مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

ثلاثة خطابات في شأن الصراع السوري

تتقاسم ثلاثة خطابات تأويل الصراع السوري وتمثيله في أواخر عامه الثالث، خطاب سياسي وخطاب إسلامي وخطاب إنساني.

يعرض الخطاب السياسي أساس الصراع في سورية بوصفه كفاح شعب من أجل التحرر وتقرير المصير ضد نظام فاشي، ثابر على إباحة محكوميه سياسياً، وإبادتهم حين يتمردون عليه. لهذا الخطاب تنويعات مختلفة، يجمعها إظهار أن جذور الصراع السوري تمتد في التكوين الاستبدادي للنظام الأسدي، وفي تطلعات عامة نحو الحرية والعدالة والكفاية والكرامة الإنسانية تجمع السوريين بغيرهم من الشعوب.

المنتجون الأساسيون للخطاب السياسي للثورة هم السياسيون، وهم معارضون متنوعون ينطقون باسم الثورة، لكن من دون أن يحوز أكثرهم شرعية خاصة لتمثيلها، ومن دون أن يكون لأكثرهم وزن حقيقي على الأرض. أكثر هؤلاء علمانيون، لكن بينهم إسلاميون أيضاً، مستقلون أو أقرب إلى التيار الإخواني.

مشكلة الخطاب السياسي للثورة هي ضعف ممثليه، وقلة الثقة بهم. تضيع نقطة قوته، وهي تشخيص الصراع بأنه بين نظام طغمة يحتكر السلطة والثروة وفرص العيش، وبين طيف واسع من المحكومين يتطلع إلى امتلاك السياسة والحياة، في هزال وتبعثر حَملته. غير قليل منهم عبء فكري وسياسي وأخلاقي على كفاح السوريين. بعبارة أخرى، يخترق الخطاب السياسي تناقض بين تشخيصه الأسلم للصراع السوري والأكثر ملاءمة لبناء إجماع وطني واسع نسبياً وبين ضعف شرعية ممثليه، وصفتهم المضادة للإجماع ولو كان نسبياً.

في عام 2012 أخذ يظهر خطاب آخر، إسلامي، تحول تدريجياً إلى خطاب مهيمن في صفوف المجموعات المقاتلة للنظام. للخطاب الإسلامي فاعلية تعبوية عالية، تتناسب طرداً مع انكشاف البيئات الاجتماعية الأكثر تعرضاً لحرب النظام من جهة، ومع التنويعة الأكثر تبسيطاً للتفكير الإسلامي. من هذا الباب، السلفية أصلح من التفكير الإخواني أساساً فكرياً للصراع ضد النظام. تلتقي في السلفية الحاجة لعقيدة مبسطة من أجل الحشد وتوحيد معسكر المقاتلين، مع كون أكثرية التشكيلات المقاتلة الكثيرة ريفية المنشأ (للتفكير السلفي طابع ريفي خلافاً للتفكير الإخواني الأكثر تركيباً وتوفيقية)، ثم مع جهات داعمة من دول الخليج، تماهي من تلقاء نفسها بين الإسلام والتيار السلفي. والطائفية المبدئية والصريحة جداً للتفكير السلفي هي نقطة قوته على مستوى وضوح مقاصده، وعلى مستوى الاستنفار والتعبئة، وعلى مستوى الحلول العملية التي يزكيها.

تصور المشكلة السورية يختلف جذرياً هنا عن الخطاب السياسي، ومثله تصور حلولها. تبدو هنا مشكلة دينية، متولدة عن اضطهاد المسلمين السنيين وتهميش عقيدتهم، وليس عن نظام استبدادي يتطلع إلى تركيز السلطة والثروة بين يديه. والحل تالياً هو إقامة دولة إسلامية عادلة، تحتكم إلى الشريعة الإسلامية بوصفها المصدر الوحيد للتشريع، على ما زايد ميثاق الجبهة الإسلامية الذي صدر في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. الجبهة مكونة من أهم الفصائل المقاتلة الإسلامية، لكن من دون مشاركة فرعي القاعدة، جبهة النصرة وداعش.

منتجو الخطاب الإسلامي مقاتلون أساساً. وللمزيج المكون من الإسلام والقتال اسم شهير: الجهاد. أصحاب الخطاب الإسلامي «مجاهدون». وتتكفل الوضعية السورية، وحشية منفلتة منذ 3 أعوام مع حيثية طائفية للنظام وحلفائه، في تقليص الفرق بين سلفيين مجاهدين وبين سلفيين جهاديين. الكل مسوق في تيار من المزايدة الإسلامية يضع الأكثر تطرفاً في الموقع الأقوى. داعش تستفيد من هذه الظرفية بالذات. لكن هذه الظروف المواتية للخطاب الإسلامي لا تلغي التناقض بين فاعليته التعبوية والاحتجاجية وبين تطلعاته السلطوية والاستئثارية. سورية بلد مركّب، لا يُحكم من قبل تيار واحد، وما يصح على الحكم البعثي والأسدي صحيح على الإسلاميين، وإن حجبت حرارة الصراع اليوم ذلك. ومحصلة عمل الإسلاميين، المجاهدين منهم والجهاديين، خلال عام 2013 خاصة، هو تزويد النظام بقضية بعد أن كان بلا قضية. أمام الداخل صار حامياً للأقليات، وأمام الخارج محارباً ضد الإرهاب، هذا فضلاً عن رفع عتبة التماهي بالثورة رفعاً شديداً، وتالياً توسيع دائرة اللامبالاة والابتعاد عن السياسة. وهو النقيض التام لفاعلية الثورة في زج أعداد أكبر من السوريين في عملية صنع مصيرهم السياسي.

ظهر الخطاب الإنساني بالتزامن مع صعود الخطاب الإسلامي، وبارتباط معه. صارت جهات دولية تفضل التفكير في المشكلة السورية بوصفها مشكلة لاجئين ومهجرين ومحاصرين وجياع، وليس صراعاً بين نظام فاشي ومجتمع ثائر عليه، وذلك بارتباط سببي مباشر مع صعود الإسلاميين. تقلصت مساحة تقاطع هذه القوى مع الخطاب السياسي للثورة بالتوازي مع صعود الجهادية الإسلامية، وصارت تنظر إلى المشكلة السورية من زاوية أعراضها ونتائجها وليس مسبباتها وجذورها.

لسنا هنا حتى حيال خطاب حقوق الإنسان، إذ لا يجري الكلام على حقوق أصلاً، بل على شيء أقرب إلى الإحسان، تقديم «مساعدات إنسانية» تخفف من محنة اللاجئين، أو المطالبة الواهنة برفع الحصار عن المحاصرين الجياع. شيء يشبه التعامل مع القضية الفلسطينية كقضية لاجئين، والسكوت المتواطئ عن الفاعل الأساسي المسؤول عن محنتهم المستمرة.

إذا كان سياسيون وناشطون هم منتجو الخطاب السياسي، ومقاتلون إسلاميون هم منتجو الخطاب الإسلامي، فإن منتجي الخطاب الإنساني هم قوى ومنظمات دولية، يشاركها سوريون غافلون أو سائرون في ركابها. ومشكلة هذا الخطاب الأخير أنه إذا يعالج أعراض المرض السوري يبقي المرض نفسه بخير. لكن قد يكون هذا بالضبط هو المطلوب من وجهة نظر منظمات وسياسات دولية. يجب أن توجد مشكلات إنسانية كي تقوم الجماعة بعملها.

ليس الخطاب الإنساني مبرأ من السياسة، الواقع أن الصفة «الإنسانية» للخطاب هي الوجه الآخر لانشغاله السياسي جداً بالجهادية الإسلامية، والنظر إلى الصراع السوري من منظور خطرها ومقتضيات مواجهتها. لكن الخطاب فعال في الوقت نفسه في نزع الصفة السياسية عن الصراع، أعني حجب محركاته الاجتماعية والسياسية العامة، ليظهر كصراع غامض ومستعص على الفهم يتفجر من طبيعة غامضة ومعقدة لمجتمعنا، لا علاقة له بقيم الحرية والعدالة والتحكم بالمصير.

الظروف الداخلية والدولية ليست مساعدة كثيراً اليوم في تنشيط الخطاب السياسي التحرري للثورة. لكن العمل في هذا الاتجاه هو ما يمكن أن يعرف تياراً واسعاً من السوريين، يرتبطون بالقيم المحركة للثورة، في مواجهة الفاشية الأسدية، وفي مواجهة إسلاميين يجددون شباب الأسدية على أسس أخرى، كما بالتمايز والاستقلال عن قوى دولية خذلت الشعب السوري وآذت قضيته كثيراً.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط