مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

تركيا وإسرائيل: شراكة فوق المائدة السورية

دخلت الحرب على سوريا عامها الخامس. مسرى الصراع وامتداده الاستراتيجي لا ينفكان يؤشران إلى منابع ومصبات بعينها، لفوائد جمة، مرسومة بدقة، واضحة المعالم (سياسياً واقتصادياً على حد سواء) على حساب المصاب السوري. في هذا الإطار لا يختلف اثنان على أن «رافدَي» المنفعة الأبرز، لاستمرار جريان أنهار الدماء السورية، بالتواتر مع تدمير الاقتصاد السوري ونسف بنيته التحتية عن بكرة أبيها، هما اسرائيل وتركيا.
صحيح أن لبعض الدول العربية والغربية مصالح في كونها جزءاً من لعبة الصراع على سوريا وفي التمديد لها، لكن لإسرائيل وتركيا المصلحة الاقتصادية الأكثر حيوية والأكثر مباشرة، في استمرار حرب الاستنزاف الاقتصادية تحديداً، وتدمير ما تبقى من دعائم الاقتصاد السوري ومقومات «الاكتفاء الذاتي» لديه. يحتاج المرء لمعالجة هذا الموضوع قدراً كبيراً من البحث والتدقيق نظراً للكم الهائل من الخراب والدمار الممنهج، الذي لحق بركائز اقتصاد «الممانعة» هذا. لذا من المُفيد تسليط الضوء على البُعد الاستراتيجي للرؤى الاقتصادية «الامبريالية» والتوسعية لكل من تل أبيب وأنقرة، خاصة في مجالَيْ الملاحة البحرية والنقل البري (الترانزيت). فـ «توأم المصالح» يشكل قوة اقتصادية «خاصية» لكل من يعاديها (فما بالك بسوريا)، ويطمح ليكون معبراً حتمياً بل وأحادي الاتجاه، لكل من «تسوّل» له نفسه في أن يتقدم لحجز حصته من جبنة الحركة التجارية، على ضفاف بحر المتوسط.
وانطلاقاً من هنا، يمكننا كشف الأسباب الكامنة وراء استهداف سوريا، أحد أهم محاور النقل والترانزيت في الشرق الأوسط، والتي توقفت قسراً عن لعب هذا الدور نتيجة سيطرة المسلحين على المعابر الحدودية وانعدام الأمان على طرقاتها الدولية. وقد كشفت ورقة عمل صادرة عن قسم النقل واللوجستيات في لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الإسكوا» في العام 2015، أن عدد الشاحنات التركية التي دخلت الأراضي السورية عن طريق المعابر التي يسيطر عليها المسلحون في الشمال السوري قد بلغ 108 آلاف شاحنة خلال عام 2014. فيما وُزعت بضائعها على المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة.
وهذا دفع البعض للتساؤل: كم عدد الشاحنات التي حملت أسلحة وعتاداً إلى المسلحين وكم منها ذهبت لمصلحة «داعش» وأخواته؟ وكم من الرقاب يجب أن تُقطع كي تخفف حكومة «العدالة والتنمية»، من حدة وصلف وتمادي سياساتها العدوانية تجاه سوريا؟ طبعا ليس من مجيب على اسئلة طوباوية مماثلة. فالسياسات الدولية لا تُرسم بالعواطف، قطعاً. وتكمن سخرية المفارقة في أن صادرات تركيا لم تتأثر إلى سوريا والعالم. لا بل على العكس تماماً، حيث زادت نسبة صادراتها إلى سوريا بنسبة ألفَي شاحنة في السنة الماضية مقارنة بـ 106 آلاف شاحنة العام 2010. في حين أن صادراتها الدولية تحسنت بنسبة 4 في المئة خلال العام الماضي، حيث بلغت قيمتها 160.5 مليار $، وهو بمثابة رقم قياسي في تاريخ تركيا المعاصر. ولا غرو في أن يسطع النجم الاقتصادي «العثماني»، في ظل كسوف بل وأفول شمس عاصمة الصناعة السورية حلب، الخارجة قسراً وعنوة عن دورها الاقتصادي الريادي في المنطقة، وذلك نتيجة الاستهداف الممنهج لمدنها الصناعية ومعاملها التي لطالما شكلت منافساً قوياً للصناعات التركية. وهكذا، ففي ظل اختلال توازن الرعب العسكري السوري - التركي، المثبت الفعالية في ردع جنون العثماني الجديد، اضافة الى قيام عدد من حلفاء سوريا الاستراتيجيين بتعزيز علاقاتهم مع تركيا، تحول الاقتصاد السوري بأكمله الى اضحية وتقادم وكبش جاهز»حلال»، على مذبح تركيا واسرائيل. عود على بدء. تعددت الأقنعة والجزار «واحد»، ولكن برأسين.
اعتقد البعض أنه آن أوان انقلاب السحر على الساحر بارتداد التسونامي الداعشية على النحر التركي، لتتجرع الأفعى سمها. لكن الظاهر أن اردوغان نجح - حتى اللحظة - باللعب على التناقضات الدولية والإقليمية لتحصين مناعة قيادته من هذا السُّم القاتل، مستثمراً في الأزمة، ومحولاً اياها، الى فرصة تاريخية لإحياء رميم مشروع ما يسمى بـ «العثمانية الجديدة».
من جهة اخرى وفي الاطار ذاته، يبرز الخبراء في الملاحة البحرية مدى استفادة السرطان السياسي والاقتصادي الأعتى في المنطقة وتحديداً تل أبيب، من تداعيات الأزمة الاقتصادية السورية كما السياسية. فما عجزت عنه اسرائيل بـ «المباشر» الجيوسياسي، السجالي مع محور الممانعة وفي مقدمته سوريا، حصلت عليه بادوات الابادة «التكفيرية»، والأذرع التهجيرية للرساميل السورية ولمقومات صمود الاقتصاد السوري. ويشير الخبراء الى أن أخطر ما في الأمر هو توقف الصادرات والواردات من مرفأ طرطوس البحري.
فالميناء المذكور البالغة مساحته ثلاثة ملايين متر مربع، ذو الـ22 رصيفاً، بات مهجوراً ومشلولاً بشكل شبه كامل بـ «فضل» داعش وأخواته. وبعدما كان يستقبل 12 مليون طن سنوياً من البضائع المختلفة، والذي كان يتوقع له قبيل الأزمة نمواً مضطرداً، يحتمل أن يصل إلى 25 مليون طن بحلول 2020، توقف بقدرة «داعش» كأنه لم يكن.
لا بد من الاشارة إلى جهوزية اسرائيل «النموذجية» في استثمارها الاستراتيجي للحرب على سوريا، اقتصادياً كما سياسياً، اضافة الى غايات أخرى غائبة أو مغيبة عن الإعلام. في العام 2012، أي بعد أشهر معدودة من إشعال فتيل الأزمة السورية، و «بالصدفة البحتة»، باشرت الهيئة العامة لميناء اسرائيل المرحلة الأولى لخطة توسيع كبيرة لميناء حيفا بتكلفة 4 مليارات شيكل (حوالي 1.1 مليار دولار أميركي)، وبناء محطة جديدة كبيرة وتجهيزها لتغدو قادرة على استقبال سفن الحاويات العملاقة، الحاملة كل منها لأكثر من 15 ألف حاوية نمطية. على ذمة الإعلام الإسرائيلي، ستدخل المحطة الجديدة إلى سوق الترانزيت في أوائل العام 2018، ويتوقع حينها أن ينجح كل من ميناءَيْ حيفا وأشدود للعمل بقدرتيهما القصوى، ما يعني فوزهما بـ «التزكية» في ماراتون تغيير مجرى الملاحة البحرية من طرطوس إلى حيفا بشكل نهائي. تعليقاً على هذا الأمر، يقول أحد الخبراء في الملاحة البحرية خلال اجتماعات «الإسكوا» في بيروت، الذي عقد في آذار 2015، إن الأوروبيين لن ينتظروا عودة الأمان إلى سوريا، وإن «الخيار الأمثل لهم هو ميناء حيفا». ويحذر من أنه سيكون من الصعب جداً اعادة عقارب بوصلة الملاحة البحرية، على المتوسط إلى الوراء. وبالتالي، قد تخسر سوريا إلى أجل غير مسمى أحد ركائزها الاقتصادية المهمة، كما تخسر مصدرا ماليا حيويا لإعادة الإعمار المرتقبة.
قد يتساءل البعض عن مدى خطورة تأثر أنقرة سلباً من تدهور الوضع الأمني على الحدود مع جيرانها السوريين، على حركة نقل بضائعها عبر الأراضي السورية إلى كل من الاردن ودول الخليج. الجواب، ليس مرضياً تماماً لأن الكيان الصهيوني سارع الى التعويض على الأتراك، عبر تقمصه دور الجسر بين تركيا والأردن. المثير للاهتمام، أن بلال أردوغان (ابن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان) المالك لشركة تركية للنقل البحري، لعب دوراً محورياً في التنسيق بين أنقرة وتل أبيب، وتسبب بفضيحة سياسية في الداخل التركي، ما أثار شكوكاً كبيرة عند المعارضة التركية التي أكدت بأن سياسات اردوغان المعادية لاسرائيل ليست إلا مسرحية هزلية لكسب قلوب العرب والمسلمين، في حين تضاعفت العلاقات التجارية بين البلدين خلال السنوات الخمس الماضية، وبلغت قيمتها 5.6 مليارات دولار.
يتحسر أحد مالكي كبريات شركات الشحن الدولية، من شرفته المطلة على كورنيش البحر في طرطوس على أيام السلم، ويقول لوكالة رويترز: «مساءً، جعلت أضواء السفن لكثرتها طرطوس تبدو وكأنها مدينة أخرى ممتدة ضمن البحر. والآن أصبحت تبدو كقرية صغيرة. فبعدما كان خط المرفأ البحري يكتظ بالسفن، غدت أرصفة الميناء شبه فارغة». قد تبدو هذه النظرة تشاؤمية بعــــض الشيء، إلا أنه لو أرادت العَنْقَاء سوريا، الانبعاث مرة أخرى من رمادها، فلا بد مـــــن الإحاطة بحيثيات استهدافها عن سابق تصور وترصد.

عن السفير

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط