مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

حزب الله.. هل له مستقبل؟

كثُرَت أحزابُ الله، عددُها فى الليمون.

هذه الكثرة - فى أحزاب الله - التى تنتسبُ إلى الله، منها الشيعى والسنى، تشيرُ إلى أن الظاهرة قد بلغت ذروتها، وقد زادت عن الحاجة إليها، وقد تضاربت مناهجُها، وتعددت ولاءاتُها، فقد جاهدت وقاتلت أحزابُ الله بعضها بالسلاح وبالمصحف معاً، تحت كل الرايات، من راية المفترى عليه سيدنا محمد [ص]، إلى كل الرايات التى توفر التمويل والتدريب والتسليح، من موسكو وسوريا، إلى واشنطن والسعودية.

هذه المفرزة العنيفة - التى تغربل كل شىء فى الإقليم - سوف تُسفر عن بداية زوال هذه القوى بالتدريج، من أقدمها مثل الإخوان، وأنجحها مثل فقهاء إيران، وأمكرها مثل أولئك الذين فى تونس ويقتدون بمن سبقوهم فى السودان، إلى تلك العناقيد الوظيفية من القاعدة إلى الحوثيين، إلى داعش، إلى جبهة النصرة، إلى أنصار الشريعة، إلى كل ما يستجد فى الأيام المقبلة، الموجة تصلُ إلى نهاية سفرها الطويل، لتكتشف أن رمال الشاطئ الناعمة كفيلة - وحدها - بكسر رأسها، وردّها على أعقابها، رغوةً وفقاقيع منهزمة مُجهدة مدحورة، تتناثرُ بقاياها، وترتمى أشلاؤها، فوق الماء، وفوق الرمال.

«حزبُ الله» فى لبنان أثبت جدارةً أخلاقيةً عالية لدى كافة الشعوب العربية، من مقاومته للاجتياح الإسرائيلى للعاصمة بيروت 1982م، وقد ثبت - فى صمود بطولى - حتى أجبر إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000م. فى هذه الحقبة بقيت صورة حزب الله تستعصى على أى نقد، وكان أى نقد له يصب - فى ذهن الرأى العام العربى - فى مصلحة إسرائيل. وقد حظى الحزبُ بأكبر تعاطف شعبى خلال حرب الـ34 يوماً مع إسرائيل فى يوليو وأغسطس 2006م. وفاكر - وكنتُ رئيساً لتحرير «الوفد» أن كتبتُ هذا المانشيت فى صدر الصفحة الأولى مع صورة كبيرة لقائده الشيخ حسن نصر الله: «الشعوبُ مع المقاومة والحكومات مع إسرائيل». يومها مثل كل أيام الحرب، كانت تنفد كافة النسخ المطبوعة من الصحيفة. وبعد أن وضعت الحربُ أوزارها، كتبتُ تحليلاً معناه أن الحزب والمقاومة ولبنان خسرت، وأن إسرائيل - للأسف الشديد - قد حققت كل أهدافها من الحرب، يومها غضب الناس، ومنهم من اتصل بى ليقول إنه لن يشترى الصحيفة ولن يقرأها حتى نعود إلى الوقوف فى خندق المقاومة. طبعاً، الناس لها عواطف نبيلة جديرةٌ بالاحترام، ولكن هذه كانت هى الحقيقة المُرَّة، التى كان لدى الشيخ حسن نصر الله بعضٌ من شجاعة الاعتراف بها، لكن فى وقت مُتأخر، بعد أن تركنا - وحدنا - فى مواجهة الحزن الشعبى. ورغم اعتراف الشيخ حسن نصر الله بأن قرار هذه الحرب لم يكن هو الاختيار الأصوب، إلا أن عموم الناس كانت على استعداد لتتسامح مع هذا الخطأ وتغفره من فرط الثقة فى الرجل، ومن باب التعلق بأمل المقاومة، أو بما كان يسميه الشيخ: «محور المقاومة»، وكان افتراض وجود هذا المحور - بصرف النظر عن حقيقته - لايزال يمثل قيمة إيجابية ورصيداً معنوياً عند الكثيرين من الناس، الذين يستفزهم التفوق الإسرائيلى فى مقابل الخنوع الرسمى من الأنظمة العربية.

لكن - بعد هذه الحرب 2006م - بخمس سنوات، اندلعت ثوراتُ الربيع العربى 2011م، التى أسقطت - بكل سهولة - «محور المقاومة»، لسبب بسيط أن أطراف هذا المحور: إيران، سوريا، حماس، حزب الله، قطر، تركيا، قد تناقضت مصالحها مع عواطف الموجات الهادرة فى العواصم العربية.

«محور المقاومة» - فى حقيقته - كان مصالح وتوجهات إقليمية، تختفى وراء عواطف الناس، وتتستر بشرف الحق الفلسطينى المغتصب، وتتاجر بالضعف العربى المبتذل، دون أن تكون قادرة أو راغبة - بالفعل - فى مقاومة حقيقية تتمثل فى مشروع واضح وجاد لتحرير فلسطين أو هزيمة إسرائيل.

جاءت أحداث الربيع العربى، لتنتهى حقبة ثلاثين عاماً من تاريخ حزب الله، من كونه محور مقاومة ضد إسرائيل، من كونه حالة طاهرة وشريفة يتم استثناؤها من حالة التخاذل العربى المدنس. اختار الحزبُ - بكل وضوح - أن يكون الضلع الثالث فى المثلث السورى الإيرانى، وهو الجناح المتمّم لهما، فى لعبة كبرى، بدأت بعضُ فصولها فى الظهور، وسوف تكشفُ الأعوامُ القليلةُ المقبلةُ المجهولَ منها وهو الأكثر.

نعم.. سقطت صورةُ الحزب القديمة، إلا عند أقلية لاتزال تعتقد أن ما يفعله النظام السورى هو استمرار لمحور المقاومة، ومن يعتقدون أن إسرائيل وراء الحرب فى سوريا، ومن يعتقدون أن الربيع العربى مؤامرةٌ خفية، وهؤلاء وأولئك، فرحوا بسقوط بن على فى تونس، ومبارك فى مصر، وعلى عبدالله صالح فى اليمن، ومن قبلهم فرحوا بسقوط صدام حسين فى العراق، ولم يقولوا عن سقوطهم إنه مؤامرة. فقط - تذكروا المؤامرة - عندما حاقت المخاطر بنظام الرئيس الأسد فى سوريا.

فى غموض سياسى دام لثلاثة عقود 1982م - 2011م، استطاع حزبُ الله - بذكاء نادر - أن يقفز فوق واقعه كتنظيم دينى سياسى مسلح، وفوق دولته لبنان، وفوق مذهبيته الشيعية، وفوق ولائه الإيرانى، وفوق ارتباطه السورى، قفز فوق كل هذه الحواجز، وحلَّق بأجنحة طائرة فى الفضاءين العربى والإسلامى، حتى كانت صورة الشيخ حسن نصر الله تُعلَّق فوق الجدران وفوق زجاج السيارات، مثلما كان الحال مع صورة القائد جمال عبدالناصر. هذا الغموض البنّاء ساعد حزب الله أن يكون دولةً داخل الدولة، أو دولة موازية للدولة، أو قُل هو دولة بحكم الواقع الفعلى، وإن كان ينقصها الإعلان والإشهار الرسمى.

بهذا المعنى، كان حزبُ الله أنموذجاً تأسيسياً، وسابقة نوعية، اقتدت بها ما استجد من تنظيمات سياسية مسلحة - وخاصة السنية المتطرفة مثل النصرة وداعش وأنصار الشريعة - فى تأسيس تنظيمات تكون بديلاً عن الدولة، أو وريثاً للدولة، أو دولة واقعية تقاتل الدولة الرسمية.

وبهذا المفهوم، فإن حزب الله كتنظيم يشبه الدولة، يسرى عليه ما يسرى على النماذج السابقة وأشهرها تنظيم الإخوان، ثم النماذج اللاحقة من داعش والنصرة وغيرها، وهؤلاء الثلاثة: الإخوان والنصرة وداعش فى سوريا - بالذات - هم فى حالة حرب مسلحة مع حزب الله الذى يقاتلهم فى تأييد - لا شبهة فيه - للنظام السورى.

الشيخ حسن نصر الله - فى 15 من يناير الجارى - أدلى بحوار هام إلى إحدى القنوات الفضائية - مثل حوارات الأستاذ هيكل على رأس كل عام جديد، ثم فى 18 يناير الجارى أغار الطيران الإسرائيلى على قوة مشتركة من رجال حزب الله مع شركائهم الإيرانيين فى الجولان السورية، وأكتب هذه السطور، وقد أعلنت قوات حزب الله حالة التأهب، وكذلك أعلنتها إسرائيل.

ويبقى السؤال: هل حزبُ الله له مستقبل؟.

والجواب: هذا يعتمد على مدى استعداد حزب الله للدخول فى حرب مع إسرائيل، بشرط أن يخرج منها منتصراً وليس منكسراً.

الحديثُ مستأنفٌ.

عن المصري اليوم

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط