مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

خارطة ميلادينوف..نحو المرحلة الثانية

خارطة ميلادينوف..نحو المرحلة الثانية

تاريخ النشر: 2026-08-02 | 14:17

محمد مصطفى شاهين
محمد مصطفى شاهين

في عوالم الخطاب السياسي الغربي السائد حيث تُختزل شرعية الفعل الفلسطيني بين ثنائية القبول بالاستسلام الكامل أو التدمير الشامل تأتي خارطة الطريق هذه كحالة تعرية نادرة لآليات الهيمنة.

إن ما تريده إسرائيل والولايات المتحدة ليس مجرد إنهاء الحرب بل تصفية القضية ذاتها عبر تحويل غزة إلى مساحة إنسانية منزوعة الإرادة السياسية. لكن ما حدث في الواقع أن شعباً حوصر وجُوِّع وقُصف بترسانة القوى العظمى لم يرفع الراية البيضاء بل أعاد صياغة شروط اللعبة.

الصيغة التي نوقشت لا تتحدث عن استسلام ولا عن نزع سلاح شامل مفتوح بل عن حصر وتخزين ضمن ترتيبات فلسطينية وهذا فارق جوهري في ميزان القوى. إنها نقلة من نموذج التجريد القسري الذي مارسته الإمبريالية في كل مستعمراتها إلى نموذج التنظيم الذاتي الذي يبقي على جوهر القدرة في أيدٍ فلسطينية وأن قضية غزة شأن فلسطيني خالص فإنه يمارس ما يمكن تسميته بمقاومة المفردات أي انتزاع مساحة من السيادة اللغوية والقانونية داخل اتفاق مفروض أصلاً في سياق غير متكافئ.

لنكن واضحين المجتمع الدولي بقيادة حلفاء اسرائيل لم يتحركوا لإنقاذ غزة بل لإنقاذ صورة النظام الذي كشف عورته الأخلاقية عاماً بعد عام، المساعدات والإعمار ليست تعويضاً عن خراب الاحتلال بل هي ثمن لاستمرار النظام العالمي في ادعاء الإنسانية، لكن الموقف الفلسطيني هنا أذكى من أن يرفض الإغاثة أو ينتظر عدالة الغرب فهو يأخذ ما يستطيع انتزاعه لإنقاذ السكان دون أن يمنح الشرعية لآليات الهيمنة. الجوع والمرض والبرد لا يفرقون بين أيديولوجيا وأخرى وهذا تحديداً ما تفهمه القيادة التي تفاوض الآن.

إن الرهان الخفي الذي يكشفه هذا الاتفاق هو تحويل الآليات الدولية المفروضة إلى أدوات توثيق ومراقبة يمكن أن تنقلب على من صممها، القوة الدولية التي يُفترض أنها تأتي للفصل بين الجانبين ستكون ملزمة بتسجيل أي خرق إسرائيلي وأي مماطلة في الانسحاب. هذا لا يعني السذاجة بأن الأمم المتحدة ستحمي الفلسطينيين من إسرائيل لكنه يعني أن الاحتلال الذي اعتاد العمل في فراغ إعلامي وقانوني سيجد نفسه مضطراً للتعامل مع أعين دولية حتى لو كانت تلك الأعين مغمضة في معظم الأحيان.

المسألة المركزية هنا هي مسألة الالتزام المتبادل المشروط الذي يمنع إسرائيل من الحصول على كل شيء دفعة واحدة، من جهة الاحتلال يريد نزع السلاح الفلسطيني قبل أن يمنح شيئاً وهذا هو النمط الاستعماري التقليدي: جرد المستعمَر من أي وسيلة ضغط ومن جهة أخرى فرض الشروط عليه ما تقوله خارطة الطريق هو العكس تماماً: الانسحاب الكامل أولاً والإغاثة أولاً وعودة النازحين أولاً ثم بعد ذلك تنفيذ الترتيبات الأمنية على مراحل مراقَبة وموثقة. إنها قلب للمنطق الاستعماري الذي يطلب من الضحية تسليم كل أوراقها مقابل وعود غامضة.

يجب أن نرى أيضاً كيف أن فكرة الإجماع الوطني واللجنة الوطنية لإدارة غزة ليست مجرد ترتيب إداري بل هي حائط صد ضد المخطط الإسرائيلي الدائم لتفتيت التمثيل الفلسطيني وخلق كيانات متصارعة يسهل ابتزازها. الاحتلال يريد حكماء عشائر أو عملاء محليين أو أي بديل ينهي ظاهرة الحركة الوطنية المنظمة. الرد الفلسطيني هو إطار وطني جامع يدير المرحلة دون أن يحل محل منظمة التحرير ودون أن يصبح بديلاً عن المشروع الوطني.

ثمة مفارقة عميقة هنا كثيراً ما يصف الإعلام الغربي المقاومة بأنها رهينة للأيديولوجيا بينما الواقع أن المرونة التي أبدتها القيادة في غزة من تسليم الإدارة إلى تفويض اللجنة الوطنية إلى التعامل البراغماتي مع ملف السلاح تكشف أيديولوجيا الاحتلال الحقيقية من يتمسك بالوهم هو من يعتقد أن بإمكانه إبادة شعب ثم إعادة تشكيله على صورته الاستعمارية من يتمسك بالخرافة هو من يظن أن ثلاث سنوات من القصف ستجعل غزة تستسلم بدلاً من أن تعيد اختراع وسائل بقائها ونضالها.

التحليل العميق لا ينظر إلى هذا الاتفاق بوصفه نهاية لشيء بل بوصفه انتقالاً من طور إلى طور المقاومة ليست بندقية فقط بل هي قدرة على إعادة تعريف الواقع باستمرار.

في العام 1948 هجر الفلسطينيون من قراهم واعتقدت الحركة الصهيونية أن النكبة هي الكلمة الأخيرة. في العام 2025 بعد حرب إبادة ممنهجة يقف الفلسطينيون في غزة ليقولوا إنهم باقون وإنهم من سيحدد شروط المرحلة القادمة وإن ترتيبات السلاح ستبقى قراراً فلسطينياً خالصاً.

هذه ليست نهاية الصراع بل لحظة من لحظاته تكشف من جديد أن القوة العسكرية الجبارة لا تستطيع إخضاع إرادة شعب رفض الاختفاء. ما تفعله القيادة الفلسطينية الآن ليس تفريطاً ولا انتصاراً مطلقاً بل هو فن النضال في زمن الإبادة إنها تقول لشعبها سنوقف نزيفكم ونفتح الطريق لإعادة بناء ما هدمه المحتلون وفي الوقت ذاته نبقي على جوهر قوتنا بأيدينا لا بأيدي من أرادوا لنا الفناء. في عالم يدار بمنطق القوة فقط ليس هناك إنجاز أعظم من أن تفرض وجودك وشروطك عندما تكون كل أدوات الموت موجهة إليك.

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط