مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

حول الدعوة لاستعادة الخلافة

حول الدعوة لاستعادة الخلافة

تاريخ النشر: 2015-11-15 | 07:35

ثمة دعوات من بعض الفرق لاستعادة نظام «الخلافة» باعتباره التزاماً دينياً، فلا تميز بين «الإسلام» و«تاريخ الدولة الإسلامية». لكن، على كثرة الفتاوى التي استهدفت، خلال مختلف المراحل، اصطناع مطابقة ما بين سلطة «الدنيا» وسلطة «الدين»، فإنها لا تتجاوز مفهوم «الخوارج» الذين رفعوا المصاحف، في معركة «صفين»، على أسنة الرماح، رافضين التحكيم بين علي ومعاوية، ما حدا بعليٍ للتنبيه إلى أنها كلمة حق أريد بها باطل، وإلى عدم سداد المجادلة بالقرآن، كونه حمال أوجه، ولا تنطق به المصاحف، بل صدور الرجال.

هذه الدعوات، في أفضل الأحوال، لا تضيف جديداً إلى فقه «الأحكام السلطانية» الذي يعود إلى منتصف القرن الثاني الهجري، ويقوم على اجتهاد فقهاء، وفلاسفة، ومتكلمين، ومؤرخين، وأدباء، وكتاب إداريين كانوا بشراً ليس لهم حظ من الوحي، بل محكومون، فحسب، بما توافر لديهم من معرفة بتواريخ الملوك، والقياصرة، والأكاسرة، والخواقين، وما عرض لهم من علائق بين الزرادشتية وسلطة الفرس، وبين المسيحية وسلطة الروم، فانصبت دروسهم على أحوال «السلطة» في خبرات تلك الأمم، ومدى الرابطة التأسيسية بين تلك «السلطة» و«الدين»، وانعكاس ذلك كله على مفهومي «العدل» و«الظلم» في الأفق الحضاري لتلك الأمم، مثلما انصبت دروسهم على مباحث خاضعة، بطبيعتها، لمقايسات الصواب والخطأ، عن الفرق في الإسلام، وأبرز رموزها، وآرائها العقيدية، والسياسية، والفقهية، وعن أصل «الإمامة» في تاريخ المسلمين، ونظريتها، وشروطها العامة، من حيث ضرورتها، ووحدتها، وشرعيتها.

ومن أبرز من ألفوا، على هذا الصعيد، فتباينت اجتهاداتهم، في مختلف فترات التاريخ الإسلامي، الإمام الشافعي، وابن الطقطقي، وابن المقفع، وصاعد الأندلسي والدينوري، والمسعودي، والعامري، والماوردي، وغيرهم. ابن المقفع (ت: 142 ه)، مثلاً، حصر الملوك في ثلاثة: ملك دين، وملك حزم، وملك هوى. ومع غلبة الطابع الأخلاقي على هذه الصياغة الأدبية، إلا أنه لا يصعب استنتاج رأى هذا الأديب والمفكر السياسي في إمكانية تأسيس «الملك»، لا على «الدين»، بل على «المصلحة» المدركة ب«العقل»، و«السياسة» المستمرة ب«العدل». وقد استندت تلك القراءات إلى حقيقة أن الرجل كان قد عكف، أصلاً، على ترجمة مأثورات الدولة الفارسية التي لم تتأسس على «الدين»، حيث كان دوامها لآلاف السنوات بفضل «العدل» كأساس ل «الشرعية»، فاشتهرت بذلك عند المسلمين، حتى لقبوا كسرى أنو شروان الساساني (531م 578م) ب «الملك العادل»؛ مثلما اشتهرت عندهم بذلك أمم أخرى، كالروم، والإغريق، والهنود، والصينيين، ممن لم تتأسس «دولهم»، أيضاً، على «الدين»، وإنما على «المصلحة» و«السياسة» القائمتين على الفطرة، مما أشار إليه الدينوري، والمسعودي، وصاعد الأندلسي، مثلاً، حتى راج المأثور القائل: «تدوم دولة الكفر مع العدل، ولا تدوم دولة الإسلام مع الظلم».

ولئن كتب ابن الطقطقي في ذات الاتجاه، أيضاً، خلال القرن السادس الهجري (الفخري في الآداب السلطانية)، فإن أبا الحسن العامري (ت: 381 ه) كان قد رفض نظرية «العدل» الفارسي والرومي هذه، قبل ظهور كتاب ابن الطقطقي بنحو من قرنين. وكان الإمام الشافعي (ت: 205 ه) قد وضع، قبل ذلك، رسالة عن أهمية «وحدة» السلطان، مما لا ينفصل عن «ضرورته» و«شرعيته»، بعد أن شهد صراع الأمين والمأمون، وأدرك فداحة ما ترتب على انقسام «الخلافة» باستقلال بعض الأمويين بإمارة الأندلس تحت قيادة عبد الرحمن الأموي، في عقابيل الانقلاب العباسي (132 ه).

أما أبو الحسن الماوردي (ت: 450 ه)، أشهر من ألف في هذا المجال، فقد أرسى نظريته العامة حول نشأة الدولة من خلال كتابيه: (نصيحة الملوك) و(تسهيل النظر وتعجيل الظفر)، وأسس، في هذا الأخير، لأطروحته حول «دولة الدين»، بافتراض انعقاد «الإجماع»، في المجتمع المعين، على «دين» واحد، سواء موحى به أو لا، إذ ما إن يتجه هذا المجتمع لإنشاء سلطة تنظم أموره، وتحفظ كيانه، حتى يبرز، إلى جانب احتمالي «دولة القوة» و«دولة الثروة»، خيار «دولة الدين»، في معنى الدعوة الدينية التي تتحول، بعد استحواذها على «الإجماع»، إما إلى شكل السلطة السياسية بمجرد وفاة مؤسسها، بدافع حرص الأتباع، بعده، على حمايتها، أو السلطة التي تعتبر أن المجتمع قد انحرف عن «دينه»، فتنهض لاستعادته إلى الجادة.

وبعد استبعاده لاحتمال استمرار «دولة القوة»، كونها تقوم، فقط، على «عصبية العسكر» في التصدي للعدوان الخارجي، فتنتفي مسوغاتها بمجرد انتفائه، وبعد استبعاده، كذلك، لاحتمال استمرار «دولة الثروة»، كونها تتأسس، في ظروف الانفلات، على توسل الأثرياء إلى السلطة بقوة المرتزقة ورشوة المتنفذين، عمد الماوردي إلى إعمال نظره في ما توافر لديه من معارف زمانه، فانتهى إلى ترجيح نموذج «السلطة/الخلافة»، باعتباره النموذج الأصلح، وأفرد له كتابه الثالث (الأحكام السلطانية) الذي درس فيه طريقة قيام هذه السلطة، كشكل ل «الدعوة الدينية»، وأسباب انقلابها إلى شكل «السلطنة»، أو «دولة القوة»، كطور «مؤقت»، حسب نظريته، فى سياق سيرورتها وتطورها.

هكذا نشأ وتراكم فقه الأحكام السلطانية، وتباينت فيه الآراء، ما بين القرنين الثاني والسادس الهجريين. ولكن الخلافة نفسها، كنظام حكم، والمقصودة، بطبيعة الحال، الخلافة ما بعد الراشدة التي تحولت إلى ملك عضود، فقد تقلبت، أثناء ذلك وبعده، ما بين صعود وهبوط، وقوة وضعف. وشهدت القرون التالية لانحلال خلافة الأمويين، ووقوع الانقلاب العباسي، قيام خلافة الفاطميين المستقلة عن بغداد، بل والمنافسة لها في مصر وتونس (351 ه). وكان أن جرى غزو هولاكو لبغداد (358 ه)، وآلت الأمور، لاحقاً، إلى المماليك في مصر، فما لبث السلطان المملوك الظاهر بيبرس أن استتبعها مجدداً كخلافة رمزية لبني العباس، ونصب أحد أمرائهم خليفة عليها، فأخذ خلفاؤهم يتوارثونها، من بعده، حتى دخل العثمانيون القاهرة (1517م)، وأجبروا الخليفة العباسي على التنازل لهم عن الخلافة، فتولوها، وأعادوا مجد دولتهم، فازدهرت وتوسعت على أيديهم، قبل أن يصيبها الضعف والانحلال عشية الحرب العالمية الأولى، وتصبح «رجل العالم المريض»، فتنقض عليها ضواري الإمبريالية الذين احتاجوا، وقتها، لإعادة تقسيم مناطق النفوذ الاستعماري من خلال ترتيبات تلك الحرب، الأمر الذي انتهى بصعود كمال أتاتورك، وإعلانه إلغاء نظام الخلافة، نهائياً، عام 1924م.

الخلافة شأن دنيوي. وقد انقضت دون أن ينقضي احتياج المسلمين، مثلهم مثل غيرهم، وحيثما كانوا، ل «الدولة» أو «السلطة»، وإن بكيفيات جديدة. وظل اجتماعهم يجابه تحديات التطور الحضاري لشكل الدولة. لذا ترك تعاقب الأحداث، منذ عصر الماوردي، بصماته العميقة على ذلك الفقه السياسي القديم، فأورثه الحاجة، بدوره، للتجديد، كيما يتوافق مع مطلوبات عصره، ويجيب على أسئلته الملحة.

هكذا يتضح خطأ من يدعون لاستعادة نظام الخلافة، إذ لم يرد في الإسلام أمر بإقامتها كمفهوم مقدس، كما أثبت التطور اللاحق أنها ليست نظاماً واحداً محدداً، وإنما هي وصف أطلق على النظام السياسي في مرحلة ما من الدولة التي تجمع المسلمين، مثلما أطلق على رئاسة تلك الدولة. أما أسلوب الحكم نفسه فقد اختلف،

وما زال يختلف، من دولة إلى دولة، ومن عهد إلى عهد.

عن الخليج الاماراتية

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط