مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

حول "وقف التنسيق الأمني" بين السلطة و"إسرائيل"

أحسن "المجلس المركزي" لمنظمة التحرير الفلسطينية صنعاً حين اتخذ قرارات ثلاثة تنطوي على جرعة عالية من المبدئية والشجاعة: وقف التنسيق الأمني، بأشكاله كافة، مع دولة الاحتلال الصهيونية، الدعوة إلى إنفاذ أحكام "اتفاق القاهرة" للمصالحة الوطنية، الدعوة إلى المباشرة في إعداد ملفات مقاضاة "إسرائيل"، في المحكمة الجنائية الدولية، على جرائمها المرتكبة في حق الشعب الفلسطيني . لم تأت القرارات هذه مفاجئة للرأي العام، لأنها كانت متوقعة ومنتظرة، لكنها صيغت بلغة الحسم الملائمة على النحو الذي لم يكن يتوقعه كثيرون . وحين تصدر هذه القرارات من "المجلس المركزي"، وهو أعلى هيئة تقريرية في منظمة التحرير بعد "المجلس الوطني"، فإن في ذلك حجية سياسية أعلى، ورسالة تفيد بأن هذه القرارات موطن إجماع وطني فلسطيني .

البيئة السياسية المحيطة، التي صدرت فيها قرارات "المجلس المركزي" بيئة دافعة إلى هذا الخيار الحاسم الذي تجسده القرارات تلك، سواء كانت دافعيتها إيجابية (اختيارية) أو سلبية (اضطرارية)، فإلى أن الدولة الصهيونية صعدت في ردودها على الخيارات الفلسطينية، قبل شهرين، فأطبقت حصارها المالي على السلطة والشعب، من طريق الامتناع عن تحويل مستحقاتهما من الضرائب، قصد تجفيف الينابيع المادية ومعاقبة الفلسطينيين على سلوكهم السبل الدولية لتحصيل بعض من حقوقهم، فإن تدفق سيل الاعترافات الدولية - الأوروبية خاصة - بدولة فلسطين، وحيازة الأخيرة عضوية غير مكتملة في الأمم المتحدة، مع ما تخوله لها العضوية من حقوق في الانضمام إلى اتفاقيات دولية عدة، ناهيك عن توتر العلاقة بين البيت الأبيض الأمريكي ورئيس وزراء الكيان الصهيوني، مثلت جميعها دوافع سياسية إلى التعبير عن خطوة سياسية جديدة في العلاقة بالاحتلال تشعر المحتل، والعالم معه، بأن المعادلة التقليدية التي حكمت العلاقة بين فلسطين ومحتليها - منذ "اتفاق أوسلو" - لم تعد مقبولة ولا قابلة للحياة . وهذه هي الرسالة التي لم يفهم مغزاها بان كي مون، أمين عام الأمم المتحدة، لقلة خبرته بشؤون العالم وضعف معرفته بملف قضية فلسطين، فما وجد من حيلة غير مطالبة "طرفي النزاع" ب "ضبط النفس" .

لقرار وقف التنسيق الأمني مع المحتل مكانة مميزة في قرارات "المجلس المركزي" . إذا كان أحد لا يجادل في حاجة الشعب الفلسطيني إلى مصالحة سياسية يستعيد بها وحدته الوطنية، التي مزقتها خلافات الفصائل على السلطة، ويصحح بها وضعاً شاذاً عاشه منذ سنوات عشر عجاف، وإذا كان لا يجادل في أهمية، وقيمة، جر "إسرائيل" إلى المحاكم الدولية لمعاقبتها - ولو معاقبة جزئية - على جرائهما الوحشية ضد الفلسطينيين والإنسانية، فإن لخطوة وقف التنسيق معنى خاصاً في سياق الحقبة السياسية الممتدة منذ قيام السلطة الفلسطينية في العام 1994 - بعد إبرام "اتفاق أوسلو" سيئ الذكر - حتى الآن . وليس هذا المعنى بشيء آخر سوى تعطيل العمل ب "أوسلو" من طريق تعطيل أهم بند أرادته من "إسرائيل" وهو: التنسيق الأمني بينها والسلطة .

نعم، وقف التنسيق الأمني تعطيل عملي ل "أوسلو"، فهذه تغيت منها "إسرائيل" - فضلاً عن تكريس الاعتراف بها وباغتصابها أراضي ال ،48 تكريس وظيفة سياسية لسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية هي حراسة أمن "إسرائيل" من المقاومة، فلقد كان من مقتضيات التنسيق الأمني - خاصة في طبعته الجديدة مع دايتون - أن تقوم السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية (التي أعيد تشكيلها من أفراد غير منتسبين إلى المقاومة ولا كانوا في جملة مقاتليها في سنوات السبعينات والثمانينات، بل ولا شاركوا في انتفاضة العام 1987) بمد "إسرائيل" بالمعلومات عن شبكات المقاومة وخلاياها وأطرها، في الضفة الغربية وقطاع غزة، ومشاركة الأخيرة ملاحقتهم واعتقالهم، مقابل تقديم "إسرائيل" خدمات للفلسطينيين مثل تخفيف الحواجز وتأمين دخول أطر السلطة وخروجهم من وإلى مناطق الحكم الذاتي، وكما كان المطلوب من الفلسطينيين مهيناً لهم، كان المقدم لهم - لقاء تلك المهمات القذرة - مهيناً أيضاً، حيث لا يسع "وزيراً" أو "نائباً" أو رئيس سلطة أو مسؤولاً فصائلياً أو في مؤسسات السلطة أن يتنقل بين الضفة والقطاع والقدس، أو أن يخرج من مناطق السلطة أو يدخل إليها، من دون إذن "إسرائيل" .

إذا تحقق وقف ذلك التنسيق، فلن يبقى من "اتفاق أوسلو" سوى ذكرى حادثة مؤسفة ومريرة في تاريخ الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية . وسيكون على السلطة - قطعاً - أن تنتهي ككيان سياسي قام تجسيداً لذلك الاتفاق سيئ الذكر، أو هكذا - على الأقل - ستكون المسألة بالنسبة إلى "إسرائيل": التي تختصر الاتفاق في التنسيق الأمني باسم "التزامات الطرف الفلسطيني في الاتفاق" . هذه حقيقة يدركها الفلسطينيون حين يستعيضون عن عبارة "حل السلطة" بعبارة "وقف التنسيق الأمني" لئلا يقال عنهم إنهم أفشلوا "اتفاق أوسلو" (كما لو أنه اتفاق ناجح) . وقد ترجم "المجلس المركزي" هذا الإدراك حين طالب "إسرائيل"، في قراراته، بأن تتحمل مسؤوليتها في المناطق الفلسطينية باعتبارها قوة محتلة لتلك المناطق، ومعنى ذلك أن السلطة الفلسطينية ما عادت لديها ولاية سياسية على مناطقها كما يقضي بذلك "اتفاق أوسلو" .

قلنا: "إذا تحقق وقف التنسيق" ستذهب الأمور إلى هذه النهايات . وإذا كانت أداة الشرط في الجملة تضمر بعض التحفظ، فلأن الخبرة المكتسبة عن أداء السلطة الفلسطينية واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير تطلعنا على أن قرارات الأجهزة التقريرية (المجلس الوطني، المجلس المركزي، المجلس التشريعي) عادة ما لا تجد طريقها إلى التنفيذ، وغالباً ما يراد بها الضغط المعنوي، فيما تحتفظ الأجهزة التنفيذية لنفسها باتخاذ القرار المناسب . ولا أحسب أن سلوكها اليوم سيختلف عن سلوكها في الخمسين عاماً الماضية . وحين وصفت قرارات "المجلس المركزي" بالمبدئية والشجاعة، ما كنت أقصد إلى القول إنها ستصبح نافذة - لعلمي بلعبة الاستخدام في البيئة التنفيذية الفلسطينية - وإنما لأنها المرة الأولى منذ العام 1993 (تاريخ توقيع "اتفاق أوسلو") التي سيعلو فيه صوت المبدئية السياسية الفلسطينية في أجهزة منظمة التحرير، وليس ذلك بالقليل .

عن الخليج الاماراتية

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط