وجرائم جسيمة، ولعل ذلك يتطلّب حظر الدعوة إلى الكراهية لأسباب دينية أو إثنية أو مجتمعية، والتي تشكّل مادة للتمييز الذي يقود إلى العداوة، التي أساسها التعصّب الذي يُنجب التطرّف والأخير يُنتج العنف والإرهاب. 

ما الكراهية؟

الكراهية ظاهرة اجتماعية مركّبة ومعقّدة، وهي قديمة قِدم التاريخ، تتداخل فيها العوامل النفسية والثقافية مع الجوانب السياسية والقانونية، قادت إلى حروب ونزاعات، راح ضحيّتها مئات الملايين من البشر. وهي تنمّ عن شعور شديد بالعداء الذي يتحوّل إلى سلوك، ويمكننا التمييز بين الكراهية الفردية والكراهية الجماعية. وإذا كانت الأولى تستهدف الفرد بسبب الغيرة أو الحسد أو الخصومة أو المنافسة، فإن الثانية توجّه إلى جماعة، قومية أو دينية أو اجتماعية أو انتماء أو غير ذلك.

والسؤال: كيف يمكن الحيلولة دون تحوّل الكراهية إلى خطاب؟ وبالتالي إلى تحريض بالخروج من دائرة التفكير إلى دائرة التنفيذ، أي أن تُصبح فعلًا دعوة إلى التمييز والعنف والحطّ من الكرامة الإنسانية.

إن سؤال الكراهية هو سؤال أُنطولوجي، أي وجودي أو ما بعد الوجود بمعناه الميتافيزيقي، ويعتبر أفلاطون أن الظلم والرذيلة هما منبع الكراهية، في حين يرى هوبز أن الكراهية هي نتاج صراع الإنسان ضد الآخرين " الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، أما روسو فيعتبر عدم المساواة والملكية الخاصة هو الذي يزرع الكراهية، ويذهب هوغو إلى القول إن الكراهية تولد الكراهية وتسبب الظلم. وتحيل حنّا أرندت سبب الكراهية إلى الأنظمة الشمولية، في الوقت الذي يراها كارل بوبر مقترنة بالمجتمعات المغلقة التي تدعي امتلاك الحقيقة، وورد على لسان السيد المسيح (ع) أن الكراهية خطيئة قلبية وجذر أساسي لكل الشرور والجرائم والكراهية، ووفقاً للإمام علي (رض) هي الآفة التي تُفسد العقل والدين وهي تقوم على الحقد والحسد وسوء الخلق.

التعصّب والكراهية ترابط عضوي

تزداد معاناة العديد من المجتمعات وخصوصاً العربية منها، جرّاء تفشّي ظاهرة الكراهية واتساع خطابها وانتشاره. والكراهية هي نتاج التعصّب ووليده التطرّف، وحين يصبح الأخير سلوكًا يقود إلى العنف، ويتحوّل العنف إلى إرهاب إذا ضرب عشوائيًا، ويُصبح إرهابًا دوليًا حين يكون عابرًا للحدود، بقصد إضعاف ثقة المواطن "الفرد" والمجتمع بالدولة، وإضعاف ثقة الأخيرة بنفسها على الصعيدين الداخلي والدولي.

وليس غريبًا حين يتمكّن التعصّب ثم التطرّف من إنسان أو مجموعة بشرية، فتستحكم فيه أو فيها الكراهية ضدّ الآخر، وهو ما يترجَم أحيانًا إلى أعمال عنف لا إنسانية، طالما يستبطن ذلك الاعتقاد صوابية الفكرة والسلوك.

   لعلّ ما نشهده اليوم في مجتمعاتنا إنما هو ثمار ما زرعته التيارات السياسية والدينية والقومية وأنظمة حكمها التي ظلّت تقتات على الكراهية والتعصّب والتطرّف والعنف، فالعديد منها وإن اختلفت أيديولوجياتها الفكرية والدينية، إلّا أن حمولتها الشمولية "التوتاليتارية" منبعها واحد أساسه زعمها احتكار الحقيقة، والسعي لإقصاء الآخر وتبرير استخدام العنف باعتباره الوسيلة المشروعة في الوصول إلى تحقيق أهدافه.

من صور خطاب الكراهية التحريض على العنف والتمييز والعداوة وقد ظلّت القواعد القانونية الدولية تعاني من الغموض والإبهام فيما يخص العداوة والكراهية، بحيث يمكن أن تقدّم تفسيرًا واسعًا أو ضيقًا، بفرض قيود موضوعية أو غير موضوعية ضرورية أو غير ضرورية على حريّة التعبير، ومنها الكراهية القومية والعنصرية والدينية، كما هو السلوك الشفاهي أو الكتابي أو العملي الممارساتي الذي يهاجم شخص ما أو مجموعة على أساس الهويّة بلغة إزدرائية أو تمييزية على أساس الدين أو الأصل أو الجنس أو أي عامل آخر.

غياب التشريعات الدولية وتناقضاتها

حتى الآن لا توجد اتفاقية دولية لمكافحة خطاب الكراهية والقضاء عليه، إضافة إلى تناقض التشريعات في الاتفاقيات الدولية وعدم التمييز بين ما يُقصد بخطاب الكراهية وحرية التعبير، فضلاً عن الخلط المفاهيمي بين خطاب الكراهية والتحريض عليه، وعدم الاتفاق على المقصود بـ "المحرمات" و "المقدسات"، خصوصاً في مرحلة الذكاء الاصطناعي، فهناك خطاب يجب حظره وآخر ممكن حظره وثالث لا يمكن حظره، وإن يمسّ المشاعر لشخص أو مجموعة أشخاص.

وفي ختام المؤتمر صدر عنه إعلان أطلق عليه " شرعة القاهرة" لمواجهة خطاب الكراهية وحماية الكرامة الإنسانية، أكّد على أهمية الوقاية من خطاب الكراهية ومعالجة أسبابه البنيوية والحماية منه ومعالجة آثاره، وذلك بتقديم أولوية الكرامة الإنسانية والمساواة وعدم التمييز وحماية التعددية وحرية التعبير وحكم القانون، فضلاً عن عدم التوظيف السياسي للدين والهويّة.

وأكدت الشرعة على ضرورة إعداد خطط وطنية وإصلاح المجال التشريعي والمجال الديني والمجتمع المدني وقطاع التربية والتعليم والبحث العلمي والفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي وتبنّى المؤتمر الدعوة لتأسيس مرصد مستقل لخطاب الكراهية في كل دولة.

 

جدير بالذكر أن البابا الأنبا تواضروس الثاني (بابا الاسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية ورئيس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر وسائر بلاد المهجر) استقبل المشاركين في المؤتمر واكّد على أهمية عقد هذه اللقاءات الفكرية داعياً إلى المحبة والتسامح.

 نشرت في جريدة الوطن الجديد العراقية بتاريخ 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2026

×
أخبار
رئيس الموساد السابق يكشف كيف قامت إسرائيل بحماية عملاء في إيران وفجرت أجهزة حزب الله التطبيع العربي "الإباحي" قاطرة "الفاشية اليهودية" إصابة 12 شخص بإطلاق نار قرب جامعة فلوريدا الأمريكية- فيديو جيش الاحتلال يواصل حرب التطهير العرقي ويشن حملة اعتقالات ومداهمات في الضفة الغربية مصادر: إيران تعرض عبر باكستان فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار التحالف يعلن تدمير صاروخ باليستي أطلقه الحوثيين باتجاه الرياض تل أبيب: أكثر من 100 ألف متظاهر طالبوا بتشكيل لجنة تحقيق في 7 أكتوبر ورحيل الحكومة "المحتالة" "هآرتس": الانتخابات الإسرائيلية لن تغير سياسة الاحتلال.. والرهان على هزيمة نتنياهو وهم الخارجية الإيطالية: عودة 5 ناشطات إيطاليات احتجزهن الجيش الإسرائيلي بالضفة الغربية "هآرتس" : نتنياهو يوظّف حادثة الخليل انتخابياً ويكشف عن رؤية "كارثية" تعزل إسرائيل اقتصادياً وأمنياً مجتبى خامنئي يطالب بتعويضات عن ضربات أمريكا وإسرائيل آيزنكوت: كان على نتنياهو أن يكتب استقالته ويخرج من الحياة السياسية.. ولا أرى تهديد مباشر من أيران السعودية.. سقوط شظايا اعتراض صاروخين حوثيين باتجاه مكة والمدينة ن.تايمز: أمريكا تقلّص موظفي سفاراتها بالشرق الأوسط تحسبًا لهجمات إيرانية المستشار الألماني ميرتس: الأوروبيون يفقدون الثقة في الاتحاد الأوروبي دراسة تاريخية تسلط الضوء على "الجذور المظلمة" لتأسيس "أيباك" إثر مجزرة قبية عام 1953 غوتيريش من القاهرة: أحمل رسالة عاجلة لوقف توسع الحرب وحماية المدنيين في المنطقة تحقيق استقصائي يكشف عن منظومة سرية بمكتب نتنياهو لإدارة "حملة تضليل" والتحكم في رواية إخفاق 7 أكتوبر رعب النهب يغلق متاجر باريس الفاخرة.. وحصون أمنية غير مسبوقة استعداداً لــ عاصفة احتجاجات جديدة "من حافة الانهيار إلى مسار البناء".. أبرز قرارات ورسائل الرئيس السيسي في ختام "منتدى مصر 2026" العاهل الأردني يوجه بالرد بحزم على "الخوارج" ومن يبرر الإرهاب العفو الدولية: الفلسطينيون لا يتوقعون تغييرا إيجابيا بعد الانتخابات الإسرائيلية الجامعة العربية تدين تصعيد جرائم الاحتلال في الخليل وسائر أنحاء الضفة الغربية الاقتصاد الأمريكي: توقعات بتباطؤ النمو وارتفاع التضخم الخارجية الفلسطينية توجه السفارات والبعثات لحشد تحرك دولي عاجل ضد جرائم جيش الاحتلال بن غفير عبء على إسرائيل وتهديد لسيادة القانون.. نداء يميني أخير لإبعاده عن السلطة تقرير: حرب سريّة لتهجير الضفة وتغيير هوية القدس الإمارات دفعت لشركة استخبارات سويسرية لإعداد قاعدة بيانات بمستخدمي فيسبوك "المعادين" قتلى ونزوح الآلاف إثر اشتباكات حدودية بين إقليمي الصومال وأوروميا في إثيوبيا و س ج: إيران تفقد طرق التجارة وإغلاق المعابر يفاقم عزلتهاالاقتصادية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط