مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

حلمُ غزةَ إسمنتٌ وحديد

إذا كان حلم الجوعان عيش "خبز"، فإن حلم المحرومين في غزة، الفقراء والأغنياء، والعامة والخاصة، إسمنتٌ وحديدٌ، فهما الأكثر إلحاحاً، والأشد حاجة، وهما شغل الناس ومحط اهتمامهم، وعليهما يدور السؤال، ويقلق المواطنون، ويصيبهم بغيابهما كسادٌ وخمول، وتحل عليهم جميعاً السكينة والهدوء، والكآبة والرتابة، فلا حركة ولا نشاط، ولا معدات ولا آليات، ولا شاحنات ولا معامل، ولا ورش ولا مكاتب هندسة، ولا مهندسين ولا عمال ولا مشرفين، بل صمتٌ شديد يغرق فيه القطاع، ومظهرٌ عامٌ كئيبٌ واحدٌ لا يتغير ولا يتبدل، فلا مباني جديدة، ولا مساكن معمرة، ولا بيوتاً مرممة، ولا شوارع مرصوفة، أو طرقاً معبدة، ما يجعل واجهة المناطق واحدة، ركاماً وبقايا أبنية مهدمة، وشوارع رملية، وواجهات مباني غير مكتملة.

والأهم أنه بغيابهما تتوقف مشاريع الزواج، وتتعطل مخططات المخطوبين، ويعتريهما وأهلهما حزنٌ وألم، وقلقٌ وجوى، وسهدٌ وسهر، وشكوى وأنين، إذ لا بيوت تؤيهم، ولا غرف يسكنون فيها، كما لا عمل يقتاتون منه، ولا أمل يتراءى أمام عيونهم، إذ أن معاناتهم جميعاً يفرضها غياب مواد البناء، ومستلزمات العمار، التي تنعدمُ أو ترتفع أسعارها، فتجعل من أحلامهم البسيطة صعاباً مستحيلة، وعقباتٍ لا يقوون على تجاوزها، أو إيجاد حلولٍ لها، إذ أنها ليست بأيديهم، ولا يقوون وحدهم على فرضها، أو خلق بدائل لها، كما أنهم ليسوا صناعها، أو السبب في خلقها.

أما في ظل وجود مادتي الإسمنت والحديد، فإن عجلة الحياة تدور، وينشط التجار، وتزدهر تجارة العقارات، وينشغل البناؤون والحرفيون، والحدادون والنجارون، والداهنون وفنيوا الديكور، وعمال الصيانة والترميم، وتعمل مكاتب الهندسة، ويدور رجال البلديات، يجبون الضرائب والرسوم، ويجمعون الأموال، ويحررون المخالفات، ويفرضون العقوبات، وينشطون في إعادة رسم الشوارع، وتخطيط المناطق، وتنسيق المباني والتجمعات، فتبدو المناطق أكثر تنسيقاً وجمالاً، وأفضل زينةً وبهاءً.

وفي ظلهما تفتح بيوتٌ جديدة، وتسكنها عائلاتٌ شابة، تبدأ مسيرة الحياة، وتكافح من أجل البقاء، وتسعى لتحقيق الرسوخ والثبات فوق هذه الأرض الطيبة، وبهما يتزايد السكان، ويكثر المواليد، وتعمر بنسلهم الأرض، وتصطبغ بخلفهم فلسطين بهويتها العربية والإسلامية، ومن قبل يفرح الأهل، ويسعد الآباء، ببيوت أبنائهم الجديدة، وبأحفادهم القادمين ببسمةٍ مشرقةٍ وأملٍ، وببراءةٍ وطهرٍ ووعدٍ بالغد.

كثيرةٌ هي العائلات الغزية التي يعيش كل أفرادها في غرفةٍ واحدة، يكدسون فيها حقائبهم وملابسهم، ويراكمون فيها فراشهم وأغراضهم، يفتحون حقائبهم كلما أرادوا منها حاجةً، ويفتحونها في أوائل الصيف ليخرجوا منها ملابس الشتاء، ويعيدوا إليها ثياب الصيف الخفيفة، منتظرين اليوم الذي يسمح فيه بإدخال الإسمنت والحديد، ليكملوا بناء بيوتهم، ويعمروا مساكنهم، وينقلوا إليها حقائبهم المغلقة، وأكياسهم المكدسة، لكن عمرهم ينقضي وأزمة الإسمنت والحديد لا تنقضي ولا تنتهي.

وأهل غزة أمام هذه المعاناة الكبيرة، التي تنعكس على كل المجتمع، إيواءً وسكناً، وعملاً وتشغيلاً، ورفاهيةً ورخاءً، وسعةً وبحبوحة، فإنهم يواجهون إلى جانب كل المشاكل السابقة، التي ذكرت والتي لم أذكر، إذ لو استمعنا لأمٍ غزاويةٍ، فإنها ستحسن سرد معاناتها أكثر مني، وستبسط للقارئ ما يعاني أهل غزة، وما يواجهون من صعوباتٍ وتحدياتٍ في هذا الشريط الضيق الصغير الفقير المحروم المحاصر، ولعلهم يعانون في ظل ضائقة الإسمنت والحديد من مشكلاتٍ أربعة، وهي مشاكل كبيرة وعصية على الحل والتجاوز.

أولاها ارتفاع أسعار سوق العقارات ارتفاعاً مهولاً، بما لا يقوى عليه الناس، ولا يستطيعون إزاءه الشراء أو الكراء، فهي أسعارٌ عالية جداً بالمقارنة مع مداخيل المواطنين البسيطة، التي لا تكفي للعيش والشراء أو الكراء والصحة والتعليم والمواصلات وغير ذلك، كما أنها لا تتناسب مع أعداد المواطنين، ولا مع تزايد حاجة الأزواج الشباب لبيوتٍ خاصة.

والثانية تتعلق بسوق العقارات أيضاً، ولكنها تتجاوز المباني إلى العقارات الأرضية، إذ ارتفعت أسعار الأراضي في قطاع غزة ارتفاعاً مذهلاً، ولم يعد في القطاع مساحةٌ من الأرض غير معمورة أو مملوكة ومجهزة للبناء والعمران، خاصةً أن مساحة القطاع محدودة جداً، فضلاً عن وجود مساحاتٍ منه يمنع فيها البناء أو العمل، أو المرور والسكن، كونها مناطق حدودية، متاخمة لخطوط التماس مع العدو الصهيوني، الذي يمنع بقوة السلاح الإقتراب منها، أو العيش فيها.

والمشكلة الثالثة تتعلق بالاحتكار والتهريب، وارتفاع أسعار مواد البناء، التي باتت في حال توفرها أو نذرتها، تخضع لقوانين احتكارية شديدة، تلزم المواطنين بأسعارها، وتخضعهم لشروطها، فضلاً عن وجود طبقة صغيرة من كبار الملاك في قطاع غزة، الذين سيطروا على مساحاتٍ كبيرة منه، وفرضوا الأسعار التي يريدون، ووضعوا الشروط التي تناسبهم، ما جعلهم الأكثر قدرة على الشراء، بل الأوحد في سوق العقارات، فلا ينافسهم أحد، ولا يقوى على الوقوف في وجههم تاجرٌ أو محتاج، وهو الأمر الذي حرم الجزء الأكبر من سكان قطاع غزة من فرصة امتلاك قطعة أرضٍ صغيرة، للبناء عليها لنفسه أو لأولاده، والسبب في ذلك ثورة الأسعار المجنونة، التي صنعها محتكرون وسماسرة يعملون لجهةٍ واحدةٍ فقط.

أما المشكلة الرابعة، التي يتساوى فيها المواطنون، ويخضعون أمامها معاً، لقانونٍ ظالمٍ متغطرسٍ واحدٍ، فهي الإحتلال الإسرائيلي، الذي دأب على مهاجمة القطاع، واجتياح أرضه، وتدمير مبانيه، وخلع أشجاره، ونسف بيوته، وتجريف شوارعه، وحرمان أهله من حرية العمل والبناء والتعمير، وهذا السبب الرابع هو الأبسط والأكثر قبولاً، كونه يصدر عن محتلٍ غاصبٍ، وينفذه عدوٌ ماكر، الذي لا ننتظر منه رحمةً، ولا نتوقع منه تعاطفاً.

سيبقى حلم قطاع غزة إسمنتٌ وحديد، ولن ينتهي هذا الحلم إلا بانتصار الفقراء على المشكلات الأربعة، الداخلية قبل الخارجية، وحتى تفرض السلطة الحاكمة قوانين تحقق من خلالها العدالة في التوزيع، والكفاءة في الفرص والإنماء المتوازن بين جميع الطبقات والفئات وفي كل المناطق، وإلا فإن سيف الفقر سيشهر، وقديماً قالوا، عجباً لمظلومٍ أو جائعٍ لا يخرجُ حاملاً سيفه.

×
أخبار
تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط