مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

ترامب وبايدن والعرب

ترامب وبايدن والعرب

تاريخ النشر: 2020-11-02 | 05:34

انقضى صيف 2020 في متابعة المفاجآت المتوقعة الشرق أوسطية، من دون أن يتغير شيء جذرياً في المنطقة، أو ينصلح حال العرب، ومع نهاية هذا الفصل انتقلت الأحاديث والتحليلات السياسية بدرجة كبيرة إلى الانتخابات الرئاسية الأميركية، ‏واحتدت الثرثرة والتنبؤات السياسية حول ترجيح مرشح، أو آخر، وللأسف غالبيتها تفتقد الموضوعية، أو القراءة العلمية، وترتبط بدعوات لترجيح مرشح على آخر.

‏في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، تُجرى الانتخابات الرئاسية الأميركية، وفي فترة وجيزة بعدها تُعلن النتيجة، إلا إذا تأخر ذلك بعض الشيء لمنازعات حول التصويت البريدي، والحاجة إلى المراجعة الدقيقة للأصوات وصلاحيتها في ضوء تداعيات فيروس "كوفيد-19"، والذي لم يستثنِ أحداً، بما فيها الدول العظمى، وأحد المرشحين في السباق الرئاسي.

سيُحدد الناخب الأميركي وحده الفائز بالانتخابات، لذا لن أتوقف عند قراءة فرص نجاح مرشح أو آخر، وإنما سأتناول ما أراه مفيداً بالنسبة إلى العلاقات الأميركية العربية، ‏والاستعداد للتعامل مع ما هو قادم على أفضل وجه.

وسأقوم بذلك بإيجاز شديد اتساقاً مع الثقافة العالمية المعاصرة، التي يتعامل فيها دار النشر والقارئ مع المعلومات بعجالة ‏غير معتادة، في زخم ما يطرح في وسائل عدَّة، على الرغم من تفاقم بعض الموضوعات وحساسيتها.

‏بدايةً، لا غنى عن القول إن الولايات المتحدة ستظل دولة مؤثرة ومهمة في الساحة الدولية للعقدين المقبلين على الأقل، لقوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، إلا أنه من الواضح أيضاً أن الساحة الدولية والإقليمية والوطنية تشهد تغيرات اجتماعية وسياسية وأمنية واقتصادية، ومن ثم فما هو قادم سيختلف عما مضى، ‏وعلى الجميع أخذ ذلك في الاعتبار، بما في ذلك الولايات المتحدة، وبطبيعة الحال العالم العربي أيضاً.

‏ومن الواجب ونحن نتناول العلاقات الأميركية العربية القادمة مُراعاة أن المجتمعات الأميركية والعربية تمر بمرحلة تغير في الهوية، وهي مرحلة غير مستقرة تعكس رفضها كثيراً من الأمور التي كانت تُعد ثوابت أو أنماطاً تقليدية لديها، فهناك ‏تنامٍ كبير في حجم الجالية اللاتينية الأميركية، وثمة غضب لدى نسبة غير قليلة من الناخبين في الطبقة الوسطى لشعورها أن المنظومة السياسية لا تراعي مصالحها، فضلاً عن أن هناك رغبة جارفة لدى الشباب الأميركي للتغيير، ومشاركتهم في الانتخابات مرهونة بمدى تجاوب المرشحين مع اهتماماتهم، وكان انتخاب بوش الابن، ومن ثم أوباما، ولاحقاً ترمب، وكل منهم نقيض سياسي للآخر، تعبيراً صريحاً عن عدم أريحية الناخب.

وفي المقابل، شهدنا توتراً وعدم استقرار سياسي في العالم العربي، وخاصة خلال العقد الأخير، وهي مؤشرات تعكس رغبة في التغيير الشرق الأوسطي والعربي، وثمة ظروف نجحت بعض الدول العربية في التعامل معها بذكاء وإيجابية، في حين أخفق آخرون، ما سمح لقوة داخلية وخارجية باستثمارها لأغراضها، وإن كان هذا لا ينفي أن هناك رغبة شعبية حقيقية وواسعة في إدارة المستقبل باسلوب أفضل مما مضى.

في ظل كل ما يجري على الجانبين، واستمرار التغيرات على الساحات الدولية، ‏على العرب توقع تغير في نمط العلاقات مع الولايات المتحدة، بصرف النظر عمن سيفوز بالانتخابات الرئاسية، لأن المصالح الأميركية في المنطقة قد تغيرت، وستشهد مزيداً من التغيير، والدليل على ذلك أن أوباما هو من أعلن الرغبة في تحويل التركيز الأميركي من الشرق الأوسط وتوجيهه نحو آسيا، ‏قبل أن يُعلن ترمب بعده أن انغماس أميركا في الشرق الأوسط كان من أكبر أخطاء بلاده.

‏وفي هذا السياق، أتذكر مقولة ريتشارد نيكسون لوزير خارجية مصر بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 بأن خروج الخبراء السوفييت من مصر قبل ذلك بعام، كان خطوة كبرى نحو خروجهم من الشرق الأوسط وتطوراً مهماً للولايات المتحدة، في ضوء الحرب الباردة بين الكتلتين الغربية والشرقية، وأتذكر أيضاً الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود الأميركية بعد فرض العرب الحظر البترولي عقب الحرب المجيدة، ما جعل الولايات المتحدة تنظر إلى المواقف العربية آنذاك بجدية واهتمام كبيرين.

هذه وقائع تاريخية حقيقية وهامة، ولنا أن نفتخر بها، وإنما من دون أن نغفل أن الحرب الباردة انتهت، وأن الاعتماد الأميركي المباشر على البترول العربي لم يعد قائماً، إذ إن الحسابات والأولويات الأميركية اختلفت الآن، ويجب على العرب أخذ ذلك في الاعتبار وهم ينظرون إلى المستقبل .

‏هذا هو الواقع الجديد، والذي سيتحرك فيه الفائز في الانتخابات الرئاسية أياً كان ترمب، أو بايدن،‏ واقع سيجعل الولايات المتحدة تبتعد عن التعامل الجماعي مع دول المنطقة حتى العربية، وتركز على العلاقات الثنائية المفيدة لها، وتتدخل بدرجات أقل وفقاً ‏لمصالحها المباشرة بعيداً من المنظور الأيديولوجي.

‏ويفترض أن يجعل ذلك دول المنطقة العربية تسعى لحشد إدارة علاقاتها مع الإدارة الأميركية الجديدة، مع تقدير دقيق للمواقف الذي يمكن فيها الاعتماد على الولايات المتحدة من عدمه، ووضع السياسات العربية المترتبة على ذلك ضماناً لمصالحها، وخاصة أن كثيراً منها يرتبط معها بغطاء أمني، أو يعتمد عليها كثيراً في مجال الأمن القومي، ما يجعلني أشدد على أهمية بناء عناصر وآليات الأمن القومي العربي وتحقيق توازن أفضل مع جيرانها، لأن الولايات المتحدة ستقصر تدخلاتها ‏الأمنية حماية للعرب على الحالات الوجودية.

في الوقت ذاته، نظراً إلى حجم الولايات المتحدة ‏وتعدد وتنوع مصالحها الأمنية والاقتصادية والسياسية يجب عدم المبالغة في تصوير الأمور على أنها أو الدول العربية يستطيعان الاستغناء كثيراً أو سريعاً عن العلاقات، أي إن التفاعل العربي الأميركي سيظل أمراً متواصلاً ومستمراً، ‏وبصرف النظر عما ينتخب أميركياً، والاختلاف سيكون في ‏الأولويات والممارسات وسيولة العلاقات، فالولايات المتحدة لن تستغني عن الشرق الأوسط والعالم العربي كلية، والعكس أيضاً صحيح.

ولأكون أكثر تفصيلاً ودقة حول العلاقات العربية الأميركية تحت إدارة ترمب أو بايدن، أوجز أهم تقديراتي في الآتي:

•    ‏انخفض النشاط العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، وسيستمر في الانخفاض، بصرف النظر عن شخصية الرئيس الأميركي المقبل، لكن لن تغادر الولايات المتحدة الشرق الأوسط.

•    ‏ ستكون الدول العربية أقل اعتماداً على الولايات المتحدة مستقبلاً، لكن ستظل هذه العلاقات أقوى من علاقات غالبيتها مع أي من الدول الكبرى الأخرى.

•    ‏ ستكون السياسة الأميركية تجاه إيران أكثر قوة في حالة انتخاب ترمب فضلاً عن بايدن، لكن كليهما لن يستعجل استخدام القوة، وسيسعيان لترتيب الأوضاع مع إيران لتجنب الصدامات بصرف النظر أن ذلك قد يكون أسهل وأسرع مع بايدن.

•    الولايات المتحدة غير مهتمة كثيراً بالساحة الليبية في أكثر من ضبط تنامي النفوذ الروسي في شمال أفريقيا، وهو موقف لا يختلف حوله الحزبين الجمهوري أو الديمقراطي، علماً بأن كليهما قد ينشط دبلوماسياً بعض الشيء في هذه الساحة بعد الانتخابات، للاستفادة من فرص الانفراجة، أو كبح جماح المنافسين لها، إذا لم تزاحمها قضايا أخرى.

•    كل من ترمب وبايدن يقفان في بوتقة السياسيين الواقعيين، والمنفتحين على إجراء مصالحة سياسية مع سوريا كجزء من صفقة إقليمية، وإن كان هذا أصعب مع بايدن عما هو مع ترمب، وينطبق الشيء ذاته بالنسبة إلى العلاقات مع تركيا لعدم ارتياح بايدن لتصرفات أردوغان.

•    ‏سيستمر ترمب في تنفيذ خطة السلام الأميركية التي طرحها بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في حين سيكون بايدن أقل حماسة لها، ويُخطئ من يتصور أنه ‏سيدخل في صدام مع إسرائيل حول السلام العادل العربي الإسرائيلي وحل الدولتين، والمرجح أن بايدن لن ينشط حول هذا الملف إلا إذا طرح الجانب الفلسطيني مبادرة جذَّابة، أو حرك مبادرة السلام العربية بذكاء، ‏وجمع حول تحركه دعماً دولياً وإسرائيلياً.

•    ‏مصر والإمارات والسعودية أقرب الدول العربية لترمب، وسيتعامل بايدن معهما بحذر في أول الأمر، ليثبت أن مواقفه تختلف عن مواقف الأول، وقد يكون أكثر استجابة لجماعات الضغط الأميركية، ذلك قبل أن يعيد الدفة إلى الوسط السياسي مرة أخرى، ‏ويحكم وفقاً للمصالح الأميركية، ويتعامل مع الدول الثلاث بشكل أكثر إيجابية، وفي المقابل أعتقد أن ترمب سيكون أفضل تجاه الدول الثلاث في أول الأمر، ومن ثم أكثر فتوراً إذا لم تستجب لمطالبه المستمرة ولرغبته في تخفيف الحمل الأمني للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والتماشي مع الأولويات الأميركية حتى إذا تعارضت مع القانون الدولي والمصالح العربية المستقرة.

•    ‏هناك تقدم في العلاقات الأميركية – العراقية، وخاصة مع اختيار رئيس الوزراء الجديد، ويُتوقع أن يستمر هذا الاتجاه بصرف النظر عن شخصية الرئيس الأميركي، فكلاهما لا يؤيد ‏الانغماس في العراق، ولا يغفل عنه الحاجة للحفاظ على التوازن في العلاقة مع كل من الولايات المتحدة وإيران، ولا يختلف أي منهما في الموقف من ‏الأكراد، وهو التأييد العام، لكن في حدود، أهمها عدم خلق أزمات مع العراق أو الجيران.

•    ‏نجحت روسيا في استعادة جزء من نفوذها الشرق أوسطي في المشرق، لكن إمكانيتها محدودة، وطموحاتها محسوبة، ولن تشكل مشكلة رئيسة لأميركا في المنطقة في المستقبل المنظور، والشيء ذاته ينطبق على الصين التي تنشط‏ عربياً، وشرق أوسطياً، لفتح أسواق، واحتياجاتها للطاقة، وهي أمور لا تعني الولايات المتحدة كثيراً في هذه المرحلة، خاصة مع الانضباط والحذر الصيني العسكري، إلا أن هناك ‏احتمالات لبعض التطورات والتوترات المرتبطة بحرية وأمان مرور السفن في الممرات ‏المائية في ظل تنامي القدرات البحرية الصينية وإقامة قواعد بحرية بالمنطقة.

والخلاصة، هناك بعض التباين في مواقف المُرشَّحَين للرئاسة على المدى القصير، لكن كليهما غير متحمس للانغماس فيها كثيراً، أو طويلاً، وعلى العرب الاستعداد استراتيجياً لما هو قادم على المدى المتوسط وطويل الأجل، من دون مبالغة في التفاؤل أو التشاؤم إذا خرجت نتيجة الانتخابات بغير ما كان يأملونه، ويفضل التركيز على إيجاد ميزان دقيق بين القدرات الذاتية في مجالات مختلفة، وخاصة الأمن القومي، في الإطار الوطني والإقليمي، ومع الدول الكبرى.

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط