مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

تحليل كيسنجر للشرق الأوسط يعج بالثغرات

تحليل كيسنجر للشرق الأوسط يعج بالثغرات

تاريخ النشر: 2017-08-18 | 05:35

بغض النظر عن رأي المرء في رؤية هنري كيسنجر العالمية، ناهيك عن إسهاماته في الجدال الدولي الذي دار على امتداد العقود الخمسة الماضية، يبقى أمر واحد في حكم المؤكد: أن كيسنجر له معاييره الخاصة التي يحدد على أساسها الصواب والخطأ على الصعيد السياسي.
وتقوم هذه المعايير على فكرة توازن القوى، وهي فكرة أوروبية تطورت خلال العصور الوسطى، وبلغت درجة رفيعة من السمو والقدسية مع دمجها فيما أطلق عليه معاهدات صلح وستفاليا لتنظيم العلاقات بين الدول الناشئة داخل أوروبا. ورغم أن البعض يرى أن خبرة كيسنجر تقتصر على مجال واحد وحيد، فإن الإنصاف يقتضي أن نبدي الإعجاب حيال اتساقه في جهوده لتعزيز الاستعانة بالسياسة الخارجية بصفتها أداة لتحقيق استقرار في الوضع القائم بغض النظر عن أي اعتبارات أخلاقية، ناهيك عن الآيديولوجية. وفي إطار رؤية كيسنجر للواقعية السياسية، ينبغي أن يتمثل الهدف الأكبر في تجميد، وليس محاولة تغيير العالم، باعتبار أن التغيير أمر مفعم بالمخاطر الكبرى.
وقد تمخضت رؤية كيسنجر تجاه العلاقات الدولية والتي يمكن وصفها بـ«الوستفالية الجديدة»، عن حالة من الوفاق أدت بدورها إلى إطالة أمد وجود الاتحاد السوفياتي لعقدين آخرين. ونجحت جهوده الدبلوماسية المكوكية في تجميد الوضع القائم في أعقاب 1967 على صعيد الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني؛ ما أرجأ إقرار تسوية حقيقية لعقود عدة لا يعلم عدتها سوى الله! وكان من شأن التوجه ذاته وضع ختم الموافقة على ضم النظام الشيوعي في فيتنام الشمالية للشطر الجنوبي من البلاد، رغم الهزيمة التي مُني بها الشطر الشمالي داخل ميدان القتال.
أما أحدث إسهامات كيسنجر فارتبطت بالحملة ضد تنظيم داعش؛ ذلك أنه حذر من أن تدمير التنظيم ربما يسفر عن ظهور «إمبراطورية إيرانية راديكالية». بمعنى آخر، يرى كيسنجر أنه يتعين علينا ترك «داعش»، الذي يمثل خطراً واضحاً ونشطاً لمساحات واسعة من منطقة الشرق الأوسط وأوروبا؛ خوفاً من أن يحل محله تهديد أكبر يتمثل في «إمبراطورية إيرانية راديكالية».
وكما هو معتاد، ثمة مشكلات كثيرة ترتبط بمحاولة كيسنجر استخدام أفكار تنتمي إلى العصور الوسطى في أوروبا في تحليل مواقف في أجزاء أخرى من العالم.
بادئ ذي بدء، يبدو أنه يعتقد أن النظام الخمينيّ في طهران و«خلافة (داعش)» المزعومة في الرقة ينتميان إلى فئتين مختلفتين. بيد أنه في واقع الأمر يشكل الاثنان الحقيقة القبيحة ذاتها، ويروجان للآيديولوجيا ذاتها، ويعتمدان الأساليب ذاتها، ويتعاونان في إضفاء الشرعية على بعضهما بعضاً.
وهنا، لنا أن نتساءل ما وجه الاختلاف بين ادعاء آية الله علي خامنئي لنفسه منصب «المرشد الأعلى لجميع المسلمين بمختلف أرجاء العالم» باعتباره «إماماً» من ناحية، وادعاء أبو بكر البغدادي لنفسه منصب الخليفة من ناحية أخرى؟ ألا يزعم كل من النظامين أنه وحده يمثل النسخة الوحيدة الصحيحة من الإسلام، وأنه يحمل على عاتقه مهمة غزو العالم بأسره باسم الإسلام؟ بل ويمكن للمرء أن يدفع بأنه لولا وجود الخمينيّة داخل إيران، لما كانت تنظيمات مثل «داعش»، ناهيك عن «طالبان» لتظهر في هذا الجزء من العالم في هذا الوقت.
أيضاً، تتجلى مسألة الاعتماد المتبادل بين «داعش» و«الخمينيّة» في الرسالة الأساسية للجهود الدعائية الحالية التي تبذلها طهران، والتي تخبر الإيرانيين بأن عليهم التسامح تجاه القمع الوحشي ثمناً لحمايتهم من «داعش».
أما الخطأ الثاني الذي وقع فيه كيسنجر، فيكمن في اعتقاده بأنه من غير الممكن الوقوف في وجه النسختين الشريرتين دون الحاجة إلى تفضيل أيهما على الأخرى. وفي خضم محاربة كيانين شريرين، فإن بمقدور المرء العمل في إطار تسلسلين زمنيين منفصلين. عام 1939، كان من الضروري إلحاق الهزيمة بألمانيا النازية رغم أن هذه النتيجة كان بمقدورها تقوية شوكة الاتحاد السوفياتي الذي كان آنذاك حليفاً لهتلر. إلا أنه بمجرد القضاء على الشر الأول، أصبح من الممكن الشروع في محاربة الشر الثاني في صورة «الحرب الباردة».
ويتمثل خطأ ثالث سقط فيه كيسنجر في إغفاله إسهام إدارة أوباما في تقوية موقف النظام الخمينيّ، ناهيك عن معاونته على البقاء. في الواقع، لقد تعمد أوباما غض الطرف بينما شرع الملالي في سحق انتفاضة شعبية اندلعت في إيران عام 2009. ولم يكتفِ بذلك، وإنما سارع في أعقاب ذلك إلى إضفاء من خلال الدخول مع النظام الإيراني في مفاوضات دبلوماسية تمثل مجمل تأثيرها في تقديم طوق النجاة إلى النظام الإيراني الذي كان يعاني أزمة نقدية طاحنة، الأمر الذي مكّنه من الفرار من أخطر تداعيات سياساته الاقتصادية الرديئة.
واللافت أنه بعد قرابة أربعة عقود على سيطرتهم على مقاليد الحكم، أخفق الخمينيون في بناء مؤسسات الدولة؛ الأمر الذي لا يمكن من دونه بناء إمبراطورية بالمعنى الحقيقي. وكان أقل ما يمكن للأنظمة الديمقراطية الغربية عمله الامتناع عن تقديم يد العون إلى الخمينيين لمساعدتهم على الخروج من الأزمات التي خلقتها أيديهم.
أما خطأ كيسنجر التالي، والذي يشاركه فيه للأسف الكثير من المفكرين والمحللين بمختلف أرجاء العالم، فهو المبالغة الشديدة في تقدير مستوى تماسك النظام الحالي داخل طهران. ورغم أن النظام الخمينيّ يملك بالفعل قوة كافية لإثارة القلاقل على نحو بالغ داخل المنطقة ـ الأمر الذي ينفذه بالفعل ـ فإن ذلك لا يعني أنه قادر على بناء إمبراطورية؛ لأن ذلك يتطلب وجود قاعدة قوية داخلياً؛ الأمر الذي يفتقر إليه النظام الإيراني حالياً ـ أو ربما لم يحظَ به من قبل قط من الأساس. في الواقع، يواجه الخمينيون مشكلة في تجنيد إيرانيين كي يصبحوا «شهداء» في حروب أجنبية؛ الأمر الذي يجبرهم على الاستعانة بلبنانيين وأفغان وباكستانيين، وفي وقت قريب شرعوا في الاستعانة بمرتزقة يحملون جوازات سفر أوروبية. ومن دون النقد الذي تضخه الولايات المتحدة وحلفاؤها، سيكون من الصعب على الخمينيين توفير رواتب موظفي الدولة، ناهيك عن تمويل مشروع بناء إمبراطورية.
وأخيراً، ربما تمثل خطأ كيسنجر الأكبر في افتراض أن الخيار الوحيد أمام الشرق الأوسط، على الأقل داخل سوريا والعراق، يكمن ما بين «الخلافة» في الرقة و«الإمامة» في طهران. ويدرك أي شخص على معرفة بما يدور على أرض الواقع أن هذا ليس الحال بالتأكيد.
في الواقع، تأمل الغالبية العظمى من السوريين، بمن في ذلك أنصار بشار الأسد، في مستقبل بعيد عن الوصاية الإيرانية. وإذا ما أتيح لهم الاختيار، فإنهم بالتأكيد لن يترددوا إزاء النظر في خيارات أخرى. وبالمثل، داخل العراق أدرك الكثيرون، بمن في ذلك شخصيات مثل نوري المالكي، صعوبة تسويق الهيمنة الإيرانية كصيغة ترسم ملامح المستقبل.
والواضح أنه لا خلافة «داعش» أو «إمامة» طهران بمقدورها توفير الاستقرار الذي تحتاج إليه المنطقة، والذي يعتبره كيسنجر الهدف الأعظم للسياسة الخارجية. وبالنظر إلى أن كلتيهما سبب في المأساة التي تعانيها المنطقة حالياً، فإن السياسة الواقعية الوحيدة الجديرة بالدراسة، العمل على جعل كلتيهما أمراً من الماضي وفي حكم التاريخ. أما مسألة كيفية تحقيق ذلك، فقضية يمكن مناقشتها في وقت آخر.
المؤكد أن سياسة الفوضى الخلاقة التي انتهجتها إدارة جورج دبليو. بوش تمخضت عن أخطار خلقت بدورها فرصاً يتعذر على سياسة كيسنجر الساعية دوماً وراء توازن القوى، حسن استغلالها.

عن الشرق الأوسط

×
أخبار
بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط