مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

(تنظيم فتح) و (حركة فتح)

لم يترك الفلسطينيون أيديولوجية أممية أو قومية أو دينية إلا وجربوها، بالانخراط فيها أو بتأييدها والمراهنة عليها : أحزاب قومية عربية وأحزاب شيوعية ويسارية وحركات إسلامية ،ولم يظهر زعيم عربي أو إسلامي يمزج شعاراته وأيديولوجيته القومية أو الإسلامية بالحديث عن فلسطين ،إلا وتبعوه وعلقوا صوره في كل منزل وحارة وشارع ،وقاتل الفلسطينيون وراء كل الشعارات والإيديولوجيات إيمانا منهم بالعروبة وبالإسلام بلا شك ،ولكن أيضا اعتقادا أن الوحدة العربية و الخلافة الإسلامية هما الطريق لتحرير فلسطين أو سيساعدان في تحريرها. وبعد كثير من المعاناة والتضحيات والإحباط وانكشاف زيف أصحاب الشعارات الكبيرة لم يجد الفلسطينيون إلا فلسطين والوطنية الفلسطينية لتستوعبهم وتحفظ كرامتهم وإنسانيتهم وتبلسم جراحهم حتى وإن كانوا تحت الاحتلال،فالمواجهة مع الاحتلال حتى من خلال التعايش الإكراهي على نفس الأرض يعزز الهوية الوطنية ويحافظ عليها.

لأن في الوطنية الفلسطينية متسع للجميع فإن حركة فتح عند ظهورها منتصف الستينيات كتجسيد للهوية الوطنية لم تطلب من أحد أن يتخلى عن أيديولوجيته إن أراد أن ينتمي لحركة فتح لأنها حركة تعبر وتجسد الهوية الوطنية ،والهوية الوطنية تعددية ومتفتحة وتستوعب الجميع وفلسطين تحتاج لجهود الجميع ولكن على قاعدة توطين الأيديولوجيات ،بمعنى أن تصبح الأيديولوجيات جزءا من الهوية الوطنية وليس أن يتم إلحاق الوطنية بهذه الأيديولوجية أو تلك ،بل إن كثيرين أصبحوا فتحاويين بدون بطاقة عضوية لأن الفتحاوية كانت وما زالت تعني الانتماء للوطنية الفلسطينية وللمشروع الوطني الفلسطيني.

تماهت حركة فتح مع الهوية والثقافة والشخصية الوطنية ومع المقاومة والتحرر والاستقلال ،حتى باتت فتح تعني فلسطين وفلسطين تعني فتح وهو الأمر الذي انعكس بالتأييد العارم الذي حظيت به الحركة ليس فقط فلسطينيا بل عربيا ودوليا،وحتى عندما ظهرت فصائل فلسطينية يسارية وقومية وحاولت توطين أيديولوجياتها لم تتمكن من الحلول محل فتح في التعبير عن الوطنية الفلسطينية،إلا أن وجودها مع حركة فتح في إطار منظمة التحرير الفلسطينية أضفى عليها وعلى المنظمة طابعا وطنيا حررها من الوصاية العربية بداية ويحميها اليوم من محاولات جرها لتبعية الأجندة الخارجية.

لأن حركة فتح تعبر وتجسد الوطنية الفلسطينية : هوية وتاريخا وكيانا سياسيا ،فهي وليس غيرها من التنظيمات الأيديولوجية ،تمثل النقيض الرئيس لإسرائيل ومشروعها الصهيوني ،وإسرائيل تدرك جيدا أن نقيض مشروعها الصهيوني هو المشروع الوطني ومن يحمل هذا المشروع ويمثله حتى الآن حركة فتح وليس أية جماعة فلسطينية أخرى،فلا قيمة لمنظمة التحرير –مع كامل التقدير لكل القوى السياسية المنضوية فيها- بدون حركة فتح، كما أن قوى اليسار لوحدها لا تمثل المشروع الوطني لاعتبارات إيديولوجية ولاعتبارات موضوعية واقعية لها علاقة بتشرذمها ومحدودية امتدادها الجماهيري ،وجماعات الإسلام السياسي في فلسطين لا تحمل مشروعا وطنيا ولا تعبر عن البعد والانتماء الوطني وهي موجة خارجية هبت على الحالة الفلسطينية ، حتى وإن كانت موجة قوية تبقى موجة عابرة ومآلها بات واضحا بعد فوضى ما يسمى بالربيع العربي ،إلا إذا استدركت جماعات الإسلام السياسي الفلسطينية الأمر ووطنت أيديولوجيتها . إن وطنية أي تنظيم لا تقاس بعدد ما يملك أو يطلق من صواريخ على إسرائيل بل تقاس وطنيته بمدى التزامه بالمشروع الوطني والهوية الوطنية ،والمقاومة جزء أصيل من المشروع الوطني ما دامت فلسطين محتلة .

قد يقول قائل إن حركة فتح بعد توقيع اتفاق أوسلو وبعد هزيمتها في الانتخابات التشريعية في يناير 2006 أصبحت جزءا من الماضي وأن قوى جديدة بتوجهات دينية طفت على السطح ،وأن تنظيم فتح بات مهشما وعاجزا ويعيش على هامش الفعل الوطني ليس فقط في قطاع غزة بسبب ضعف قيادته الإقليمية وقمع حركة حماس ،بل أيضا في الضفة الفلسطينية بسبب عدم تفرغ قيادة التنظيم للعمل النضالي وانشغالهم بمناصب ومصالح خاصة وبسبب قوة حضور السلطة و إغراءاتها وإسرائيل وإرهابها.

بالرغم من أن كل أخطاء وخلل وفساد مرحلة ما بعد أوسلو تُحسب على حركة فتح ،فيقال سلطة فتح وحكومة فتح وأجهزة أمن فتح الخ ، إلا أن غالبية أعضاء الحكومة ومستشاري رئيس الوزراء بل ومستشاري الرئيس أبو مازن ،والقائمون على إدارة أهم مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية ورؤساء الجامعات ... ليسوا من حركة فتح ،و تنظيم فتح يعتاش تطفلا على أموال السلطة ،الأمر الذي أساء كثيرا لحركة فتح وجعلها كشاهد زور على ما يجري .

نعم ، كثيرون راهنوا على نهاية حركة فتح بعد انتخابات 2006 إلا أن الواقع أثبت فشل كل الرهانات ، فحركة حماس بعد نشوة النصر السياسي في الانتخابات ونشوة الانتصار الدموي بعد السيطرة على قطاع غزة وصلت لطريق مسدود ولفشل معمم : فشلّ في إستراتيجية المقاومة ،وفشلّ اقتصادي وإداري وسياسي في إدارة قطاع غزة ،وفشلّ في التحالفات الخارجية ،والاهم من ذلك فشل في التعبير عن الوطنية الفلسطينية وفي تمثيل الكل الفلسطيني بالرغم من الفرصة التاريخية التي مُنحت لها بعد الانتخابات. وقوى اليسار وبالرغم من دورها الوطني تاريخيا إلا أنها بقيت تدور في حلقة مفرغة ولم تستطع أن تزيد من رصيدها الشعبي أو تشكل تيارا وطنيا يملأ فراغ أزمة تنظيم حركة فتح . أيضا فشلت كل المحاولات لتأسيس حالة جديدة تحت عنوان المستقلين بالرغم من احتضان دول لبعض المستقلين وما يتمتعون به من أموال. وهناك سبب آخر كان وراء خطأ مراهنة المراهنين على نهاية حركة فتح وهو الخلط بين تنظيم فتح وحركة فتح .

كان مهرجان انطلاقة الثورة الفلسطينية في ساحة السرايا في 4 يناير 2013 مؤشرا واضحا على فشل كل المراهنين على نهاية حركة فتح وتراجع الوطنية الفلسطينية،لأن هؤلاء حكموا على حركة فتح من خلال واقع تنظيم فتح . حمل المهرجان رسائل متعددة وخصوصا لإسرائيل مفادها أن الوطنية الفلسطينية حالة متجذرة في الشعب الفلسطيني وان الحصار والانقسام وكل ما أنتجته المفاوضات من كوارث وما أفرزت السلطة من سلبيات لم يغير من أصالة الشعب الفلسطيني ومن تمسكه بهويته الوطنية والتفافه حول عنوانها الرئيس حركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح)، وعندما نقول (حركة) فتح فلا نقصد (تنظيم) فتح ، فنحن نميز بين حركة فتح وتنظيم فتح ،والجماهير التي تؤيد حركة فتح والتي خرجت في مهرجان الانطلاقة لم يُخرجهم تنظيم فتح ولم يَخرجوا دفاعا عن تنظيم فتح ،بل أخرجهم انتماؤهم الوطني والغيرة على الوطنية الفلسطينية ودفاعا عن حركة فتح المعبرة عن هذه الوطنية التي شعرت الجماهير أنها باتت مهددة بالانقسام وبممارسات حركة حماس في القطاع ،وحالة الانفلاش الذي يعيشه تنظيم فتح في القطاع ،وبعجز السلطة الوطنية عن التعبير عن أو حماية الوطنية والأرض الفلسطينية في الضفة ،وإحساس الجماهير أن هناك تآمرا على الوطنية الفلسطينية من عدة أطراف داخلية وخارجية .

نعم ، حركة فتح ليست تنظيم فتح ،وهذا الأخير بأشخاصه ومؤسساته أساء كثيرا لحركة فتح من حيث عدم قدرته على لملمة الحالة الفتحاوية أو على بلورة رؤية وفكر يعبر عن أصالة حركة فتح وما يميزها عن الآخرين ،وبسبب تكالب قيادات من التنظيم على المناصب والامتيازات وكأن الدور النضالي لحركة فتح قد انتهى والآن مرحلة جني المغانم !. طوال العقود الثلاثة الأولى من عمر حركة فتح حدث تماهي وتداخل بين حركة فتح وتنظيم فتح ، إلا أنه في العقدين الأخيرين وتحديدا خلال العقد الأخير حدث تباين بين تنظيم فتح وحركة فتح ،فالتنظيم كأشخاص أو أدوات تنظيمية وتنفيذية ومؤسسات لم يعد يعبر عن حركة فتح المجسدة للوطنية الفلسطينية ،بل بات تنظيم فتح يسيء لحركة فتح ،كل الانتقادات والمساوئ والأخطاء التي ينسبها الناس لفتح إنما سببها تنظيم فتح وليس حركة فتح ،وللأسف يتم إسقاط أخطاء وتقصير تنظيم فتح على حركة فتح وهو الأمر الذي يتطلب استنهاض تنظيم فتح ليصبح في عظمة حركة فتح ،وهذا مطلب ضروري وملح بعد تراجع المراهنة على جماعات الإسلام السياسي وعودة الاعتبار للدولة الوطنية في العالم العربي.

لأن حركة فتح تعبر عن الهوية الوطنية وعن التوق للاستقلال فهي باقية كحركة تحرر ما بقي الاحتلال ،إلا أن بقائها مرتبط بقدرتها على الاستمرار في التعبير عن الوطنية وبقدرتها على اشتقاق وسائل نضالية ضد الاحتلال، كما أن عمر حركة فتح غير مرتهن بعمر قادتها وهي ليست ملكية خاصة لقادتها ،لا للرئيس أبو مازن ولا لأعضاء اللجنة المركزية ، ويجب تحريرها من وصاية وسطوة التنظيم من خلال ثورة داخلية أو مراجعة إستراتيجية تعيد صهر وتماهي تنظيم فتح وحركة فتح و الوطنية الفلسطينية. 

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط