مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث

تفكيك الموروث الشعبي في الأدب الفلسطيني الحديث

تاريخ النشر: 2026-01-31 | 15:26

جميل السلحوت: من قداسة الذاكرة إلى مساءلة السلطة

أخطر ما يواجه الموروث الشعبي الفلسطيني اليوم ليس محاولات طمسه أو مصادرته، بل تحويله إلى يقينٍ مغلق، وإلى منطقة محرّمة على السؤال. فالموروث، حين يُنزَع من سياقه التاريخي ويُقدَّم بوصفه “حقيقة مكتملة”، يتحوّل من طاقة ثقافية حيّة إلى أداة ضبطٍ رمزية: تُسكّن الوجع بدل أن تفسّره، وتُجمّل القهر بدل أن تكشفه.

في الأدب الفلسطيني الحديث، لم يعد استدعاء التراث الشعبي فعلًا بريئًا أو محايدًا. لقد أصبح ساحة اشتباك بين الذاكرة والتاريخ، بين الهوية والسلطة، وبين الحاجة إلى الانتماء وضرورة النقد. من هنا، ينهض مفهوم تفكيك الموروث لا بوصفه قطيعة مع الذاكرة، بل بوصفه فعلًا تحرريًا يعيد للذاكرة وظيفتها النقدية، ويمنع تحويلها إلى جهاز أيديولوجي يُصادر الإنسان باسم الجماعة.

ضمن هذا الأفق، تبرز تجربة جميل السلحوت بوصفها واحدة من أكثر التجارب الفلسطينية وعيًا بخطورة التراث حين يُقدَّس، وبطاقته حين يُسائل. فالسلحوت لا يكتب الموروث من موقع الحنين، بل من موقع المساءلة العميقة: مساءلة الحكاية، والعرف، والخرافة، واللغة الشعبية، بوصفها أنساقًا ثقافية تعمل في العمق الاجتماعي، وتعيد إنتاج علاقات القوة بصمت.

الموروث الشعبي: من الذاكرة إلى الخطاب

الخطأ الشائع في مقاربة التراث الشعبي يكمن في التعامل معه بوصفه “أصلًا” صافياً خارج التاريخ. والحقيقة أن الموروث ليس مادة خامًا، بل خطابٌ تشكّل داخل شروط اجتماعية محددة: مجتمع فلاحي، بنى أبوية، اقتصاد ندرة، وأخلاق جماعية جعلت من الصبر والامتثال فضيلتين عليا. لذلك، فإن الحكاية الشعبية والمثل والعرف ليست مجرد تعبيرات ثقافية، بل أدوات تفسير للعالم، ووسائل تكيّف، وأحيانًا تبرير للهيمنة.

ينطلق جميل السلحوت من هذا الوعي المبكر، وهو ما يظهر بوضوح في أعماله البحثية الأولى التي تناولت الحكاية الشعبية من زاوية الصراع الطبقي والمضامين الاجتماعية والقضاء العشائري. هذه ليست عناوين توثيقية، بل مداخل تحليلية تنقل التراث من فضاء “البراءة” إلى فضاء السؤال:

من يتكلم في الحكاية؟ من يُقصى؟ من ينتصر دائمًا؟ ولماذا؟

من جمع الحكاية إلى محاكمتها

ما يميز مقاربة السلحوت أنه لا يكتفي بجمع المادة الشعبية أو إعادة سردها، بل يضعها موضع محاكمة ثقافية. فالحكاية الشعبية، في قراءته، ليست مرآة بريئة للمجتمع، بل نصٌّ يعكس علاقات القوة داخله، ويعيد إنتاجها عبر البلاغة والحكمة والخاتمة المطمئنة.

 

وحين يتناول العرف—كما في اهتمامه بالقضاء العشائري—فهو لا يراه تقليدًا اجتماعيًا فحسب، بل سلطة موازية تُمارس العقاب والتبرئة باسم الجماعة، وتحصّن نفسها أخلاقيًا ضد النقد. هنا يتكشّف التراث بوصفه بنية ضبط اجتماعي، لا مجرد ذاكرة.

السرد بوصفه مختبرًا للتفكيك

في انتقاله إلى الرواية، لا يتخلى السلحوت عن مشروعه التفكيكي، بل يمنحه بعده الإنساني الأعمق. فالسرد يتيح له اختبار أثر الموروث داخل الحياة اليومية، لا بوصفه فكرة، بل بوصفه قوة تُشكّل الوعي والخوف والقرار.

في نص مثل «حمروش»، تُفكَّك الخرافة من داخلها: مغارة يُشاع أنها مسكونة، ووليّ تُنسب إليه الكرامات، وجماعة تعيش الخوف بوصفه معرفة موروثة. لكن انكشاف الوهم—حين يتبين أن “الولي” ليس سوى جمجمة حمار—لا يؤدي إلى تحرر كامل، بل إلى حلٍّ تكيّفي: إغلاق المغارة.

هذه النهاية ليست تفصيلًا سرديًا، بل خلاصة ثقافية دقيقة: المجتمع لا يتخلى عن أوهامه بسهولة، بل يعيد إنتاجها بصيغ أقل فجاجة. التفكيك هنا لا يمنح خلاصًا جاهزًا، بل يكشف آليات الدفاع التي يبديها الوعي الجمعي حين تهتز يقينياته.

وفي روايات أخرى، تتجلى اللغة الشعبية—ولا سيما الأمثال—بوصفها أداة عنف رمزي. فالمثل، الذي يُفترض أن يكون خلاصة حكمة، يتحول إلى وسيلة تنميط وإدانة سريعة، خصوصًا حين يتصل بالمرأة أو المختلف. هكذا يكشف السلحوت كيف تعمل “الحكمة الشعبية” أحيانًا كقناع لغوي للرقابة الاجتماعية.

تفكيك “نحن” المغلقة

من أخطر وظائف الموروث حين يتحوّل إلى يقين، أنه ينتج “نحن” جماعية مصمتة: صوتًا واحدًا، ذاكرة واحدة، وتفسيرًا واحدًا للعالم. السلحوت يكسر هذه الوحدة المريحة بإدخال الفرد القَلِق إلى قلب السرد. شخصياته ليست نماذج بطولية جاهزة، بل ذوات مأزومة، تصطدم بما ورثته من قيم حين تكتشف عجزها عن تفسير الواقع أو حمايتها من القسوة.

بهذا المعنى، لا يستهدف التفكيك التراث فحسب، بل وهم الإجماع ذاته؛ فالإجماع، في كثير من الأحيان، ليس علامة صحة، بل نتيجة صمتٍ طويل.

التفكيك بوصفه مقاومة ثقافية

في السياق الفلسطيني، يكتسب تفكيك الموروث بعدًا مضاعفًا. فهو مقاومة لمحاولات الاستعمار اختزال الفلسطيني في صورة فولكلورية جامدة، وفي الوقت نفسه مقاومة لأي خطاب داخلي يسعى إلى تحويل التراث إلى معيار طهارة ثقافية يُقصي المختلفين. بين هذين الفخين، يختار السلحوت طريقًا ثالثًا: الهوية بوصفها سؤالًا مفتوحًا، لا إجابة جاهزة.

إنه يكتب تراثًا بلا قداسة، لا لأن التراث بلا قيمة، بل لأن قيمته الحقيقية تكمن في قابليته للنقد وإعادة التأويل. فالذاكرة التي لا تُسائل نفسها تتحول إلى عبء، والهوية التي لا تسمح بالاختلاف تتحول إلى قيد.

خاتمة

في تجربة جميل السلحوت، لا يُفكَّك الموروث الشعبي ليُلغى، بل ليُستعاد على نحوٍ أكثر صدقًا وإنسانية. إنه تفكيك ينقذ الذاكرة من التحنّط، ويعيدها إلى وظيفتها الطبيعية: وظيفة السؤال.

فالتراث الذي لا يحتمل النقد، لا يصلح أن يكون ذاكرة شعبٍ يقاوم.

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط