مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

حين يتقدّم القمح الأوكراني على الدم الفلسطيني: مفارقات النظام الدولي الجائر

حين يتقدّم القمح الأوكراني على الدم الفلسطيني: مفارقات النظام الدولي الجائر

تاريخ النشر: 2026-05-02 | 09:24

في سياقٍ دولي شديد التعقيد تتقاطع فيه الحرب مع الاقتصاد برزت خلال شهر أبريل/ نيسان الماضي 2026 قضية شحنة قمح أوكرانية أثارت جدلاً دبلوماسياً واسعاً بعد رصد سفينة الشحن بانورميتيس التي ترفع علم بنما وهي تحاول الرسو في ميناء حيفا منتصف أبريل 2026 حيث غادرت السفينة ميناء كافكاز الروسي محملة بـ 6200 طن من القمح و19 ألف طن من الشعير وقد اكدت السلطات الأوكرانية أنها نتاج عمليات نهب منظمة من الأراضي المحتلة في شرق وجنوب أوكرانيا

 عملية إدخالها السفينة إلى الميناء تمت دون الاستجابة الكاملة لمطالب الاحتجاز أو التحقق القانوني من مصدرها في انتهاك صريح لمبدأ عدم جواز الاستفادة من موارد مأخوذة من أراضٍ محتلة بينما تعاملت أطراف أخرى مع الملف ضمن إطار فحص قانوني ودبلوماسي دون تبني توصيفات قاطعة

الموقف الأوروبي المتشدد تجاه سرقة القمح الأوكراني اثار تساؤلات مشروعة حول صمم ما يحدث في فلسطين المحتلة من  سرقة الأرض بينما يهدد الاتحاد الأوروبي بعقوبات بسبب قمح مسروق لم يتخذ خطوة واحدة جادة لوقف الاستيطان وتجريف الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وبروكسل كنموذج فج لازدواجية المعايير الدولية سارعت لإدانة سرقة القمح الاوكراني وهددت بفرض عقوبات عاجلة حيث تحولت أطنان القمح الأوكراني المنهوب إلى وقود لأزمة سياسية وقانونية دولية كبرى بينما لا تزال تغض الطرف عن سرقة الأرض الفلسطينية المستمرة وحرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل في قطاع غزة

في قلب الحدث تبلورت بوضوح عبارة " القمح الأوكراني أولاً والدم الفلسطيني آخراً  كإطار نقدي يعكس ما يعتبره كثيرون خللاً في ترتيب الأولويات الدولية حيث تتحرك المؤسسات الغربية بسرعة لافتة عند تهديد سلاسل الغذاء العالمية أو عند الاشتباه في سرقة موارد استراتيجية بينما يتراجع حضورها الفاعل عندما يتعلق الأمر بملفات إنسانية ممتدة مثل القضية الفلسطينية التي تشهد حصاراً متواصلاً في قطاع غزة وتوسعاً استيطانياً في الضفة الغربية ومصادرة للأراضي وقيوداً اقتصادية وإنسانية متراكمة منذ عقود

الحقيقة ان هذا التباين لا يمكن فهمه فقط من زاوية التعاطف أو الانحياز بل يرتبط ببنية النظام الدولي نفسه الذي يعطي وزناً أكبر للقضايا التي تمس الأمن الاقتصادي العالمي واستقرار الطاقة والغذاء مقارنة بالقضايا التي تُصنف ضمن النزاعات السياسية المزمنة وهنا يظهر أن معيار الفعل الدولي والعدالة الإنسانية التي تكون غالبا اقرب  المصالح المباشرة

تضاربات المسألة الأوكرانية أضافت تقارير إعلامية عن استخدام سفن تعمل في " الظل البحري" لمسارات تهريب معقدة بعداً آخر للأزمة حيث أصبحت مسألة تتبع مصدر الحبوب والتحقق من قانونيتها جزءاً من صراع أوسع بين روسيا والغرب تُستخدم فيه الموانئ كعقد لوجستية في شبكة ضغط اقتصادي متبادل لكن إدخال هذه الشحنات إلى أسواق دول أخرى فتح باباً واسعاً للنقاش حول مسؤولية الدول المستوردة وحدود التحقق القانوني من مصادر السلع في زمن الحرب

رد الفعل الأوروبي جاء سريعاً وحاداً نسبياً إذ جرى التلويح بفرض عقوبات على جهات يُشتبه بتورطها في استغلال هذه الحبوب باعتبار أن ذلك يندرج ضمن خرق منظومة العقوبات المفروضة على روسيا وتمويل غير مباشر لحربها وهذا التحرك الأوروبي عكس حساسية عالية تجاه ملف القمح الأوكراني ليس فقط من زاوية القانون الدولي بل أيضاً من جانب أمن الإمدادات الغذائية والاستقرار الاقتصادي داخل أوروبا نفسها وهو ما جعل الاستجابة سياسية واقتصادية في غاية السرعة والصرامة

المشهد المتعجل بكل ما حمله من حزم في ملف القمح يفتح في المقابل سؤالاً أكثر إيلاماً عندما يُقارن بملف آخر يمتد لعقود وهو الملف الفلسطيني حيث يعيش الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت حصار متواصل وتضييق اقتصادي ومصادرة للأراضي وتوسع استيطاني مستمر منذ احتلال الأرض حتى اليوم ورغم حجم المعاناة الإنسانية المتراكمة بما في ذلك أزمات الغذاء والدواء وقيود الحركة فإن مستوى الاستجابة الدولية لا يبدو متناسباً مع حجم الأزمة بل غالباً ما يُدار الملف الفلسطيني على استحياء وضمن سياقات سياسية معقدة تُضعف من فاعلية الإدانة لاسرائيل أو تحولها إلى بيانات عامة لا تُترجم إلى إجراءات رادعة مماثلة لتلك التي تُطرح في حالات أخرى

التحليل الاعمق لما جرى لا بتعلق بالمقارنة المباشرة بين أزمتين مختلفتين في السياق والتاريخ بقدر ما تتعلق ببنية النظام الدولي نفسه الذي يبدو أكثر حساسية تجاه تهديدات سلاسل الإمداد العالمية وأكثر استعداداً للتحرك عندما تتأثر مصالحه الاقتصادية أو الغذائية بينما يتباطأ أو يتردد عندما يتعلق الأمر بانتهاكات طويلة الأمد تطال حياة البشر وحقوقهم الأساسية وهنا يظهر بوضوح مفهوم الانتقائية في تطبيق المبادئ حيث تتحول بعض القضايا إلى أولوية قصوى بفعل تأثيرها المباشر على الأسواق والاستقرار بينما تُترك قضايا أخرى في دائرة إدارة الأزمة دون حلول جذرية

داخل هذا التناقض البنيوي في المواقف الدولية تُطرح بقوة إشكالية ازدواجية المعايير في الخطاب الدولي حيث يمكن أن تُستخدم مفردات مثل "السرقة" و"القرصنة" و"انتهاك القانون الدولي" بشكل صارم في حالة القمح الأوكراني بينما تُستخدم مفردات أكثر تحفظاً أو دبلوماسية عند الحديث عن قضايا تتعلق بالأرض والاحتلال والحقوق السياسية المسلوبة للشعوب وهذا التباين في الخطاب ليس مجرد اختلاف لغوي بل حالة مرضية مزمنة تعكس اختلافاً في ترتيب الأولويات داخل المنظومة السياسية العالمية حيث تُقاس القضايا أحياناً بمدى تأثيرها على الاستقرار الاقتصادي أكثر مما تُقيم بمدى تأثيرها على حياة الإنسان وكرامته

لا شك ان استمرار هذا النمط من الانتقائية يطرح تحدياً أخلاقياً وسياسياً عميقاً لأنه يعيد تعريف معنى مفهوم العدالة الدولية بطريقة غير متوازنة ويجعل من بعض الاغلاط قضايا عاجلة بينما تتحول مآسٍ كبرى إلى ملفات انسانية غير مهمة وما بين القمح الذي يتحرك بسرعة لافتة عبر قنوات الدبلوماسية الدولية وبين العقوبات المنسية والدم الفلسطيني الذي يظل عالقاً في جغرافيا الصراع تتشكل صورة عالم لا يزال يجد صعوبة في تحقيق توازن حقيقي بين حماية المصالح وحماية شعب اعزل يباد امام العالم اجمع دون اي حراك لوقف المجزرة

هذه الحادثة التي جاءت ضمن سلسلة تقارير موثقة عن شبكات نقل الحبوب من مناطق الحرب في البحر الأسود عبر مسارات بحرية معقدة لم تكن الواقعة الوحيدة بل يبدو أنها قمة جبل الجليد فقد كشف تحقيق موسع لصحيفة هآرتس الإسرائيلية عن تفريغ ما لا يقل عن أربع شحنات ضخمة من الحبوب الأوكرانية المسروقة في الموانئ الإسرائيلية منذ بداية العام الجاري وهكذا أصبح القمح الذي يُفترض أنه سلعة غذائية جزءاً من معادلة صراع دولي مفتوح تُستخدم فيه الموانئ والأسواق كامتداد غير مباشر لجبهات الحرب

المفارقة اللافتة هنا ان إسرائيل تدان في أروقة الاتحاد الأوروبي لأنها تشتري حبوباً من روسيا لكنها تُعفى من الإدانة الحقيقية والعقوبات الاقتصادية رغم قتلها لعشرات الآلاف من المدنيين وتدميرها الممنهج للحياة الإنسانية في غزة وإن اهتمام بروكسل وغيرها بالقمح والعقوبات الروسية يتفوق بوضوح على اهتمامها بحقوق الإنسان وحق الشعب الفلسطيني في أرضه وحياته مما يجعل من دفاعها عن أوكرانيا مجرد أداة سياسية مجردة من المبادئ

العلاقات بين كييف وتل أبيب تشهد اليوم حالة غير مسبوقة من البرود الشديد خصوصا وان إسرائيل التي تحاول الرقص على الحبال المشدودة للحفاظ على علاقتها بموسكو امتنعت عن تقديم أي دعم عسكري جدي لأوكرانيا وبالمقابل بدأ الرئيس الأوكراني زيلينسكي في تهميش إسرائيل دولياً مستثنياً إياها من جولاته الدبلوماسية الاخيرة ومع تحول الموانئ الإسرائيلية إلى مستودعات للمنهوبات يبدو أن الطريق بات ممهداً لصدام قانوني دولي حيث تجد إسرائيل نفسها متهمة بالسرقة في جبهتين سرقة قمح أوكرانيا في الشمال وسرقة أرض فلسطين وإبادة شعبها

اخيرا : إن معالجة هذا الخلل لا تتطلب فقط مواقف سياسية أكثر اتساقاً بل تحتاج إلى إعادة نظر في طريقة ترتيب الأولويات الدولية نفسها بحيث لا تبقى حياة الإنسان رهينة لموقعه الجغرافي أو لحساسية موارده الاقتصادية بل تصبح القيمة الإنسانية هي المعيار الأول والأخير في الحكم على الأزمات والتعامل معها.

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط