مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

فلسطين أولاً

حين تصبح الوحدة الوطنية أعلى من الفصائل والاجتهادات السياسية

ليست أخطر ما تفعله الحروب أنها تقتل البشر، بل أنها تُربك البوصلة، حتى يصبح الخلاف بين أبناء القضية الواحدة أعلى صوتاً من مواجهة من يصنع المأساة نفسها. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الواجب الوطني والأخلاقي أن نفرق بين النقد المشروع، الذي يحمي المجتمع ويصحح أخطاءه، وبين السرديات التي تنتهي - بقصد أو بغير قصد - إلى إعادة تعريف العدو، وتحويل بوصلة الصراع من مواجهة الاحتلال إلى التنازع الداخلي. ومن هذا المنطلق تأتي هذه القراءة، لا دفاعاً عن فصيل، ولا خصومة مع آخر، وإنما دفاعاً عن الحقيقة الوطنية التي لا يجوز أن تضيع وسط ضجيج الألم والانقسام.

اطلعتُ بتقديرٍ بالغ على عدة مقالات منسوبة لأشخاص نحتسبهم من الطبقة المثقفة حول ما أُطلق عليه "حراك 26 يونيو" في قطاع غزة. ولا شك أنهم ينطلقون من تشخيصٍ حقيقي لحجم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها أهلنا في القطاع؛ من حرب إبادة وتدمير وتجويع ونزوح سحقت مقومات الحياة الأساسية. والانحياز لعذابات هذا الشعب العظيم والمنكوب هو واجب أخلاقي ووطني يعلو ولا يُعلى عليه.

بيدَ أن القراءة السياسية العاقلة تفرض علينا التمييز الدقيق بين المطلب المعيشي العادل لأي مواطن في قطاع غزة يطالب بوقف شلال الدم وتأمين لقمة عيشه، وبين المحاولات البائسة لتوظيف هذا الألم والوجع في مسارات تخدم، من حيث ندري أو لا ندري، الأجندة الإسرائيلية الساعية لشق الصف وإحداث انفلات أمني وحرب أهلية وسط الركام.

إن دفاعنا اليوم ليس دفاعاً عن حركة أو فصيل أو تنظيم سياسي، بل هو دفاع عن قدسية الوحدة الوطنية وتماسك الجبهة الداخلية في أحلك الظروف التاريخية. إن محاولة تصوير المشهد وكأن حركات المقاومة وقوات الاحتلال يلتقيان موضوعياً لإجهاض صوت الشارع، هي قراءة تقلب الحقائق وتصنع تساوقاً وهمياً؛ فالاحتلال يبيد الكل الفلسطيني بلا تمييز، وإفشال الحِراكات المشبوهة التي يثبت في كل مرة دخول عصابات الاحتلال المسلحة على خطوطها بزيفٍ وتخفٍّ، هو حماية للسلم الأهلي وليس قمعاً للحريات.

ويذهبُ الكُتَّابُ بعيداً حين يطالبون بغياب حماس عن المشهد وتسليم واجهة الحكم لـ "لجنة وطنية تكنوقراطية" بزعم سحب الذرائع من يد بنيامين نتنياهو، معتبراً أن الطرف الفلسطيني هو المعطل لمثل هذه الحلول الإنقاذية. وهنا يكمن القصور الأخطر في التحليل السياسي للمقالات؛ إذ تتجاهل أن الاحتلال لا يحتاج إلى ذرائع لتنفيذ مخططاته الديموغرافية والجيوسياسية الرامية لمحو غزة، بل يتغذى على خلق كيانات بديلة هشة يسهل التلاعب بها.

هل تنتهي الذرائع بزوال حماس؟

حتى لو افترضنا جدلاً أن زوال حكومة غزة من الحكم وزوال حماس من المشهد السياسي قد يسحب إحدى الذرائع الإعلامية التي يستخدمها الاحتلال، فإن القراءة البنيوية للمشروع الاستعماري الصهيوني تفكك هذا الوهم، ..... فالاستيطان في الضفة الغربية، وتهويد القدس، ومصادرة الأراضي، ورفض حق العودة وتدمير القرى، كلها سياسات ثابته وممنهجة سبقت نشأة حركة حماس بعقود طويلة، لقد استمر هذا المشروع وتمدد عبر حكومات إسرائيلية متعاقبة وبذرائع واهية ومتغيرة، لم تكن فيها الحركة موجودة  أو مؤثرة في القرار السياسي. ومن ثم فإن اختزال الصراع في وجود فصيل بعينه ينطوي على تبسيط مُخل لصراع وجودي وتاريخي أكثر تعقيداً، تتداخل فيه اعتبارات أمنية وأيديولوجية وجيوسياسية تتجاوز بكثير هوية الجهة الحاكمة في غزة أو رام الله.

ولكي نخرج من مربع التحليلات النظرية والصالونات السياسية إلى مربع الحقائق الدامغة، أضع أمام الرأي العام شهادةً مباشرة من لقاء شخصي، وليست بياناً رسمياً للجنة، إلا أنها تظل ذات دلالة مهمة، خلال لقاء شخصي جمعني بعدد من الإخوة الأعضاء في "لجنة التكنوقراط" الفلسطينية المكلفة، بمحض الصدفة قبل فترة وجيزة في جمهورية مصر العربية، وخلال الحديث، طُرح عليهم سؤال جوهري ومباشر: "لماذا لم تذهبوا وتباشروا مهامكم في قطاع غزة حتى الآن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟"، جاءت الإجابات الصادمة من قلب اللجنة لتعيد تصويب البوصلة وتكشف الطرف المعطل الحقيقي؛ في البداية، كان الجواب: "نحن لا نعرف أي شيء!" (في إشارة واضحة لغياب الغطاء والتنسيق اللوجستي الدولي المأمول)، ومع استمرار النقاش، برز مبرر آخر وهو: "لم تتوفر لنا السيولة ، الدعم المادي والمقرات" للبدء بالخطوات الميدانية. أما الحقيقة الفصل، فكانت الإجابة الصريحة بعد أن توفر الدعم المادي، حيث قالوا بملء الفم: "الكيان الصهيوني لم يسمح لنا بالدخول!". هذه الشهادة من أفواه أعضاء لجنة التكنوقراط، تحمل دلالة سياسية مهمة، أن العقبة لم تكن يوماً فلسطينية، وأن الفيتو إسرائيلي بامتياز. وأن الاحتلال هو من يتحمل مسؤولية تعقيد الصراع لكونه هو من يرفض دخول أي بديل تكنوقراطي أو إغاثي وطني، لأنه ببساطة يريد الإبقاء على حالة الفوضى العارمة والتجويع الممنهج كأدوات للضغط وتهجير الناس طوعاً وقسراً.

الاحتلال هو صاحب الالتزام القانوني الأول

وفقاً للقانون الدولي الإنساني، فإن القوة القائمة بالاحتلال تتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية السكان المدنيين وضمان وصول الإغاثة وعدم عرقلة الإدارة المدنية اللازمة لاستمرار الحياة. ومن ثم، فإن أي تحليل يبدأ بتحميل الضحية المسؤولية قبل مساءلة القوة القائمة بالاحتلال، يخلّ بترتيب المسؤوليات الذي استقر عليه القانون الدولي.

بين المعارضة الوطنية وإضعاف الجبهة الداخلية

إن كل شعب حر يملك الحق في نقد سلطاته وقواه السياسية، بل إن النقد الصادق أحد شروط الإصلاح. غير أن الفارق الجوهري يكمن بين نقدٍ يسعى إلى تصويب المسار وتعزيز الجبهة الداخلية، وبين خطابٍ ينتهي ـ ولو من غير قصد ـ إلى إعادة إنتاج السردية التي يرغب الاحتلال في ترسيخها. فالوطن لا يُحمى بإسكات النقد، كما لا يُحمى بتحويل الخلاف الداخلي إلى معركة تتقدم على مواجهة الاحتلال.

القضية أكبر من الفصائل

إن القضية الفلسطينية أسبق من جميع الفصائل، وأبقى من جميع التنظيمات؛ فلا تبدأ بحركة، ولا تنتهي بزوال أخرى. فالفصائل، على اختلافها، ليست سوى اجتهادات وطنية قابلة للنقد والتقويم، أما فلسطين فهي الثابت الذي ينبغي أن يبقى فوق الجميع. ولذلك، فإن أي مشروع وطني حقيقي لا يُبنى على إقصاء مكون فلسطيني، ولا على احتكار تمثيل الشعب، وإنما على شراكة وطنية تعترف بالتعدد، وتدير الاختلاف ضمن إطار جامع يحفظ وحدة القضية، ويحول دون تحويل التنوع السياسي إلى صراع وجودي بين أبناء الشعب الواحد.

ومن هنا، تحوّل الانتماء السياسي عند بعض الفلسطينيين من وسيلة لخدمة القضية إلى معيار للحكم على الأفكار، بغضّ النظر عن قوة حجتها أو ضعفها. فأصبحت كثير من النقاشات تُقرأ من خلال هوية القائل، لا من خلال سلامة منطقه. فإذا انتقدت الاحتلال قيل إنك مع هذا الفصيل، وإذا انتقدت أداء سلطة أو حركة قيل إنك مع خصومها، وكأن الفلسطيني لم يعد يُسمح له أن يكون فلسطينياً قبل أي انتماء آخر. والحقيقة أن الوطن لا يُختزل في تنظيم، كما أن مقاومة الاحتلال لا يحتكرها فصيل، وأن الحفاظ على الوحدة الوطنية لا يكون بإلغاء التعدد، بل بإدارة الاختلاف تحت سقف القضية الجامعة.

وفي هذا السياق، فإن حركة حماس، بوصفها أحد المكونات الرئيسة في الساحة الفلسطينية، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تنظيم عابر يمكن تجاوزه بقرار سياسي أو بضغط خارجي، لما تمثله من حضور سياسي وشعبي لا يمكن تجاهله في أي معالجة وطنية جادة. كما أن أي حل مستقبلي لإنقاذ غزة، بل وأي تسوية وطنية شاملة، ينبغي أن ينبثق من توافق وطني حقيقي تشارك فيه جميع المكونات الفلسطينية، لا من إقصاء طرف لصالح آخر تحت وهم "سحب الذرائع". فقد أثبتت التجارب التاريخية أن الحلول المفروضة بالإقصاء لا تنتج استقراراً، بل تخلق فراغاً سياسياً وأمنياً سرعان ما يستثمره الاحتلال لترسيخ وقائعه على الأرض.

ومن ثم، فإن تحميل الفصائل الفلسطينية وحدها مسؤولية تعثر الحلول، مع تجاهل حقيقة أن الاحتلال هو الطرف الذي يرفض مراراً مبادرات وقف إطلاق النار، ويعرقل دخول اللجان الوطنية، ويمنع أي ترتيبات من شأنها تخفيف معاناة المدنيين، يُعد تبسيطاً مُخلاً لطبيعة الصراع، ويقلب ترتيب المسؤوليات السياسية والقانونية. فحراك غزة الحقيقي هو الذي يتمسك بالأرض، ويرفض التهجير، ويحافظ على السلم الأهلي، ويعي أن بقاء الإنسان الفلسطيني فوق أرضه لا يتحقق بالانجرار إلى صراعات داخلية، بل بالالتفاف حول مشروع وطني جامع، يحصّن الجبهة الداخلية، ويُسقط مخططات الاستفراد والتقسيم.

إنها دعوة إلى إعادة الاعتبار للهوية الوطنية الجامعة، بحيث تكون فلسطين هي نقطة الانطلاق والغاية، وتبقى جميع الاجتهادات السياسية وسائل لخدمتها، لا أسباباً للانقسام عليها.  

فلسطين أولاً... ثم تأتي كل الاجتهادات السياسية بعد ذلك.

فلنختلف كما يشاء العقل، ولكن لنتحد كما يفرض الوطن.

×
أخبار
«ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط