مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

حين يختلف الشعراء والنقاد في تعريف القصيدة

حين يختلف الشعراء والنقاد في تعريف القصيدة

تاريخ النشر: 2026-04-24 | 18:40

شاركت في ندوة أدبية في جامعة القدس المفتوحة، ولم تكن تلك الندوة مجرّد مناسبة ثقافية عابرة تضاف إلى رزنامة الأنشطة الجامعية، بل بدت لي لحظة كاشفة، ومرآة صادقة لحال المشهد الشعري والنقدي العربي في هذه المرحلة المضطربة من تاريخنا الثقافي، وهناك، تحت سقف الحوار، تجاورت الرؤى، وتقاطعت المناهج، وتباينت الأحكام، بينما وقف الشعر نفسه في منتصف القاعة، ككائن قديم ومتجدّد، يسأل الجميع: من أنا الآن؟ وكيف ترونني؟

ما شدّني في تلك الندوة لم يكن فقط ثراء الطروحات وتنوّع المقاربات، بل ذلك التناقض الخلّاق بين ما قدّمه الدكتور جمال رباح، وما طرحه الدكتور محمود صبري عودة، وما ذهبت إليه الأستاذة سناء التايه، ثلاثة أصوات أكاديمية ونقدية، غير أنّها بدت لي وكأنها ثلاث مدارس كبرى تنظر إلى القصيدة من ثلاث نوافذ مختلفة، وتقرأ جوهر الشعر من زوايا متباعدة، لكنها متكاملة في عمقها الإنساني.

فثمّة من يرى الشعر امتداداً للتراث الكلاسيكي العربي، حيث الوزن موسيقى، والقافية ذاكرة، والبلاغة نسبٌ عريق يمتد من المعلقات إلى أبي تمام والمتنبي وأبي فراس، وصولاً إلى كبار المحدثين، وفي هذا التصوّر، لا يكون الشعر شعراً إلا إذا حافظ على جوهره الإيقاعي، وعلى انضباطه الفني الذي صقلته قرون طويلة من التجربة والإنشاد والذائقة الجماعية، وهنا تبدو القصيدة العمودية أشبه بقصر عربيّ قديم، تتجاور فيه الأعمدة والزخارف والهيبة، وتتنفّس في أروقته اللغة الفخمة والجرس العالي.

وأصحاب هذا الاتجاه لا يدافعون عن الشكل وحده، بل عن ذاكرة أمة كاملة، وعن تراث لغوي يرى في الموسيقى الداخلية والخارجية للقصيدة جزءاً من هوية العربية ذاتها، فالإيقاع، بالنسبة إليهم، ليس زينة خارجية، بل روح تسري في النص، وميزان يحفظ انسجامه، وجسر يصل القصيدة بالمتلقّي، ولذلك ينظرون بشيء من الريبة إلى النصوص التي تتخفّف من الوزن، خشية أن تفقد الشعرية معناها، أو تتحوّل القصيدة إلى نثر مقطّع بلا حرارة.

وثمّة من ينظر إلى الشعر بوصفه كائناً متحوّلاً، لا يقيم في شكل واحد، ولا يعترف بحدود نهائية، فالشعر الحر، وقصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر، ليست خروجاً على الشعر، بل تطوّراً طبيعياً في استجابة اللغة لتحوّلات الإنسان والعصر، فكيف يمكن لزمن تتكسّر فيه الخرائط، وتضطرب فيه الهويات، وتتغيّر فيه أنماط الوعي والحياة، وأن يظلّ أسيراً لبنية واحدة صيغت في شروط تاريخية مختلفة؟

وفي هذا الاتجاه، تصبح الحرية الإيقاعية ضرورة فنية، لا تمرّداً مجانياً، ويغدو كسر الشكل التقليدي محاولةً للبحث عن موسيقى أخرى تناسب روح العصر، فالإنسان الحديث لم يعد يعيش إيقاع الحياة القديمة نفسها، ولم تعد أسئلته تشبه أسئلة الأسلاف، ولذلك يبحث عن لغة أكثر مرونة، وصورة أكثر توتراً، ونصّ أكثر قدرة على التقاط القلق الوجودي والتمزّق الداخلي.

أما المدرسة الثالثة، فتقف في منطقة أكثر تركيباً ونضجاً؛ فلا ترفض التراث، ولا تسلّم تماماً بكل جديد، بل تبحث في القيمة الجمالية للنص نفسه، بعيداً عن التعصّب للشكل أو الانحياز المسبق للنوع، وهنا لا يكون السؤال: هل القصيدة عمودية أم حرّة أم نثرية؟ بل: هل نجحت في خلق الدهشة؟ هل امتلكت لغتها الخاصة؟ هل صنعت رؤيتها؟ هل أضافت إلى التجربة الإنسانية شيئاً من الضوء، أو طرحت سؤالاً جديداً على الروح؟

هذا الاتجاه يرى أنّ الشكل وعاء، لكنه ليس الجوهر، فكم من قصيدة موزونة ماتت قبل أن تقرأ، لأنها لم تحمل حرارة التجربة، وكم من نصّ حرّ أو نثري ظلّ حيّاً في الذاكرة، لأنه امتلك صدقه الفني، وتوتّره الداخلي، وفرادته التعبيرية، والشعر هنا لا يقاس بالمسطرة العروضية وحدها، ولا يمنح شهادة الميلاد بمجرد إعلان التمرّد على الوزن، بل يختبر في منطقة أعمق: منطقة الأثر والجمال والكشف.

لقد أدركت من خلال ذلك الحوار أنّ أزمة الشعر العربي ليست في الأشكال، بل في الأحكام المسبقة، فكثيرون يدخلون إلى القصيدة وهم يحملون قرارهم سلفاً: هذا شعر لأنه موزون، وذاك ليس شعراً لأنه حرّ، أو العكس تماماً، بينما الشعر الحقيقي أكبر من قوالبه، وأوسع من تعريفاته المدرسية، وأكثر مراوغة من أن يحبس في قانون واحد.

فالقصيدة العمودية يمكن أن تكون ميتة رغم انتظامها، إذا خلت من الروح، وتحولت إلى تمرين لغوي بارد، وقصيدة النثر يمكن أن تكون نابضة إذا امتلكت توتّرها الداخلي، وموسيقاها الخفية، وصورها المدهشة، كما أن الشعر الحر، حين ينجح، يخلق إيقاعه الخاص الذي لا يقاس بعدد التفعيلات، بل بقدرة النص على أسر القارئ، وجذبه إلى مناخ لا ينسى.

إن اختلاف المدارس النقدية واللغوية أمر صحي، بل ضروري، فالثقافة التي تتفق تماماً تموت ببطء، لأنها تتوقّف عن طرح الأسئلة، أما الثقافة التي تختلف فإنها تنتج حيويتها باستمرار، وتعيد النظر في مسلّماتها، وتمنح الإبداع فرصة التنفّس، والمشكلة ليست في التباين بين النقاد والأكاديميين، بل في تحويل الرأي إلى يقين مغلق، والميل النقدي إلى محكمة نهائية لا تسمح بالاستئناف.

إن تاريخ الأدب كله قائم على هذا الجدل الخلّاق، فلو انتصر المحافظون دائماً لما ولد التجديد، ولو انتصر المتمرّدون دائماً لضاعت الجذور، وما من نهضة حقيقية إلا وكانت ثمرة هذا الشدّ بين الوفاء للماضي والرغبة في تجاوزه، فالشعر، مثل النهر، يحتاج إلى منبعه كما يحتاج إلى مجراه المفتوح.

خرجت من الندوة وأنا أكثر اقتناعاً بأن الشعر لا يحتاج إلى من يحرس أبوابه بقدر ما يحتاج إلى من يفتح نوافذه، فكل مدرسة تحمل شيئاً من الحقيقة، لكنها لا تملك الحقيقة كاملة، والشعر، في جوهره، عصيّ على الاحتكار؛ لأنه ابن الحرية، ورفيق الدهشة، وذاك الكائن الذي كلّما حاولنا تعريفه، أفلت من بين أصابع اللغة، وذهب ليقيم في قلب قارئٍ جديد.

×
أخبار
آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط