مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

ثوابت إسرائيلية تحصد متغيّرات عربية

ثوابت إسرائيلية تحصد متغيّرات عربية

تاريخ النشر: 2017-09-15 | 09:36

هناك الآن حالة انتظار تسود المنطقة العربية لما ستسفر عنه هذه المرحلة من متغيّرات سياسية وتطوّرات عسكرية، خصوصاً في معارك المواجهة المفتوحة حالياً مع «دويلة داعش» في كلٍّ من العراق وسورية، لكن حتماً القوى الدولية والإقليمية الفاعلة ليست جالسة مكتوفة الأيدي ومكتفية بحال الانتظار، فهي تعمل من دون شك على تهيئة نفسها لنتائج هذه المتغيّرات، بل هي تحاول الآن استثمارها أو حرفها أو محاصرتها أو التحرّك المضاد لبعض مساراتها... وهي كلّها مسائل قائمة مرتبطة بمكان هذه المتغيّرات وظروفها.

فالانتفاضات الشعبية العربية التي حصلت قبل أكثر من ست سنوات، رآها البعض كظواهر مشرقة واعدة بغدٍ أفضل، لكن النور الساطع لهذه الانتفاضات سرعان ما بهت بسبب التدخّل الإقليمي والدولي، في ظلّ أجواء طائفية ومذهبية كانت أصلاً تنخر الجسم العربي وتهدّد وحدة أوطانه، وتُسهّل السيطرة الخارجية عليه.

فالأمّة العربية كانت تعيش قبل الانتفاضات الشعبية، كابوس خطر التقسيم على أسس إثنية وطائفية ومذهبية، وذلك حصل منذ الاحتلال الأميركي للعراق ثمّ بعده تقسيم السودان إلى جنوب وشمال. وكانت الأمّة تخشى على نفسها من نفسها أكثر ممّا يجب أن تخشاه من المحتلّين لبعض أرضها أو الساعين إلى السيطرة الكاملة على ثرواتها ومقدّراتها.

وللأسف، فإنّ المعارضات العربية، التي كانت توّاقةً للديموقراطية، تساهلت مع مشاريع الهيمنة الأجنبية على أوطانها. بينما الشعوب العربية تدرك بوعيها الفطري الصادق أن لا فصل ولا انفصال بين حرّية الوطن وحرّية المواطن، وبأنّ الاستبداد الداخلي يخدم الهيمنة الخارجية، والعكس صحيح.

وكان القلق مشروعاً، والتنبّه أيضاً، ممّن يريدون أولوية المكاسب السياسية الفئوية، ولو من خلال إشعال الفتن الداخلية، وحيث هناك أشخاصٌ جاهزون لخدمة أجندات أجنبية وإسرائيلية تبحث لها عن عملاء ووكلاء.

إنّ تحميل «نظرية المؤامرة» وحدها مسؤولية المصائب والمخاوف هي حتماً مقولة خاطئة ومُضلّلة، فكلّ ما يحدث من «مؤامرات خارجية» يقوم فعلاً على استغلال وتوظيف خطايا داخلية، لكنّه أيضاً «قصر نظر» كبير لدى من يستبعد دور ومصالح «الخارج» في منطقةٍ تشهد الآن أهمّ التحوّلات السياسية والأمنية والجغرافية.

هناك في سيرة آدم عليه السلام، كما وردت في الرسالات السماوية، حكمةٌ مهمّة. فإغواء الشيطان له ولحوّاء كان «مؤامرة خارجية»، لكنّ ذلك لم يشفع لهما بألا يكون هناك عقابٌ وتحمّل مسؤولية.

الواقع الآن أنّنا نعيش زمناً إسرائيلياً في كثيرٍ من الساحات العربية والدولية. زمنٌ يجب الحديث فيه عن مأساة الملايين من الفلسطينيين المشرّدين منذ عقود في أنحاء العالم، لا عن مستوطنين يهود يحتلّون ويغتصبون الأرض والزرع والمنازل من دون رادعٍ محلّي أو خارجي. زمنٌ إسرائيليٌّ حتى داخل بلدان عربية كثيرة تشهد صراعات وخلافات طائفية ومذهبية تخدم المشاريع الأجنبية والإسرائيلية، في الوقت الذي تحتّم فيه مواجهة هذه المشاريع أقصى درجات الوحدة الوطنية. زمنٌ تفرض فيه إسرائيل بحث مسألة «الهويّة اليهودية» لدولتها التي لم تعلن عن حدودها الرسمية بعد، بينما تضيع «الهويّة العربية» لأمَّةٍ تفصل بين أوطانها، منذ نحو قرنٍ من الزمن، حدودٌ مرسومة أجنبياً، وبعض هذه الأوطان مُهدّدٌ الآن بمزيدٍ من التقسيم والشرذمة!

يُغرِق البعض، الأمَّة في خلافاتٍ ورواياتٍ وأحاديث عمرها أكثر من 14 قرناً، وليس الهدف من ذلك إعادة نهضة الأمَّة وأوطانها، بل تقسيمها إلى دويلات طائفية ومذهبية تتناسب مع الإصرار الإسرائيلي على تحصيل اعتراف فلسطيني وعربي بالهُويّة اليهودية لدولة إسرائيل، فتكون «الدولة اليهودية» نموذجاً رائداً لدويلات دينية ومذهبية منشودة في المنطقة كلّها!

وإذا كانت إسرائيل وأجهزتها الأمنية تتسلّل إلى أهمّ المواقع السياسية والأمنية في دول كبرى، ومنها حليفتها الكبرى أميركا، فكيف لا تفعل ذلك مع أعدائها «الجيران» لها؟ فرغم كلّ العلاقات الخاصّة بين أميركا وإسرائيل، هناك العديد من العملاء الأميركيين الذين اعتقلوا بتهمة التجسّس والعمل لمصلحة إسرائيل في مواقع أمنية أميركية مهمّة، وبعضهم من خلال علاقتهم مع منظمة «إيباك»، اللوبي الإسرائيلي المعروف في واشنطن.

ثمّ ماذا عن الدكتور ماركس وولف، الذي كان مسؤولاً عن جهاز الاستخبارات العسكرية في ألمانيا الشرقية الشيوعية (قبل سقوط الاتحاد السوفياتي)، وقد لجأ إلى إسرائيل بعد سقوط حائط برلين وانهيار النظام الشيوعي فيها، حيث تبيّن أنه كان عميلاً لجهاز «الموساد» الإسرائيلية، وهو الذي كان يشرف على العلاقات الخاصّة مع منظمات وأحزاب شيوعية في دول العالم الثالث ومنها المنطقة العربية؟

وهل كان باستطاعة إسرائيل أن تغتال قيادات فلسطينية ولبنانية وعلماء مصريين وعراقيين في عدّة عواصم لو لم يكن لديها العديد من العملاء والمرشدين في هذه الدول؟ من السذاجة طبعاً تجاهل كلّ ذلك واعتبار أنّ إسرائيل هي طرفٌ محايد ومراقب لما يحدث في «جوارها العربي» المعادي لها.

إنّ إسرائيل، بلا شكّ، أحسنت توظيف الأخطاء الرسمية العربية، كما أحسنت توظيف الظروف الدولية والمشاريع الأميركية في المنطقة، لكن لإسرائيل مشاريعها الخاصّة التي تتجاوز أجندة واشنطن أو موسكو أو غيرهما من قوى إقليمية ودولية، فإسرائيل لم ولن تتراجع عن مشروعها التفكيكي للبلاد العربية على أسس طائفية ومذهبية وإثنية.

هذه ليست «تخيّلاتٍ وأحلاماً ومجرّد مشاريع»، بل هي «ثوابت» إسرائيلية ملازمة للمتغيّرات الحاصلة على الأرض العربية، وفي ظلّ حكومة إسرائيلية يقوم برنامجها على ما قاله نتنياهو في خطابه الشهير أمام الكونغرس الأميركي قبل عامين، ونال تصفيقاً حادّاً حينما تحدّث عن لاءاته: لا لعودة اللاجئين الفلسطينيين، لا للعودة لحدود 1967، لا لوقف الاستيطان، ولا لتقسيم القدس التي ستبقى العاصمة الأبدية للدولة «اليهودية»، كما أشار نتنياهو إلى الآمال التي تضعها حكومته على حركة الشارع العربي: «الذي لم يعد يتظاهر ضدّ إسرائيل بل ضدّ حكوماته».

طبعاً ليست الخطط والمشاريع الإسرائيلية والأجنبية بمثابّة «قضاء وقدر»، فقد كان هناك في العقود الماضية مشاريع كثيرة جرى في أكثر من مكان وزمان إحباطها ومقاومتها، لكن ما يحدث الآن يختلف في ظروفه عن المرحلة الماضية. فالحديث عن «مقاومة إسرائيل» و«مواجهة الهيمنة الأجنبية» ليس هو الأولويّة الآن لدى جماعاتٍ كثيرة على امتداد الأرض العربية، بل إنّ بعض هذه الجماعات لم يجد حرجاً في طلب التدخّل الأجنبي أو في العلاقة مع إسرائيل نفسها!

عسى أن يدرك الحكّام والمعارضون والمواطنون العرب عموماً إلى أيِّ منقلبٍ قد ينقلبون وهم يحكمون أو يثورون!

* مدير «مركز الحوار العربي» في واشنطن

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط