مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

"حين يصبح الموت مشهدًا احتفاليًا، ينهار معنى العدالة"

في زمنٍ تتكاثر فيه الخيانات والخذلان، يقف الناس غاضبين، يطالبون بالقصاص، يلعنون كل من باع وطنه أو تعامل مع العدو. لكن الغضب لا يمنح أحدًا، لا فصيلًا ولا جمهورًا، حقَّ استباحة الدم خارج إطار القانون. فالجريمة، مهما كانت بشاعتها، لا تُواجَه بجريمة أخرى. والأسوأ من القتل نفسه هو تحوّله إلى مهرجانٍ احتفالي، حين تتراص الجماهير وتصفق للموت، ويُغلف الإعلام الحزبي هذه الفظائع بشرعيةٍ زائفة. عندها لا نكون أمام حدثٍ عابر، بل أمام انهيارٍ في الضمير الجمعي، وانكشافٍ لخطر الفكر المضمحل الذي يحوّل الناس إلى أدواتٍ لا تفرّق بين العدالة والانتقام.

الجريمة لا تُطهّرها التصفيق

الإعدام خارج القضاء يقضي على الحق في محاكمةٍ عادلة، ويحوّل أي شكٍّ أو خطأ إلى موتٍ لا رجعة فيه. وعندما يتحول تنفيذ الأحكام إلى عرضٍ جماهيري يُصفق له الناس، فإن المجتمع بأسره يتحول إلى شريكٍ في الإثم.

التصفيق لا يبرّئ الضمير، بل يميّعه ويخرس صوت العقل، لأن من يعتاد التهليل للدم يفقد تدريجيًا إحساسه بقيمته. وهكذا، تُصبح الجريمة مشهدًا عاديًا، ويتحول المذنب الحقيقي إلى رمز، بينما يُدفن الحق في الضجيج.

تجييش العامة: من الفقر إلى غسل الضمائر

أغلب الذين يُحضرون مشاهد الإعدام ويهللون لها ليسوا قضاة ولا محققين، بل مواطنون عاديون أرهقهم الفقر والخذلان. يبحثون عن انتصارٍ رمزي في واقعٍ يسلبهم الكرامة والأمان. حين يعجز الفرد عن مواجهة أسباب بؤسه الحقيقية، يُغرى بالانخراط في لحظةٍ جماعية توهمه بالقوة والانتصار، فيتحول الدم إلى وسيلةٍ لتسكين الضمير، والتصفيق إلى طقسٍ لغسل العجز.

الفصائل التي تستثمر هذا الغضب الشعبي لا تحمي المجتمع، بل تستخدمه كدرعٍ نفسي وسياسي لتغطية فشلها في بناء مؤسسات عدلٍ حقيقية. وهكذا تتحول العدالة من نظامٍ مؤسسي إلى طقسٍ انفعالي، وتُختزل القضايا الوطنية الكبرى في مشهدٍ دموي يعيد إنتاج الخوف والولاء بدلًا من الوعي والمحاسبة.

من العدالة إلى الانتقام

العدالة لا تنتصر حين تُنفّذ بلا قانون، بل تُغتال معه. فالإعدام الميداني لا يردع الخيانة، بل يرسّخ فكرة أن العنف هو الطريق الوحيد لحماية القيم. وحين يغيب القانون، يغيب معه الأمان، لأن من يملك السلاح اليوم قد يوجهه غدًا إلى أي مخالفٍ آخر بتهمةٍ جديدة.

الانتقام ليس بديلاً عن العدالة، بل نقيضها. والاحتفاء بالعقوبة يفقدها معناها الردعي، لأن الناس لا يعودون يرون فيها تطبيقًا للحق، بل انتصارًا لطرفٍ على آخر. وهكذا، تُسلب العدالة من جوهرها وتتحول إلى أداةٍ للهيمنة لا وسيلةٍ للإنصاف.

الضمير الجمعي: اختبار الإنسانية الأصعب

حين يصفّق الناس للموت، فالمشكلة لم تعد في القاتل وحده، بل في المجتمع الذي اعتاد على مشاهد الدم حتى فقد حساسيته تجاهها. هذا التبلّد الأخلاقي هو الخطر الأكبر، لأنه يفتح الباب أمام مزيدٍ من الانحدار، ويحوّل فكرة "العدالة الشعبية" إلى غطاءٍ لكل فظاعةٍ مقبلة.

المجتمع الذي يُصفّق للإعدام اليوم قد يجد نفسه غدًا على المنصة نفسها، ضحية اتهامٍ أو وشايةٍ أو مزاجٍ سياسي متقلب. لذلك، فإن حماية العدالة لا تكون بالصمت ولا بالمباركة، بل بالمطالبة الدائمة بسيادة القانون، وبمقاومة تحويل الغضب الشعبي إلى أداةٍ لتبرير القتل.

في ختام سطور مقالي:

الإعدام الميداني لا يطهّر الأرض من الخيانة، بل يلوّثها بدمٍ بلا محاكمة. والتصفيق لا يمحو الخطيئة، بل يرسّخها في وجدانٍ جماعي يختلط فيه الحق بالباطل.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمعٍ تحت الاحتلال أو في زمن الأزمات هو أن يفقد بوصلته الأخلاقية، فيخلط بين العدالة والانتقام. فحين نبرّر القتل خارج القانون بحجة الخيانة، نكون قد خُنّا أنفسنا أولًا، وخسرنا ما هو أثمن من الأرض: إنسانيتنا.

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط