مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

تحت سقفٍ من الصفيح… تيسير محيسن يكتب وجع غزة

تحت سقفٍ من الصفيح… تيسير محيسن يكتب وجع غزة

تاريخ النشر: 2026-05-25 | 18:50

تحت سقفٍ من الصفيح، وجدرانٍ من القماش صنعها على عجل، ليُنشئ مملكته الصغيرة التي تستره وعائلته في رحلة النزوح الممتدة، كتب اليوم الرفيق تيسير محيسن.
ربما على ضوء شمعة خافتة، أو تحت ظل شجرة زيتون بقيت ولم تمت، كتب مرة أخرى وجع غزة وجرحها النازف، ليعود إلى نصه الذي كتبه في تشرين الثاني/نوفمبر من العام ٢٠٢٣ حين قال:
“إن غزة ليست القدس، وحتى إنها ليست كالقدس، لكن في غزة أيضاً ترى العجب… مدينة ممشوقة القد تغسل قدميها في مياه البحر وتمشط شعرها المنسدل على كتفي المنطار”.
في الثامن من تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٣، وبينما كنت محاصراً برفقة عشرات المدنيين في جمعية الشبان المسيحية بمدينة غزة، والمدافع تطل من النوافذ، والجرافات تغرس أنيابها في الجدران والغرف والشهداء يسقطون تباعاً  وندفنهم على عجل في ساحة الجمعية وهي تحترق  ، كتبتُ نصاً جاء محاكاةً لما كتبه الرفيق تيسير يومها عن غزة التي كانت ما تزال تحاول أن تحافظ على صورتها الأولى، قبل أن تبتلعها ألسنة النار والركام.
كان ذلك النص محاولة للتشبث بصورة غزة التي عرفناها غزة البحر والمقاهي والكورنيش وصخب الحياة، غزة التي كانت تمشط شعرها بمياه المتوسط، وتفتح نوافذها للشمس وللصيادين والعابرين والعشاق.
واليوم، بعد أن عاد تيسير ليكتب وجع غزة من جديد، بدا وكأن النص القديم لم يعد يكفي لوصف هذا القدر الهائل من الخراب والاستنزاف الإنساني. فغزة لم تعد فقط مدينة تعرضت للقصف، بل مدينة أُبيدت روحها واستُنزفت إلى حدها الأخير، وصار الموت يطارد أطفالها حتى في أحلامهم القليلة.
لهذا أكتب مرة أخرى…
لا تكراراً للنص الأول، بل امتداداً له، ومحاولة جديدة لالتقاط ذلك الوجع الذي صار وجعاً مزمناً، أكبر من اللغة، وأثقل من أي قدرة على الاحتمال.
غزة اليوم لا تركض كي تنجو، بل كي تؤجل موتها قليلاً.
المدينة التي كانت تستيقظ على صخب الباعة، ورائحة الخبز، ونداءات البحر، تستيقظ الآن بوجوه شاحبة ونفوس مكدّرة على تعداد الغائبين. كل صباح فيها يشبه دفتر نعي مفتوحاً على اتساع مخيمات النزوح ومراكز الإيواء. الخيام لم تعد مجرد قماش مهترئ، بل أعمار معلّقة بخيط دخان، ترتجف كلما مرّت طائرة أو دوّى انفجار.
في غزة، لم يعد الناس يسألون: ماذا سنفعل غداً؟
بل: من سيبقى منا حتى الغد؟
الأمهات هنا لا ينمن حقاً، يغمضن أعينهن فقط. يتركن نصف أرواحهن معلقة فوق صدور أطفالهن، يتحسسن أنفاسهم كل لحظة، ليس خوفاً من الموت فقط، بل من القوارض التي تنهش لحومهم الغضة في الخيام. وكأن النوم في غزة صار خيانة صغيرة للحذر.
والآباء الذين كانوا يحملون أبناءهم إلى المدارس والحدائق، صاروا يجمعون أشلاء فلذات أكبادهم في أكياس، يحملونها إلى المقابر، أو ينتشلون أسماءهم من قوائم الشهداء.
حتى البحر في غزة تغيّر.
بحر غزة الذي كان يشبه نافذة مفتوحة على الحرية، حيث كنتُ كل بعد ظهيرة كل يوم أحمل سنارتي وأتربع على رصيف الميناء، ولا أعود إلا بوجبة سمك كان تيسير يستطيبها حين أدعوه ، هذا البحر نفسه صار اليوم مثل شاهدٍ عجوز يقف عاجزاً أمام المجزرة. الأمواج تبدو متعبة، كأنها تعبت من غسل الدم والرمل والرماد. والكورنيش الذي كان يمتلئ بالعشاق والرياضيين وباعة الذرة والقهوة، صار ممراً للنازحين، وذاكرة تمشي على قدمين حافيتين.
قطاع غزة كله لم يعد مدناً تتلاشى فقط، بل اختباراً قاسياً لمعنى الإنسان.
هنا طفل يتعلم أسماء الطائرات قبل أن يتعلم القراءة. وهناك طفلة تحفظ شكل الصاروخ أكثر مما تحفظ ألعابها. وهنا أمّ تخبئ قطعة خبز كما كانت الأمهات قديماً يخبئن الذهب. وهناك رجل يجلس أمام خيمته لا ينتظر شيئاً، فقط يراقب السماء كمن يفاوض القدر بصمت.
لم يعد الخوف في غزة لحظة عابرة، بل صار أسلوب حياة. 
الناس لا يمشون في الشوارع، بل يعبرونها بحذر الناجين. الأبواب لا تُغلق اطمئناناً، بل تُترك مواربة تحسباً لركضة مفاجئة. حتى الأحاديث باتت ناقصة، يقطعها دائماً صوت انفجار، أو خبر عاجل، أو صرخة أمّ تعرّفت للتو على بقايا ابنها.
وفي الليل، حين تخفت الأصوات قليلاً، يبدأ الرعب الحقيقي.
هناك، تحت أقمشة الخيام الرطبة، يستلقي الناس وأعينهم معلقة بالسقف الواهن، يراقبون احتمالات الموت وهي تحوم فوقهم. الأطفال ينامون بأحذيتهم كي لا يضيع الوقت إذا اضطروا للهرب، والأمهات يضعن ما تبقى من أوراق ثبوتية وثياب خفيفة قرب رؤوسهن، كأنهن يتهيأن كل ليلة لقيامة صغيرة.
ومع ذلك، كما يقول تيسير بعناد وصبر…
ثمة شيء في غزة لا ينكسر.
شيء يشبه تلك الزيتونة التي تبقى واقفة ولو احترق الحقل كله. شيء يشبه صياداً يصلح شباكه قرب بيت مهدّم، أو طفلاً يرسم شمساً على جدار خيمة، أو امرأة تكنس الركام أمام منزل لم يعد موجوداً إلا في ذاكرتها.
لهذا تبدو غزة عصية على الهزيمة؛ لأنها كلما غرقت أكثر في الألم، تشبثت أكثر بفكرة الحياة والكرامة .
غزة لا تريد شفقة العالم.
تريد فقط أن يتوقف العالم عن التفرج على موتها.
وستبقى، رغم كل هذا الخراب، المدينة التي تغسل قدميها بمياه البحر، لكنها اليوم تغسل أيضاً ضمير البشرية العاجز، وتكشف عري هذا العالم وهو يشاهد أطفالها يُذبحون بصمتٍ بارد. 

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط