مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

تحليق عابر لطيور الذاكرة: تلك القاعة

تحليق عابر لطيور الذاكرة: تلك القاعة

تاريخ النشر: 2022-05-07 | 07:10

أقف في القاعة 240 في المبنى الذي كان يضم قاعات التدريس لكلية النجاح الوطنية بصفوف المدرسة الثانوية، ومعها معهد النجاح لإعداد المعلمين، كان المبنى أيامها من طابقين قبل أن يضاف إليه طابق ثالث بعد تأسيس جامعة النجاح الوطنية في العام 1977. استضاف المبنى كلية المجتمع التي ورثت بالاسم معهد المعلمين، ثم أصبح يضم قاعات التدريس لكلية التربية التي أصبح اسمها كلية العلوم التربوية وإعداد المعلمين، ثم استضاف كلية الشريعة لسنوات قبل أن ينعم الله عليها بمنحة مالية من متبرعين لترث مبنى المراكز العلمية بعد تجهيزه والذي انتقل إلى الحرم الجامعي الجديد للجامعة، ثم عاد إلى كلية العلوم التربوية مشاركة مع كلية الاقتصاد والعلوم الاجتماعية.

هذه القاعة استضافتني مشكورة استضافات لا تعدّ، ربما استضافتني قاعة أو قاعات أخرى أكثر منها من حيث عدد اللقاءات، لست متأكداً من ذلك، ولكنني أجزم أن علاقتي بها امتدت على أكبر عدد من السنوات ولا تستطيع أية قاعة تدريس في الجامعة منافستها في ذلك، ويمكنها كذلك أن تنافس القاعات الأخرى في تنوع المواضيع التي درّستها فيها. دخلتها لأعلم مواضيع في الفيزياء والعلوم العامة، ولأعلم الإحصاء الوصفي والتطبيقي، ولأعلم أساليب تعليم العلوم، ولأعلم مناهج البحث العلمي، وأخيراً لأعلم مساقات في الخدمة الاجتماعية، هذه المهنة التي أصر على تسميتها بالعمل الاجتماعي، لأن هذه المهنة ليست خدمة يقدم فيها طرف إيجابي قادر خدمة لطرف محتاج سلبي، بل مهنة فيها طرفان متشاركين في عملية واحدة تساعد وتمكّن وتغيّر نحو الأفضل. هذا التنوع لم يكن ترفاً ولا رغبة مني في الانتقال من موضوع مللته إلى موضوع أستهويه، فعلاقتي بالفيزياء كانت وما زالت قوية فأنا أراها طريقة للتفكير وليست مجرد قوانين تستبدل رموزها بأرقام، بل مقاربات تجدد نفسها دائماً ولا تؤمن بعائق يمنعها من التفكير في المساحة الممتدة بين الاتساع اللانهائي لكون شاسع ومادة لا ينتهي سبر غورها كلما ظننا أننا امتلكنا ناصية المعرفة عن مكوناتها اكتشفنا أن معرفتنا كانت ناقصة وما زالت مفتوحة للمزيد. لكن هذا التنوع كان نتيجة تأقلم مستمر في مواجهة ظروف ضيّقت عليّ الخيارات، ظروف صنعها احتلال غاشم خربط أوراقي وخططي للمستقبل بإجراءاته القمعية من الاعتقال والإقامة الجبرية، ذلك المستقبل الذي أصبح اليوم ماضياً. يطول الحديث عن هذا التنوع وهذه الخربطة، ولا أقبل أن يكون الحديث والتوسع فيها على حساب علاقتي بالقاعة 240، فهي الطائر الذي حلّق وقدح شرارة الذاكرة، ذاكرة القاعة والحديقة.

وأخيراً أدخلها في محاضرة مساق خدمة المجتمع المحلي على الساعة الثامنة صباحاً وأعود إليها في محاضرة السياسة الاجتماعية على الساعة الواحدة بعد الظهر، أقف أتملى الحديقة التي تقع شمالها في انتظار اكتمال حضور الطلبة أو أثناء انشغال الطلبة في تمرين رياضي أو اجتماعي، هذه الحديقة التي كانت تحيطها أشجار الصنوبر الكثيفة وتتوسطها أشجار أخرى أتذكر منها شجرة خشخاش كم استمتعت بجمال زهورها ورائحة تلك الزهور في الصباح المبكر. سقط عدد من أشجار الصنوبر وبقي عدد قليل منها قرب السور، وأصبحت الحديقة أخيراً أقرب إلى الساحة منها إلى الحديقة. ومع تحولات الحديقة/ الساحة تبدلت الأجيال والوجوه وطريقة الجلوس فيها. راقبت رواد الحديقة/ الساحة في كل تحولاتها الشجرية والإنسانية دون أن أموت هماً، فهذه المراقبة لا تندرج في باب من راقب الناس مات هماً، بل على العكس من ذلك فقد راقبتها فَرِحاً بكل مظهر إنساني مدققاً ببعض تفاصيل التقارب والتباعد وأسس تشكيل مجموعات الجالسين في مجموعات صغيرة. تمنيت لو أنني كنت ألتقط صور هذه الحديقة في كل تحولاتها، ولكنني قررت اليوم أن التقط صورتها الأخيرة وذلك أضعف الوفاء لها. لو أن مهارتي في الرسم توازي قدرة التذكر عندي ودرجة صداقتي للمكان لأضفت رسوماً وافية لتحولاتها، وفاء للمكان، المكان صديقي الوفي، المكان صديقي الصدوق. بداية التقطت صورة للساحة، لكنها لم ترُق لي، أزعجتني، إذ توسطتها سارية وضعت من أجل رفع الأعلام والرايات عليها، عمود عارٍ من أي شيء يقف في وسط الصورة، لقد افترض من مصمم الساحة/ الحديقة أنها ستضم احتفالات يلزمها رفع الأعلام، سارية عارية في وسط الصورة. أظهرتُ امتعاضي وأنا أتأمل الصورة على شاشة الهاتف المحمول. لاحظت أن الطالبات الجالسات في انتظار اكتمال الحضور لبدء المحاضرة يتابعن ما أفعل، حدّثتهن باختصار عن هذه الساحة وما كانت عليه، وعن عدم رضاي عن الصورة، فأرشدتني طالبة من طالباتي إلى الحل، التقاط الصورة من النافذة الخلفية في الغرفة، ففعلت. نعم كانت الصورة دون تشويش السارية، شكرتها ولم أرغب في توضيح الأمر بأنني اعتدت على تأمل الحديقة من هذه النافذة التي تجاور طاولة المعلم/ المدرس/ المحاضر، ولم يسبق أن تأملتها من النافذة الخلفية، وأنني كنت أسير صندوق العادة فأخرجتني من الصندوق.

انتبهت لاكتمال الحضور وأنني تأخرت دقائق عن بدء المحاضرة. ودعت المنظر، لأبدأ المحاضرة الأخيرة في هذه القاعة، قبل دخول مرحلة جديدة، نهاية الخدمة الرسمية لبلوغ سن التقاعد في التعليم العالي، أي في الأول من تشرين الأول بعد بلوغ 65 عاماً، ولكنني سأزور المكان بالتأكيد كلما سنحت الفرصة، فالمكان صديقي، وتبدلات الحديقة/ الساحة تآخت مع تبدلات الأيام التي مرت، أيامي الموزعة على 42 عاماً من العمل في الجامعة.

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط