مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

جينات الغضب الشعبي.. كيف تتوالد في مصر؟

المصرى صبور بطبيعة تكوينه تاريخيا. كان ينتظر الفيضان بلا ملل. ثم يلقى البذور وينتظر الحصاد بلا ملل. واعتاد المصرى على اجتلاب لقمة الخبز للأطفال عبر عمل شاق، فكان يعمل بلا ملل. وحتى في فترة انتظار الفيضان كان يبنى عبر مشقة شديدة أهرامات ومعابد تضمن للفرعون حياة هانئة طوال حياته وبعد مماته. وكان الكهنة يحذرون الجميع «أن من يثير غضب الفرعون لن يكون له قبر وترمى جثته في الماء فيظل معذبا حتى بعد الممات». ولكن ومع تصاعد الظلم الاجتماعى انفجر الغضب المصرى، وثمة رسالة موجهة من كبير الكهنة إلى فرعون تقول «التهب الغضب في كل أنحاء البلاد، الغاضبون سلبوا أموال الأغنياء، وامتنع الفلاحون عن زراعة الأرض رغم الفيضان لفقدان الأمن» (بيربن- تاريخ النظم والقانون الخاص في مصر) وينقل سليم حسن عن إحدى البرديات «الذين كانوا يرتدون الكتان الجميل أصبحوا في خرق بالية» وطرد الحكام وأصبحوا ينامون في المخازن، وألقيت مجموعات القوانين في الشارع لتدوسها الأقدام» (الجزء الأول- ص 404).

ويفسر د.شفيق شحاتة في كتابه «تاريخ القانون الخاص» (ص67) أسباب الثورة فيقول «الحلقة التي أحاطت بالفرعون تشكلت منها طبقة استولت على كل مصادر الثروة، وباختصار ضعف الفرعون وتسيد الأشراف»، ونقرأ نقشا فرعونيا يصفهم بأنهم «يخدعون الآلهة، يذبحون الإوز كقرابين ويزعمون أنها ثيران». وتمضى هذه الجينات لنراها تتفجر مرات عديدة في الزمن المملوكى، ونستعين بعين مصر الساهرة عبدالرحمن الجبرتى «نقص النيل نقصا فاحشا وازدحم الناس لشراء الغلال، فمنع الغنى من شراء ما يزيد على الإردب والنصف، والفقير لا ينال إلا ويبة ويمنعون الكيل بعد ساعتين، وكان كبار رجال الدولة والأغنياء يأخذون المراكب المحملة بالغلال قهرا من أصحابها ويخزنونها لأنفسهم، وقل الخبز في الأسواق.

وطلب الحاكم الفعلى إبراهيم بك إقامة صلاة الاستسقاء لكن المشايخ أكدوا أن شرط قبول صلاة الاستسقاء هو رفع المظالم. فقال إبراهيم بك بلا مبالاة «الصلاة نعم، أما رفع المظالم فلا أقدر عليه»، فصاح المشايخ مهددين «إذن سنهاجر من مصر جميعا»، فرد الحاكم الماكر «وأنا معكم أهاجر» ثم «وذات يوم ركب حسين بك بجنوده إلى الحسينية فداهم منزل رئيس دراويش الشيخ البيومى ونهب كل ما فيه، حتى مصاغ النساء والفراش» فثار الغضب الشعبى «ففى صبحها ثارت جماعة من الأهالى وحضروا إلى الأزهر ومعهم طبول، والتف حولهم العامة وبأيديهم نبابيت وأغلقوا الحوانيت وصاح الشيخ الدرديرى غدا نجمع الأهالى من الحارات وبولاق ومصر القديمة وأركب معكم وننهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنا ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم. وخشى إبراهيم بك من انتشار الفتنة فأحضر حسين بك لمحاسبته أمام المشايخ وعنفه قائلا: عيب يا حسين بك أن تنهب أموال رئيس الدراويش» فانفجر حسين بك قائلا «كلنا نهابون، أنت يا بيك تنهب ومراد بك ينهب وأنا أنهب». وانفض المجلس على ذلك، واستمرت المناداة من مآذن الأزهر وإغلاق المحلات ورفع القمح والبضائع من الأسواق وزاد رعب المماليك وامتنعوا عن الخروج من بيوتهم، ثم أتى سليم أغا مستحفظان إلى الشيخ الدرديرى واسترضوه ووعدوه بالكف عن المظالم ثم..

وكما قال الجبرتى متعجبا «وبردت المسألة» لكن العامة ظلوا على تمردهم رغم اتفاق الشيخ الدرديرى، وظهرت قيادة جديدة أكثر شعبية وأكثر صلابة منها «الشيخ عمر مكرم وحجاج الخضرى زعيم فتوات بولاق وابن شمعة شيخ الجزارين». واشتعلت ثورة وصفها الجبرتى «فركب المشايخ وتجمع العامة والجعيدية والوجاقلية وأهالى العطوف والحسينية والقرافة والحطابة والصليبة والرميلة ومعهم الطبول والبيارق والأسلحة، وحصل في تلك الليلة من ضرب النار ما هو عجيب من المستغربات وصار الضرب على القلعة بالمقاليع والبنب والصواريخ، وبنى حجاج الخضرى ورجاله حائطا وبوابة على الرميلة وكان الفقير يستدين ويبيع ملبوسه ويشترى سلاحا». ونجح المصريون.

ثم وفى عهد محمد على وعندما حصلت ما أسماها الجبرتى «شحة» في الصابون سنة 1231 هـ وانعدم وجوده في الأسواق. فتجار وكالة الصابون زادوا في ثمنه زيادة كبيرة، وكلما أمر كتخدا بسعر يدعون الخسارة ويبالغون في التشكى، فحاسبهم وزادهم خمسة أنصاف عن كل رطل ثم أرسل شخصا من طرفه لخان الصابون للإشراف على البيع لكن الأغنياء أرسلوا أتباعهم ليحاصروا خان الصابون ويمنعوا الناس من الدخول ويشتروا كل الصابون ثم يبيعوا الرطل بقرشين وقد اشتروه بقرش. وذات يوم طلب أحد المشايخ مقابلة الباشا ودخل عليه وقد أخفى وجهه وسأله الباشا فقال لى ثلاثة أيام لم أغسل وجهى بسبب شحة الصابون، فهاج محمد على واستدعى الكتخدا الذي قال «يا مولاى امنع الأكابر من الاحتكار والاتجار تكثر الأرزاق وتنخفض الأسعار».

ونمضى لنتجول في تراث الغضب الشعبى المصرى لنكتشف أن جينات الغضب تتواجد فتتكاثر، إنها ذات الأسباب وذات الظالمين وذات المظلومين.. فنستشعر الحذر.. ويبقى أن أهدى هذه الحكايات إلى ذوى الشأن لعلهم يتعظون. وأقول لهم إن البدء في خطوات أولية للعدل الاجتماعى يحمى النظام ويسانده ويمنحه قدرة التواصل.. وهذا ما نريد.

عن المصري اليوم

×
أخبار
بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط