مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

حماس قدمت ذخيرة لليمين الإسرائيلي المتطرف

ليس سراً أن قطر وتركيا مقربتان جداً من «حماس» التي تحكم فعلياً في غزة وأن علاقة الأطراف الثلاثة مع مصر في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي متوترة، إن لم تكن في حالة عداء. فالثلاثي كان رابعه الرئيس السابق محمد مرسي الذي قاد مشروع «الإخوان المسلمين» في مصر. إيران حليف لـ «حماس» وتمدّها بالصواريخ ليس لأنها تقع في حب «الإخوان المسلمين» وإنما لأنها تعتبرها ورقة مهمة في استراتيجية «المقاومة للمزايدة» على السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس كما على القيادات العربية الأخرى. وإيران تلتقي مع قطر وتركيا في الرغبة بقطع الطريق على استعادة مصر الدور الإقليمي القيادي وأي ما يؤهلها لإعادة الوزن العربي إلى موازين القوى الإقليمية، لا سيما وأنها تلقى دعم السعودية والإمارات في هذا المسعى. إسرائيل أيضاً تلتقي مع إيران وتركيا في رغبتهما باستبعاد الوزن العربي عن موازين القوى الإقليمية، وبالتالي إنها لا تريد لمصر أن تصيغ لنفسها القدرة على قيادة عربية وإقليمية فوق العادة. ما جدّ على المبادرة المصرية لوقف النار بين إسرائيل و «حماس» والتفاوض في شأن غزة على ضوء رفض «حماس» و «الجهاد الإسلامي» بالتأكيد له أسباب تتعلق بإسرائيل وآلتها العسكرية التي قتلت أكثر من مئتي مدني. إنما هناك أيضاً أسباب عائدة إلى المحاور والتنافس على التموضع ليس في موازين القوى التقليدي فحسب وإنما عبر النفوذ مع التنظيمات المتطرفة كالشق العسكري من «حماس» و «الجهاد الإسلامي».

المشكلة في التنافس على التوسط هي أنه يطيل النزاع الذي يكلِّف الفلسطينيين المدنيين في غزة غالياً بسبب القصف الإسرائيلي للمواقع المدنية التي تتهم إسرائيل «حماس» بإخفاء الصواريخ تحتها. واضح أن لا مقارنة بين ما تفضي إليه صواريخ «كتائب عز الدين القسام» – الجناح العسكري لـ «حماس» – من خسائر محدودة بسبب جهاز وقائي إسرائيلي متطور، وبين ما تخلّفه وراءها الآلة العسكرية الإسرائيلية من قتل بالمئات ودمار قاطع.

إسرائيل و «حماس» واقعتان في مأزق مهما بدا لهما أنهما تحققان انتصاراً ما. فما بعد تدمير إسرائيل آلاف الصواريخ وقتل المئات، يبقى لدى «حماس» آلاف أخرى من الصواريخ ولن يتم تدمير شعب غزة كله. وما بعد تباهي «حماس» بانتصارات رمزية بل وهمية في تحديها جبروت الآلة العسكرية الإسرائيلية، تبقى إسرائيل قوة عسكرية كبرى قادرة على تدمير البنية التحتية في غزة إلى جانب تدمير نصف ترسانة الصواريخ التي تملكها «حماس».

ماذا أنجزت إسرائيل في عملية «الجرف الصامد»؟ بالطبع، تمكّن رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو من فك عزلته محلياً ودولياً وحشد الكونغرس الأميركي وراءه وكذلك الرأي العام الأميركي الذي ينحاز تلقائياً لمصلحة إسرائيل حالما ينطلق صاروخ واحد باتجاهها. الرأي العام الأوروبي يتعاطف أكثر من الرأي العام الأميركي مع الضحايا الفلسطينيين لكن الحكومات الأوروبية تقف ضد «حماس» وهي تطلق صواريخها.

إلا أن إسرائيل تبقى في حاجة إلى «حماس» مهما ادّعت أنها عدوها اللدود. باتت «حماس» بالنسبة إلى إسرائيل الصمام الأمني الذي يمنع وصول التنظيمات الأكثر تطرفاً إلى غزة. «حماس» بهذا تشبه ما تقوم به السلطة الفلسطينية في تنفيذها التزاماتها بموجب الاتفاقات مع إسرائيل – أي التعاون الأمني لمنع وصول التطرف إلى إسرائيل. وليس سراً أن الاتصالات المباشرة بين إسرائيل و «حماس» وقعت تكراراً.

مأزق إسرائيل إذن هو أنها تحتاج «حماس» للحؤول دون وصول أمثال «داعش» إلى عتبة دارها، وهي في الوقت ذاته مصرة على تدمير قدرات «حماس» العسكرية والبنية التحتية في غزة وكذلك تدمير وتفكيك حكومة التوافق الوطني التي ضمت عناصر من «حماس» و «فتح» في السلطة الفلسطينية.

«حماس» من جهتها قدمت ذخيرة إلى حكومة نتانياهو وإلى قوى اليمين المتطرف الإسرائيلي بشقه السياسي والاستيطاني والعسكري. من جهة، تدرك «حماس» أن اليمين الإسرائيلي يحتاجها متطرفة جداً ويريد لها النمو في التطرف لتكون له الذريعة الجاهزة لتبرير مشاريعه الديموغرافية، أي الإبعاد القسري للفلسطينيين من داخل إسرائيل والضفة وغزة تنفيذاً لمشروع «الأردن الوطن البديل». من جهة أخرى، تلبي «حماس» متطلبات ذلك المشروع بعشوائية وهي تعتقد أو تتظاهر بأنها تتحداه.

لعل في وسع «حماس» أن تزعم أنها أنجزت عودةً لها على الساحة الإعلامية الدولية وفي الذهن العربي الذي يستيقظ لدى مشاهدة البطش الإسرائيلي بالمدنيين الأبرياء. لعلها ترى أن إطلاقها الصواريخ على إسرائيل يشكل عنفواناً وجبروتاً ومقاومة. المشكلة أن رهانها على العاطفة العربية التلقائية رهان خاطئ والرأي العام المصري أفضل مثال وهو يحملها المسؤولية. المشكلة أن كلفة ذلك غالية على الفلسطينيين وأن الأمور ستعود إلى ما كانت عليه سابقاً بلا إنجاز أو انتصار حقيقي يذكر.

قد يُقال إن حرب غزة الثالثة يجب أن تؤدي بإسرائيل إلى رفع الحصار عن غزة والكف عن إخضاع القطاع للإجراءات التعسفية والعقابية. وهذا حقاً ما يجب أن تتوقف إسرائيل عنه. إنما للأسف، ليس هناك أي مؤشر على عزم الولايات المتحدة والأسرة الدولية للضغط على إسرائيل لوقف تلك الممارسات. بل إن إبراز ترسانة «حماس» قد يضاعف التعاطف مع حصار إسرائيل لقطاع غزة. وهذه معضلة.

هناك من يعتقد أن «حماس» قد تودّ لو تجرؤ إسرائيل على غزو غزة براً كي تضطر الولايات المتحدة إلى التدخل حقاً لإيجاد الحلول السياسية وكي تنساق الدول العربية جدياً إلى إحياء الاهتمام بفلسطين.

ولعل ما تريده «حماس» أكثر ما تريده هو إجبار مصر على فتح معبر «رفح» كي يصلها مختلف أنواع المعونات، بالذات تلك التي تصل عبر أكياس من الدولارات.

مصر لا تريد لإسرائيل أن تنجح في رمي قطاع غزة في أحضانها، ولا تريد لـ «حماس» أن تنجح في فرض فتح معبر رفح عليها لتستغله «حماس» وإيران ومن يريد استغلال الفرصة لإحراج مصر وجرّها إلى إجراءات لا تريد القيام بها.

رفضت «حماس» و «الجهاد الإسلامي» المبادرة المصرية لوقف النار ثم استقبال الوفود الإسرائيلية والفلسطينية للبحث في المطالب الأوسع من متطلبات الهدنة الدائمة إلى فك الحصار والخناق الاقتصادي عن غزة إلى مصير العلاقة بين قطاع غزة والضفة الغربية. أتى الرفض ضمن استراتيجية التصعيد في دراما وجدتها «حماس» مفيدة لها.

إنما السبب الأعمق هو أن «حماس» أرادت ألاّ تضع الكرة في الملعب المصري الذي لا تثق به، وألاّ يكون عبدالفتاح السيسي صانع وقف النار والتفاهمات. أرادت أن تساوم علناً من أجل فتح معبر رفح. ولعلها نسقت مع تركيا وقطر قبل إعلان رفضها للمبادرة. فكلاهما شاطرها الرغبة بقطع الطريق على استفادة السيسي من رعاية وقف النار والتوسط في المسألة الفلسطينية الإسرائيلية.

رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس توجّه إلى القاهرة واعتزم التوجه إلى تركيا وقطر إدراكاً منه أنه بدوره في مأزق وأنه في حاجة للتواصل مع جميع المعنيين، إما بسبب عمق علاقتهم مع «حماس» و «الجهاد الإسلامي» كرئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان، مثلاً، أو بسبب قدرتهم على مد الدعم المالي كدعم قطر مثلاً لـ «حماس».

سياسياً، محمود عباس يحتاج السعودية ومصر معاً لأن الأولى صاحبة «المبادرة العربية» التي تتحدى إسرائيل إلى السلام، والثانية لأنها صاحبة وزن مباشر عبر الحدود مع غزة.

إيران، كعادتها، حاضرة غائبة في مثل هذه الأوضاع. بعض صواريخ «حماس» محلي الصنع وجزء مهم منها مستورد من إيران. لكن الولايات المتحدة تجنّبت محاسبة إيران على ذلك، وفضلت، علناً على الأقل، غض النظر عن الدور الإيراني في غزة لأن أولوية إدارة أوباما هي التوصل إلى اتفاق نووي مع طهران.

لا نعرف إن كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري حصر محادثاته الثنائية مع نظيره الإيراني جواد ظريف في فيينا هذا الأسبوع في المفاوضات النووية. إنما ليس هناك أي مؤشر على أنه وضع حقاً على الطاولة مسألة الدور الإيراني في غزة وتدخل طهران الدائم لقطع الطريق على عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين عبر مزايداتها باسم «المقاومة».

وللتأكيد، إن إسرائيل ليست في حاجة لإيران كي تمضي في تدمير العملية السلمية الجدّية مفضلة الاكتفاء بمجرد «عملية» سلام ذلك لأن الحكومة الإسرائيلية ليست جاهزة للقبول الحقيقي بحل الدولتين. إسرائيل لا تبدو جاهزة، أما لأن التطرف تعشعش فيها أو لأنها لا تشعر بالحاجة إلى التنازل بأي شكل كان من أجل تحقيق حل الدولتين. فلا أحد يجبرها.

محمود عباس ضحية لإسرائيل ولإيران ولبقية اللاعبين الإقليميين والفلسطينيين، وهو بالتأكيد ضحية لنفسه لأنه أفرط في تجنب الاستحقاقات وتنفيذ الوعود وهو بات يبدو ضعيفاً وهامشياً في الرأي الفلسطيني والدولي على السواء.

ورقة المحاكمة الجنائية الدولية قاربت الاستهلاك بعدما تم التلويح بها ثم التراجع عنها ثم الإفراط في تثمينها. ولعل إسرائيل الآن قد جنّدت ما يكفي من الخبراء القانونيين الدوليين لإحباط زخم ونتائج لجوء محمود عباس إلى هذه المحكمة لمحاكمة إسرائيل على جرائم حرب. المهم، أن محمود عباس قد يأخذ خطوة نحو المحكمة لكنه على الأرجح لن يمضي بكامل الشوط.

يتحدث المسؤولون الفلسطينيون اليوم عن الحق بالحماية الدولية للمدنيين تحت الاحتلال، وهم على حق بأن ذلك ما تنص عليه الاتفاقات الدولية كاتفاقيات جنيف الرابعة. يستنجدون بالأمم المتحدة، وهم على حق لأن الانتداب البريطاني رمى فلسطين في أيدي الأمم المتحدة عندما غادرها، والأمم المتحدة وافقت. إنما لن يجدي مجرد الاستنجاد والدعوة إلى ورشة تفكير بالأمر. فقبل طرح كهذا يجب على القيادة الفلسطينية أن تفكّر ملياً بالخيارات والآليات ووسائل التطبيق قبل الطلب إلى بان كي مون أو مجلس الأمن الحماية بعشوائية وبلا آلية تنفيذ.

كلما تفاقمت الأمور وتصاعد النزاع كلما تكاثر الذين يريدون لعب الأدوار المختلفة إما للاحتواء أو لطروحات جديدة. لعل هناك فرصة للتفكير الأبعد من وقف النار بعد التصعيد الأخير في غزة. إنما لا أحد يتقدم بالأفكار الكبرى خارج الصندوق التقليدي.

ماذا تريد إسرائيل حقاً في نهاية المطاف؟ هوذا السؤال الأهم الذي يجب على الفلسطينيين دراسته بعمق ووضع سيناريوات واستراتيجيات للأجوبة المختلفة عليه. الفلسطينيون يريدون حل الدولتين إنما هذا لا ينطبق عليهم أجمع إذ هناك تنظيمات ترفض هي أيضاً حل الدولتين، كما يفعل الإسرائيليون. وهناك إسرائيليون عقدوا العزم على إلغاء كلمة «احتلال» من القاموس الدولي بدءاً في الإعلام والقرارات الدولية فما القصد وراء ذلك؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية؟

غزة تدفع الثمن، كالعادة، وها هي عرضة للانتقام الإسرائيلي وتلقين الدروس بدماء أبنائها فيما قياداتها تتحدى جدلاً بلا استراتيجية خروج واضحة.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط