مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

تنظيم النقابات المهنية وحوكمته في إطار قانوني ضرورة وطنية

تنظيم النقابات المهنية وحوكمته في إطار قانوني ضرورة وطنية

تاريخ النشر: 2026-07-15 | 11:25

د. سلامه  محمود ابو زعيتر
د. سلامه محمود ابو زعيتر
تاريخياً، كان العمل النقابي المهني في فلسطين ريادياً ونموذجاً للتقدم والابتكار والحضور؛ فلم يكن مجرد أداة لتنظيم المصالح الفئوية الضيقة، بل مثّل دائماً رافعة نضالية ووطنية، وخط الدفاع الأول عن الهوية وبنية المجتمع. واليوم، يواجه هذا قطاع الهام مأزقاً هيكلياً يعوق قدرته على التطور ومواكبة العصر؛ إذ يقف العمل النقابي المهني مكبلاً بين سندان الفراغ التشريعي وغياب القوانين المعاصرة التي تنظم المهن الحديثة، ومطرقة الاجتهادات الفردية والبيروقراطية في منح تراخيص مزاولة المهنة لأعضاء النقابات القائمة، ومع ظهور مهن حديثة عابرة للحدود تفرضها الثورة الرقمية واقتصاد المعرفة، أصبحت الفجوة بين التشريعات القديمة ومتطلبات الواقع عميقة جداً. من هنا، يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكننا الارتقاء بالنقابات المهنية وتنظيم مزاولة المهن والحد من العشوائية في ظل غياب تشريع ناظم وفراغ تشريعي ممتد؟ وما هي الإجراءات المطلوبة حالياً لحين إصدار تشريعات عصرية؟ وكيف تستطيع النقابات القائمة خدمة أعضائها والارتقاء بالأداء المهني؟ لإدراك أبعاد هذه القضية، لا بد أولاً من ضبط المصطلحات الحاكمة للعمل النقابي المهني، وتفكيك التداخل بين المخرجات الأكاديمية ومتطلبات سوق العمل من خلال ثلاثة مفاهيم رئيسية: 1. النقابة المهنية: وهي هيئة تنظيمية اعتبارية إلزامية العضوية، تجمع خريجي التخصصات الأكاديمية والمهنية المحددة. ولا تهدف النقابة المهنية إلى تمثيل الأجراء ضد أصحاب العمل —كما هو حال النقابات العمالية المطلبية— بل تُعنى بتنظيم شؤون منتسبيها، ورفع كفاءتهم، وحماية أخلاقيات ومستويات المهنة، وتوفير مظلة أمان مهني واجتماعي لهم، وهي بمثابة الجسر الإلزامي والوحيد الذي يعبره الخريج الأكاديمي للالتحاق القانوني بسوق العمل. 2. مزاولة المهنة: والمتمثل في الإذن أو الترخيص القانوني الرسمي والشرعي الصادر عن النقابة المهنية (أو بالتشارك مع الجهات الحكومية المختصة)، والذي يقرّ بأن الخريج الأكاديمي قد استوفى المعايير العلمية، والعملية، والأخلاقية، وأصبح مؤهلاً لممارسة التخصص وتقديم خدماته للجمهور بشكل مستقل وآمن، مما يجعله صمام الأمان لحماية المجتمع من الدخلاء وغير المؤهلين. 3. قانون تنظيم المهنة: وهو التشريع السيادي الصادر عن السلطة التشريعية، والذي يمنح النقابة المهنية شخصيتها الاعتبارية وصلاحياتها الحصرية والسيادية في تنظيم المهنة؛ حيث يحدد هذا القانون شروط الانتساب، وآليات منح وسحب رخصة مزاولة المهنة، وتأسيس المجالس التأديبية لمحاسبة المخالفين لميثاق الشرف المهني، وفرض معايير جودة الخدمة المقدمة للسوق، والشراكة في رسم السياسات الوطنية. وبدون هذا القانون تظل النقابة مجرد جمعية أهلية تفتقر لقوة إنفاذ القانون. تعيش المهن في فلسطين، وخاصة في قطاع غزة اليوم، حالة من التباين الحاد؛ فالمهن التقليدية كالهندسة والطب والصيدلة تستند إلى ترسانة من القوانين القديمة —التي يعود بعضها إلى العهود الأردنية أو المصرية أو الأوامر العسكرية—. ورغم حاجتها الماسة للتحديث، إلا أنها تمتلك غطاءً قانونياً واعترافاً حكومياً يوفر حداً أدنى من الحماية والتنظيم والتراخيص الرسمية، وهناك تجارب ناجحة مثل نقابة المحامين التي استطاعت انتزاع تشريع خاص بالمهنة، وهو الطموح الذي تسعى إليه كافة الأجسام المهنية. في المقابل، تقف المهن الحديثة والناشئة —مثل الأخصائيين بمختلف مجالاتهم، وقطاعات تكنولوجيا المعلومات، والاقتصاد، والمحاسبة، والإدارة، وصناع المحتوى، ومستشاري الأعمال، والترجمة الفورية، والتصميم، والعمل الحر الرقمي وغيرها— في العراء التشريعي التام. ويتجلى هذا التفاوت في أن النقابات التقليدية تستند إلى تشريعات تاريخية تمنحها قوة إلزامية لمنح رخص المزاولة كشرط لدخول السوق وتوفر لمنتسبيها صناديق تقاعد وتأمين صحي ودفاع قانوني، بينما تعاني النقابات والروابط الحديثة من غياب كامل للقوانين المنظمة؛ حيث تُعامل قانونياً كجمعيات خيرية، أو شركات تجارية ناشئة، أو نقابات مساعدة، ويفتقر منتسبوها من الخريجين الجدد لأي رخص مزاولة رسمية معتمدة أو شبكات أمان اجتماعي ومهني. إن هذا التفاوت البنيوي لا يضر بالمنتسبين فحسب، بل يؤدي إلى إضعاف القدرة التنافسية للشباب الفلسطيني في الأسواق المحلية والإقليمية والدولية، ويحرم الاقتصاد الوطني من عوائد مأسسة هذه القطاعات الواعدة. خارطة الطريق البديلة وفرض الأمر الواقع الإيجابي لحل هذه المعضلة، فإن المسار المثالي هو إصدار تشريع خاص لكل مهنة بمشاركة نقابتها بموجب قرار بقانون صادر بمرسوم رئاسي متكامل. ولضمان خطوات عملية واضحة تكفل إصدار هذه التشريعات، يجب أولاً حصر كافة النقابات المهنية غير المنظمة بقانون، وجدولتها ضمن خطة وطنية لإصدار القوانين والتشريعات بالتوالي والعمل على مأسستها تدريجياً. وإذا تعذر ذلك في ظل الجمود التشريعي الحالي وتعطل المجلس التشريعي، نرى ضرورة الانتقال من موقف الانتظار السلبي إلى فرض الأمر الواقع الإيجابي، بالاعتماد على تنظيم ذاتي ذكي يحاكي المعايير والاتفاقيات الدولية عبر أربعة مسارات متسلسلة: 1. مسار التنظيم الذاتي وميثاق الشرف المهني ويتوجب على النقابات الحديثة صياغة دساتيرها الداخلية ومواثيق شرف مهنية صارمة تحدد أخلاقيات العمل، ومعايير الجودة، وحقوق المستهلك دون انتظار إذن حكومي. 2. بناء سجلات الاعتماد الأهلية والارتقاء بالأداء المهني من خلال إطلاق نظام "شهادة كفاءة أهلية" تمنحه النقابة لمنتسبيها بناءً على اختبارات ومؤهلات حقيقية، مع ربط تجديد هذه العضوية والمزاولة سنوياً ببرامج التعليم والتطوير المهني المستمر (حضور الورشات المتخصصة ومواكبة المستجدات العلمية في كل حقل). يضمن هذا الإجراء تقديم خدمة حقيقية للأعضاء لرفع كفاءتهم التنافسية، وحماية المجتمع عبر الارتقاء بالأداء المهني العام، لتتحول هذه الشهادة النقابية الأهلية إلى علامة الجودة ورخصة المزاولة الواقعية التي يبحث عنها السوق والمشغلون محلياً ودولياً. 3. التشبيك والانتساب الدولي بناء شراكات مع اتحادات دولية ونقابات عابرة للحدود؛ إذ إن هذا الاعتراف الدولي يمنح الأجسام النقابية المحلية ثقلاً مهنياً وقانونياً يفرض حضورها أمام الجهات الرسمية الفلسطينية كأجسام شرعية ومؤهلة لتمثيل الخريجين وحماية مصالحهم. 4. تقديم الحلول الجاهزة للمشرّع وصياغة السياسات الاستباقية بحيث تبادر النقابات —عبر لجان قانونية ومهنية متخصصة— بصياغة مسودات قوانين تنظيم المهن لقطاعاتها وتقديمها للوزارات المختصة كأوراق عمل جاهزة للتبني، بدلاً من مطالبة الحكومة بالبدء من نقطة الصفر لتوفير الجهد والوقت. الإطار الانتقالي لحوكمة "مزاولة المهنة" والاعتماد المهني إن النقابات المهنية الفلسطينية القائمة بتمثيلها الشرعي الراسخ وقوانينها التاريخية تشكل الحصن المتين الذي حمى كرامة المهنيين وحقوقهم لعقود، وهي المرجعية القانونية والوطنية التي لا مساس بشرعيتها. ومع ذلك، فإن التحديات الراهنة المتمثلة في التضخم الهائل في أعداد الخريجين، والتعقيدات الاستثنائية للحالة الفلسطينية بوجود مرجعيات متباينة بين الضفة وغزة، تتطلب من نقاباتنا العتيدة قيادة عملية مراجعة وتحديث داخلي مرنة لإجراءات "مزاولة المهنة"، ليس تراجعاً عن دورها، بل تعزيزاً لقوتها ومصداقيتها وحماية لقراراتها السيادية في مواجهة ضغوط البيروقراطية. ولتحقيق هذه القفزة التطويرية والريادية، نقترح تطبيق إطار حوكمة تتبناه النقابات طواعية، ويرتكز على ثلاثة معايير أساسية: 1. رقمنة ومأسسة الإجراءات عبر دليل المزاولة الموحد بحيث تلتزم النقابات بموجبه بصياغة ونشر دليل موحد ومعلن لشروط الترخيص والانتساب، يتضمن المستندات المطلوبة بدقة، الرسوم الثابتة، والمدد الزمنية الملزمة للرد، مع تحويل هذه العملية تدريجياً إلى بوابة إلكترونية تفادياً للبيروقراطية وتعدد المرجعيات؛ مما يعزز الشفافية ويسهل الإجراءات للخريجين الجدد ويغلق الباب أمام التفسيرات الفردية. 2. التقييم القائم على الجدارة والكفاءة بالانتقال المنظم من التقييم القائم على المقابلات الشفهية التقليدية التي قد تثقل كاهل اللجان النقابية وتفتح باب التأويل إلى نظام تقييم موضوعي يرتكز على التقييم التراكمي لملف المتقدم الأكاديمي والعملي، واجتياز اختبار كفاءة مهني (معرفي وعملي) مؤتمت ومحايد، يتم تطويره بالشراكة مع مراكز أكاديمية متخصصة لضمان تكافؤ الفرص وتأكيد جودة الخريجين الملتحقين بالسوق. 3. الإدارة التشاركية والرقابة الذاتية وتدعيم اللجان الفنية لمنح التراخيص برؤية تشاركية تحت مظلة النقابة وبقيادتها؛ بحيث تضم ممثلاً عن النقابة المعنية، وأكاديمياً متخصصاً مستقلاً من الجامعات، وممثلاً عن قطاع المشغلين والقطاع الخاص؛ مما يضمن تكامل الرؤية ومواءمة المخرجات مع احتياجات السوق الفعلية، مع تفعيل لجان تظلمات داخلية مستقلة تعزز ثقة الهيئة العامة بنقابتها الحاضنة. الخلاصة: إن تنظيم المهن والارتقاء بالعمل النقابي المهني في فلسطين لم يعد ترفاً فكرياً أو مطلباً فئوياً، بل هو حاجة وطنية ملحة لتحقيق التنمية المستدامة، والحد من البطالة المقنعة وسط الخريجين الأكاديميين، وحماية الاقتصاد الوطني في عصر الرقمنة واقتصاد المعرفة. وإن مأسسة العمل النقابي وحوكمة مزاولة المهن عبر خطة انتقالية واضحة المعالم وقائمة على التقييم الموضوعي والشفافية، هي الخطوة الأولى والأساسية التي ستجبر صانع القرار والجهات التشريعية على تبني هذه النماذج الناجحة وتحويلها إلى قوانين رسمية لتنظيم المهن. فالتغيير الحقيقي يبدأ عندما تقرر النقابات المهنية قيادة مسيرة الإصلاح التشريعي بنفسها، واضعة المصلحة الوطنية العليا وحماية معايير المهنة فوق أي اعتبار أو اجتهاد شخصي.
×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط