مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

حقبة عالمية جديدة مثيرة للقلق

ما زلنا نُحلّل العالم وفق نظامٍ عالمي لم يعد موجوداً. نتحدث عن قواعد ومؤسسات وتوازنات، فيما يؤكد الواقع أن هذا النظام يتفكك أمام أعيننا، لا نظرياً بل عملياً، وبأكثر صوره عنفاً ووحشية: حرب الإبادة في غزة.

في غزة، تجلّى انهيار النظام العالمي، ومعه النظام القانوني الدولي، بأوضح صوره. فالقانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، وقرارات محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية – التي وصلت الأمور إلى حد فرض عقوبات على قضاتها – إضافة إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، تحوّلت جميعها إلى هياكل فارغة، عاجزة عن وقف الجرائم أو محاسبة مرتكبيها.

عملياً، خضعت غزة لعملية تدويل بحكم الواقع: كيان منفصل، ليس دولة، لكنه لا يتبع لأي دولة، ويُدار خارج مفهوم السيادة التقليدية، وخارج أي إطار قانوني دولي واضح.

غزة ليست مجرد ملف إقليمي، بل تحوّلت إلى نموذج لمشروع ترامب العالمي لإعادة هندسة النظام الدولي خارج القواعد التي سادت منذ الحرب العالمية الثانية. فـ“مجلس السلام” لا يستند فعلياً إلى القانون الدولي، بل إلى ميثاق يمنح الرئيس الأميركي قدرة شبه مطلقة على التحكم بجدول الأعمال والهيئات والقرارات، مع نفوذ واسع للمساهمين الكبار. أمام هذا الواقع، تجد عشرات الدول نفسها أمام معادلة قسرية: المشاركة تعني الخضوع لنظام متقلّب تُديره إرادة ترامب، والرفض ينطوي على كلفة دبلوماسية عالية، ما يفسّر انخراط دول الوساطة الإقليمية حفاظاً على نفوذها في غزة والإقليم، لا التزاماً بالشرعية الدولية.

يرى دونالد ترامب مستقبل غزة منفصلاً تماماً عن إسرائيل وعن سيطرتها المباشرة، ومنفصلاً كذلك عن العدالة وحق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم. ووفق ما أعلنه مكتب رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو، فإن إسرائيل لم تُستشر في تشكيل ما سُمّي “مجلس السلام”، ولم تكن شريكاً في نقاشات المرحلة الثانية المتعلقة بالقطاع. ورغم أن هذا المعطى ما يزال محل شك وتساؤل، إلا أن المؤكد أن إسرائيل لم تعد الطرف الوحيد أو المركزي في صياغة الترتيبات السياسية لغزة.

في هذا السياق، جرى الحديث عن اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي لجنة “تكنوقراط” تضم شخصيات فلسطينية محسوبة على منظمة التحرير الفلسطينية، إلى جانب حضور تركي وقطري ومصري أساسي. ومهما اختلفت التقديرات حول هذه الصيغة، فإنها تعكس تحوّلاً أخطر: إدارة قضايا مصيرية خارج منظومة الشرعية الدولية، وبمنطق الترتيبات السياسية لا منطق الحقوق.

لم ينهَر النظام العالمي فجأة، بل تآكل تدريجياً، غير أن حرب الإبادة في غزة شكّلت لحظة كاشفة. لم ينهَر فقط النظام السياسي الدولي، بل سبقه انهيار النظام القانوني ذاته. العالم اليوم يُدار خارج الأمم المتحدة، وخارج أي منظومة ضبط أو مساءلة. لا أحد قادر على إيقاف الجرائم، ولا أحد راغب في ذلك. وغزة لم تكن استثناءً، بل النموذج الأكثر فجاجة.

بعد الحرب العالمية الثانية، أرست الولايات المتحدة نظاماً عالمياً يقوم، نظرياً، على منع احتلال الدول، واحترام الحدود، وإنشاء مؤسسات دولية للفصل في النزاعات. اليوم، تقود واشنطن نفسها عملية تفكيك هذا النظام.

قضية اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ليست تفصيلاً عابراً، بل فعلٌ حربي مكتمل الأركان. أما هوس ترامب بغرينلاند فليس نزوة إعلامية، بل قنبلة سياسية تهدد ما تبقّى من النظام العالمي. إعلانه الرغبة في ضم الجزيرة، رغم تبعيتها للدنمارك، العضو في حلف الناتو، ورغم رفض سكانها، يعني ببساطة أن القوة باتت فوق القانون.

لا يتحدث ترامب عن “حماية” الولايات المتحدة، بل عن الضم والسيطرة، مدفوعاً بالمعادن النادرة والنفط. ومع ذوبان الجليد في الدائرة القطبية الشمالية، تتحول غرينلاند إلى كنز استراتيجي مؤجل، يسعى للاستيلاء عليه مسبقاً وبيعه للشركات العملاقة.

وحين لا يمكن احتلال دولة مباشرة، يجري إضعافها أو تفكيكها أو السيطرة على مواردها بوسائل أخرى. هذا هو جوهر الإمبريالية الأميركية في نسختها الجديدة، العارية من أي غطاء أخلاقي أو قانوني.

إذا أقدم ترامب على غزو غرينلاند، فسيكون ذلك إعلاناً عملياً عن تفكيك حلف الناتو، وخلق فراغ استراتيجي في أوروبا الغربية. في المقابل، تتشكّل محاور إقليمية جديدة:
تركيا تعمل على بناء مجال نفوذ خاص بها وتسعى لتكريس نفسها قوةً عظمى إقليمية، فيما تعترف إسرائيل، بدعم إماراتي، بصوماليلاند في تحدٍ مباشر لقرارات الأمم المتحدة، في محاولة لمواجهة النفوذ التركي في الصومال وإثيوبيا.

يتشكّل محور إسرائيلي–إماراتي معادٍ لتركيا، في مقابل محاور أخرى تضم تركيا والسعودية وباكستان، أو تركيا وقطر وسوريا. كثافة الاتفاقيات العسكرية، بما فيها اتفاقات ردع نووي، تعكس مستوى غير مسبوق من انعدام الثقة في الأمم المتحدة والولايات المتحدة معاً.

تخلّت الولايات المتحدة عن أوكرانيا، وتراجعت أوروبا معها، رغم إدراكها أن سقوط أوكرانيا قد يجعلها الهدف التالي. ومع غياب “المظلة الأميركية” التي ألغتها إدارة ترامب، بدأت دول أوروبية بإعادة التسلح، وناقشت العودة إلى التجنيد الإجباري وبناء جيوش احتياط.

السويد وفنلندا، اللتان كانتا رمزاً للحياد، استثمرتا مليارات في التسلح بعدما أدركتا أن العالم دخل مرحلة “الدفاع الذاتي”، لا التحالفات المضمونة.

نحن نتجه نحو عالم بثلاث قوى عظمى: الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، تحيط بها قوى إقليمية كبرى مثل الاتحاد الأوروبي، والهند، وتركيا. هذا التشكيل يشبه، إلى حدّ خطير، التوازنات التي سبقت الحرب العالمية الأولى.

ميثاق الأمم المتحدة يحتضر. أي إقليم قد يعلن استقلاله إذا حظي بحماية قوة عظمى. ستُفرض “دول” جديدة بقوة الردع، لا بالشرعية، دون تصويت ودون اعتراف دولي حقيقي.

الولايات المتحدة، التي قادت يوماً الديمقراطيات الليبرالية، باتت تُدار بعقلية شبه ديكتاتورية. لم تعد للحياة البشرية، أو الحقيقة، أو القانون، أو الاتفاقيات أي قيمة فعلية. ما لا يتعلق الأمر بقرارات الأمم المتحدة ولا بإصلاح المؤسسات، بل الولايات المتحدة باتت عامل فوضى شامل، تفكك النظام العالمي دون أن تقدّم بديلًا. التوترات ستتصاعد، والصراعات الصغيرة ستتحول إلى حروب بالوكالة، ثم إلى حروب مفتوحة.

غزة كانت الإنذار المبكر. غرينلاند قد تكون الكسر العلني، وما بينهما، يحتضر عصرٌ كامل. إنها حقبة عالمية جديدة ومثيرة للقلق.

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط