مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

حرب أردوغان و"دكان" القرضاوي

حرب أردوغان و"دكان" القرضاوي

تاريخ النشر: 2017-03-20 | 05:27

على كثرة الأزمات المرتبطة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فإن الأزمة الأخيرة مع هولندا ذات أبعاد جديدة، وهي تتحول بسرعة من أزمة تركية - هولندية إلى أزمة تركية - أوروبية، إذ تجتذب إليها مزيداً من الأطراف الأوروبية التي تصطف إلى جانب هولندا، وتتجه مساراتها نحو مزيد من التصعيد. ولا يبدو أن أردوغان وأركان حكومته راغبون في أن تتجه الأزمة نحو حل أو نحو التهدئة، أقله حتى 16 نيسان (ابريل)، موعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي ستمنح أردوغان، بوصفه رئيساً للجمهورية، صلاحيات واسعة تغير طبيعة النظام السياسي في تركيا، ويبدو أن هذه هي المعركة التي تجعل أردوغان ووزراءه مستعدين لفعل أي شيء في سبيل كسبها. الطريقة التي اختار أردوغان أن يرد بها على إلغاء الحكومة الهولندية زيارة وزير الخارجية التركي إليها أصبحت هي المشكلة، ولم يكن ذلك خارج مقصوده على الإطلاق. ولم يكن تصرف هولندا مفاجئاً أو خارج سياق العلاقات مع تركيا في الآونة الأخيرة، فالشد والجذب لم يتوقفا أخيراً بين البلدين، لكن نوعية الرد الذي اختاره أردوغان تشير إلى تعمده الوصول بالمشكلة إلى مناطق تصبح هي المشكلة بذاتها، وتؤدي بالضرورة لتدخل دول أخرى سرعان ما يضمها أردوغان إلى قائمة الأطراف المعادية، على النحو الذي حدث مع تدخل مركل، واختيار أردوغان تعبيرات «النازية» و «الفاشية» بكل ما يحيط بها من حساسية في أوروبا والغرب عموماً.

بعد أيام خطا أردوغان خطوة جديدة لتوجيه المعركة الوجهة التي يريدها، حين استدعى من تاريخٍ مريرٍ مصطلح «الحروب الصليبية»، ليستحضر كل المرارات والأحقاد الحضارية والغيوم السود للمواجهات اللاهوتية التي يُفترض أن العالم تجاوزها منذ أزمان طالت، متجاهلاً حقيقة أن الأزمة بينه وبين هولندا، وأوروبا من بعد، هي أزمة سياسية ستجد طريقها إلى الحل عبر تسوية ما، وسيحدث ذلك بالقطع حين تقتضي المصلحة ذلك، كما حدث ذلك من قبل مع إسرائيل ومع روسيا ومع إيران وغيرها. لكنّ بعث الأحقاد الدينية من مرقدها بهذا الإصرار والتعمد، أو إذكاءها وإخراجها إلى الواجهة، هو لعب بالنار المهلكة، لاسيما في مرحلة من تاريخ الإنسانية تنتشر فيها الكراهية كبراميل البارود المكدسة انتظاراً لشرارة تعجل بوقوع الكارثة.

لم يكن الأمر ليشغلنا إلى هذه الدرجة، لولا أن تبعات ما يفعله أردوغان تنسحب على العالم العربي والعالم الإسلامي بأكمله، وتعزز حال «الرهاب الإسلامي» أو «الإسلاموفوبيا» التي تتغذى على الإرهاب الأسود وجماعات التطرف والأفكار المتشددة، وتتحمل وزرها كل الدول والشعوب العربية والإسلامية. وغني عن التوضيح أن كل الجهود المضنية التي تبذلها دول عربية وإسلامية عدة من أجل تحسين صورة الإسلام والمسلمين تتضرر بشدة من أي سلوك غير محسوب، لاسيما مع وجود قوى وجماعات لها مصلحة في نشر الخوف من الإسلام في الغرب، والربط التلقائي بينه وبين الإرهاب والتطرف والكراهية.

دخول أردوغان على الخط هذه المرة يضيف بعداً جديداً للقضية، فالإرهاب والتطرف تمثلهما جماعات خارجة عن سلطة الدول. وتخوض الدول مواجهات مع هذه الجماعات تصل إلى حد الحرب الشاملة والمفتوحة، كما هي الحال مع «داعش» مثلاً. وتشترك الدول العربية في تكتلات وتحالفات عالمية تقوم بنشاطات عسكرية لدحر جماعات الإرهاب في دول مثل أفغانستان أو العراق أو سورية أو اليمن، بمعنى أن الدول العربية والإسلامية تبقى طرفاً فاعلاً في مكافحة الإرهاب واحتواء التطرف والتشدد. وفي حال أردوغان فإن الدولة، ممثلة في أرفع مسؤوليها، هي من يتبنى جر المواجهة إلى الساحة الدينية، وتهيئة الأرض للتشدد والتطرف. والنتائج التي تترتب على مثل هذه المقاربة، بحكم طبيعة العالم الآن، لا تقتصر على تركيا وحدها، بل تشمل الدول العربية والإسلامية ومصالحها وقضاياها الشائكة، كما تشمل المسلمين في الدول الغربية، وفي كل مكان من العالم.

إزاء الهدف السياسي الذي يلهث وراءه أردوغان، فإنه لم يفكر في ما يمكن أن يلحق بملايين المسلمين من أضرار. وإذا كان خيرت فيلدرز لم ينجح في انتخابات هولندا، فإن أفكاره اكتسبت في ظل المواجهة التي افتعلها أردوغان أنصاراً، واضطر منافسوه إلى إصدار خطاب أكثر حدة تجاه المسلمين، وعلى رأسهم مارك روته، الفائز في الانتخابات الهولندية. وما يشغل أردوغان حقاً هو ما يعتبره معركته الكبرى، أي الاستفتاء الذي سيوسع صلاحيات الرئيس على حساب رئيس الوزراء، ومثل هذه الصلاحيات هي مسألة سياسية بحتة، ولا علاقة لها بالإسلام من قريب أو من بعيد. وليس الإسلام عند أردوغان، للأسف، سوى أداة للتجارة الرخيصة، يحرز بها مكاسب قد تكون موقتة.

تكتمل المأساة، أو الملهاة، مع البيان الذي أصدره ما يسمى «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين»، إذ اصطف البيان مع أردوغان في «معركته ضد أوروبا» وجاء في البيان أن: «النظام الذي يدعو إليه أردوغان هو النظام الذي يتفق مع التعاليم الإسلامية، التي تجعل أمير المؤمنين أو الرئيس الأعلى هو رقم (1) في السلطة». ففضلاً عن غلبة السياسي على الفقهي، الذي يُفترض أنه محل عناية هذا الكيان الذي يدعي «الإسلامية» ويدعي «العالمية»، فإن الانحياز إلى «الجماعة» من دون سواها يبلغ حد السفه حين يوصف أردوغان بأنه «أمير المؤمنين»، وأن نظامه يمثل «التعاليم الإسلامية»، فيما أردوغان ذاته يقر في كل مناسبة بالتزامه الأساس العلماني للدولة التركية.

لقد غاب يوسف القرضاوي لفترة قبل أن يطل كعادته من بوابة الفتن والشرور، موقعاً على هذا البيان الذي يدخل في باب الهزل السياسي والديني، ومجسداً صورة من يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً، ويفترون على الكذب وهم يعلمون، ويستخدمون اسم الإسلام في ما لا يعنيهم غير مغانم يجنيها محازبوهم من جماعة «الإخوان المسلمين».

وقد أظهر هذا البيان الهزلي أن ما يسمى «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» ليس أكثر من «دكان» ليوسف القرضاوي ونفر من تابعيه، فقد وصف عضو مجلس أمناء «الاتحاد» المزعوم جاسر عودة في صفحته على الفايسبوك، البيان بأنه «يخرج عن دور الاتحاد كهيئة علمائية تستهدف أن تمثل مرجعية شرعية للأمة»، وأن «تلك البيانات تتعارض مع قرارات مجلس الأمناء المتكررة منذ سنوات والتي نكررها في كل اجتماع لمجلس الأمناء، وفحواها أنه ليس من مهمات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين إصدار البيانات أصلاً ولا يصح أن تصدر عن الاتحاد أو باسمه بيانات عامة إلا في النوازل الكبيرة التي تتطلب موقفاً شرعياً عاماً». ويعني ذلك أن «الاتحاد» لا يقيم وزناً لأي من أعضائه، وأن آراءهم وقراراتهم ومناقشاتهم لا قيمة لها لدى القرضاوي الذي يفعل في النهاية ما يزينه له هواه الشخصي، تحت لافتة «الاتحاد» الزائفة.

القرضاوي في ممارساته تلك، مثله مثل أردوغان، تحركه نوازع الهيمنة وامتلاك السلطة المطلقة وإلغاء الآخرين، وكلاهما لا يرى في الإسلام أكثر من لافتة تُرفع لإحراز المكاسب، وهي سمات تضرب بجذورها في ممارسات «الإخوان المسلمين» وتاريخهم. ولا يكترث القرضاوي وأردوغان لما سيصيب المسلمين نتيجة السعي الانتهازي المحموم وراء مغنم سياسي، لأنهم يعيشون بعقلية «الغيتو» بكل ما فيها من تآمر وكراهية وإحساس بالاضطهاد ورغبة في الانتقام، وهذا يجعلهم أقرب إلى أن يبطنوا في ذواتهم السرور بكل ما يتسببون فيه للمسلمين من مآس ونكبات.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط