مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

حماس في مواجهة مع الإقليم

حماس في مواجهة مع الإقليم

تاريخ النشر: 2026-03-15 | 11:37

مع دخول الحرب الإقليمية أسبوعها الثالث، لم يعد المشهد يحتمل القراءات التقليدية التي اعتادت الحركات والفصائل على إنتاجها في فترات التوتر. البيان الذي أصدرته حركة حماس بعد نحو أسبوعين من اندلاع المواجهة لم يكن مجرد موقف سياسي متأخر، بل كان أشبه ببصمة كاشفة لتحولات بنيوية في علاقة الحركة بمحيطها الإقليمي. فالتأخير الزمني، ثم الصياغة الحذرة التي حاولت الجمع بين دعم إيران والدعوة إلى تجنب استهداف دول الجوار، يعكسان واقعاً جديداً لم تعد فيه حماس قادرة على الاحتفاظ برفاهية التموضع بين المحاور المتنازعة، بل باتت أسيرة معادلة صفرية تفرض عليها خيارات مؤلمة.
منذ أكثر من عقدين، بنت حماس علاقة استراتيجية مع إيران تقوم على معادلة واضحة: دعم غير محدود نسبياً في مقابل ولاء سياسي لا يقبل المساومة. لكن هذه المعادلة دخلت مرحلة اختبار قاسية مع توسع رقعة الحرب. فإيران لا تطلب من حلفائها مجرد تأييد شكلي، بل تنتظر منهم الانخراط في معركة وجودية تعتبرها دفاعاً عن محور المقاومة برمته. صمت حماس لمدة أسبوعين عن استهداف دول الخليج، ثم صياغة بيانها الذي لم يصف الهجمات الإيرانية بأنها عدوان على تلك الدول، يقرأ في طهران على أفضل تقدير كموقف محايد إيجابي، لكنه يبقى أقل بكثير من المتوقع.
على الجانب الآخر، توفر الدوحة للحركة ما لا تستطيع أي عاصمة أخرى توفيره: منصة سياسية دولية، هامش حركة ديبلوماسي، وغطاء إعلامي. لكن الحرب الإقليمية كشفت الهشاشة الكامنة في هذه الاستضافة. فالتهديد القطري بطرد قيادات حماس لم يكن مجرد ورقة ضغط عابرة، بل إنذاراً نهائياً مفاده أن البقاء في قطر يتطلب موقفاً واضحاً لا يحيد عن اعتبار المصالح الخليجية خطاً أحمر. هذا الإنذار يضع الحركة أمام اختبار وجودي حقيقي، لأن الخيارات البديلة شبه معدومة عملياً، إذ أن الانتقال إلى تركيا غير مطروح حالياً، والعودة إلى سوريا معقدة، والوجود في لبنان يواجه تضييقاً متزايداً.
لا يمكن إغفال البعد الداخلي في هذه المعادلة أيضاً، فجمهور حماس في فلسطين والعربي والإسلامي الأوسع منقسم بطبيعته بين تيارات مؤيدة للمحور الإيراني وأخرى ترى في الخليج عمقاً استراتيجياً. أي انحياز واضح قد يكلف الحركة جزءاً من قاعدتها الشعبية، خصوصاً في لحظة تتصاعد فيها المشاعر القومية والعربية إزاء ما يجري في غزة والمنطقة. هذا الوضع يخلق انقساماً صامتاً داخل الحركة نفسها بين قيادات سياسية في الخارج تتأثر بالضغوط الخليجية، وقيادات ميدانية وعسكرية أكثر ارتباطاً بإيران، وهو ما قد ينفجر في أي لحظة إذا استمرت الحرب طويلاً.
باستشراف المستقبل، يمكن رسم ثلاث لوحات محتملة لمسار الحركة في المرحلة المقبلة. الأولى هي سيناريو التوازن الصعب، حيث تواصل حماس لعبة المشي على الحبل محاولة إرضاء جميع الأطراف عبر خطاب قومي عربي جامع، وتكثيف الحديث عن القضية الفلسطينية كجامع مشترك، مع تجنب تسمية المعتدي في أي صراع. هذا السيناريو قد يطيل أمد بقاء الحركة في قطر، لكنه سيزيد من حالة عدم الثقة مع جميع الأطراف، حيث ستتعامل معها إيران كحليف غير موثوق، وسيبقيها الخليج تحت المراقبة، وسيرتبك الجمهور الداخلي بسبب ازدواجية الخطاب. أما السيناريو الثاني فهو إعادة التموضع الاستراتيجي، حيث تدرك حماس استحالة استمرار الوضع الحالي فتبادر إلى إعادة ترتيب علاقاتها بشكل جوهري عبر التحرك نحو مصر والسعودية لتقديم تنازلات سياسية مقابل غطاء عربي بديل، مع تحويل العلاقة مع إيران إلى نمط براغماتي أقل التزاماً. هذا السيناريو قد يكسب الحركة شرعية عربية جديدة، لكنه سيكلفها ثمناً باهظاً في علاقتها بالمحور الإيراني، وقد يشعر الجناح العسكري بالخيانة إذا شعر أن القيادة السياسية تتنازل عن مكاسب استراتيجية. أما السيناريو الثالث والأخطر فهو الانكشاف الكامل والانتقال إلى المحور، حيث تمارس إيران ضغوطاً هائلة على حماس لحسم موقفها لصالحها، مستخدمة ورقة الدعم العسكري للقسام كورقة ضغط، مما قد يؤدي إلى انقسام علني بين القيادة السياسية والجناح العسكري وتحول الحركة إلى مجرد فصيل تابع لطهران بشكل كامل، وهو ما سيكلفها جمهورها التاريخي وشرعيتها الفلسطينية.
تتوقف مآلات هذه المعادلة على عدة عوامل حاسمة، يأتي في مقدمتها مدة الحرب وحدتها، فكلما طالت المواجهة واتسعت رقعتها زادت الضغوط على حماس لحسم موقفها. كما أن طبيعة الهجمات الإيرانية المقبلة ستلعب دوراً محورياً، فإذا استهدفت مصالح خليجية حيوية أو تسببت في خسائر بشرية في دول الخليج، سيكون من المستحيل على حماس التزام الصمت أو إصدار بيانات فضفاضة. كذلك فإن الموقف الأمريكي والإسرائيلي والضغوط المتصاعدة على قطر لطرد حماس قد يفجر الأزمة في أي لحظة. وأخيراً، فإن تطورات المشهد الفلسطيني الداخلي وعلاقة الحركة بالسلطة ستؤثر على هامش مناورتها، فأي تقدم في ملف المصالحة قد يمنحها غطاء فلسطينياً لتعديل تحالفاتها.
ما كشفته الحرب الإقليمية الحالية هو أن نموذج الانفتاح على الجميع الذي اتبعته حماس لعقدين من الزمن قد بلغ نهايته. لم يعد ممكناً أن تكون الحركة في الوقت نفسه حليفة لإيران التي تستعدي الخليج، وضيفة على قطر التي تواجه تهديدات إيرانية مباشرة، ومقاوِمة فلسطينية تطالب بدعم الجميع. البيان المتأخر لم يكن مجرد خطأ توقيتي، بل كان تعبيراً عن عجز بنيوي عن اتخاذ القرار. ومع استمرار الحرب، ستجد الحركة نفسها مضطرة للاختيار، حتى لو كان هذا الاختيار صامتاً أو تدريجياً. الخيارات المتاحة جميعها مؤلمة، وقد يكون أقلها سوءاً هو السيناريو الثاني الذي يحاول بناء علاقات عربية بديلة دون حرق الجسور مع إيران بشكل كامل.
لكن السؤال الأعمق الذي يبقى مفتوحاً هو ما إذا كانت حماس تمتلك القدرة على إدارة هذا التحول الدقيق دون أن تنكسر، أم أن الانقسامات الداخلية والضغوط الخارجية ستدفعها نحو تفكك صامت يعيد تشكيل خريطة الفصائل الفلسطينية برمتها. في المحصلة، تقف حماس اليوم أمام اختبار وجودي حقيقي، ليس فقط في علاقاتها الإقليمية، بل في هويتها ذاتها. والطريقة التي ستجيب بها على أسئلة هذه الحرب ستحدد ليس فقط موقعها في المنطقة، بل قدرتها على البقاء كحركة موحدة ذات مشروع سياسي واضح. ففي لعبة الأمم، لا مكان لمن يحاول الجلوس على كرسيين في وقت تتساقط فيه الكراسي واحدة تلو الأخرى.

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط