مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

تأملات في دبلوماسية التأسيس

تأملات في دبلوماسية التأسيس

تاريخ النشر: 2024-03-19 | 22:03

أتأمل دبلوماسية عشتها وتفاعلت معها على امتداد أربعين عاماً، لها طباع تعبر عن هوية وطنية، دافئة الروح في تأسيسها، وفي رأسها الأخضر هموم العرب، وقضايا الأخوة الإنسانية، لا تشاكس أحداً، لا تحب القهر ولا العنف ولا الصخب، ولا من يسرق الحياة.

عرفتها وهي تتلألأ كالنجوم، تضيء مواقدها في أعالي الجبال، وخلف آفاق البحار، لتهدي العابرين والتائهين، وترى في الآخر «كلهم أرواح بشرية»، كما قالها ذات يوم في منتصف تسعينات القرن الماضي، شيخنا الحكيم، المفعم بالخير العام، أثناء وجوده في جنيف، بلد «الصليب الأحمر الدولي»، ويقدم من خلاله الدواء للجرحى في حرب البوسنة للمعتدى عليه، وللمعتدي في آن، نعم.. «كلهم أرواح بشرية».

قرأتها بتمعن عميق، منذ نشأتها، وفي شبابها وتطورها بعد سن الرشد، من قصة «ملك نصراني هو النجاشي، لا يُظلم عنده أحد»، مروراً بحلف الفضول ودستور المدينة والبيعة العمرية، وحكاية دبلوماسية تراثية تقول: «ولو أن بيني وبين الناس شعرة، ما انقطعت، كانوا إذا شدّوها أرخيتها، وإذا أرخوها شددتها»، ومروراً بدبلوماسية شارلمان وهارون الرشيد، وصولاً إلى حكايات القسطنطينية، وعظمة دبلوماسية الأندلس.

تأملت فيها منذ اشتقاقها من كلمة Diploma اللاتينية وتابعت بالبحث تطورها وقوانينها ووظائفها: من «تمثيل وتوطيد علاقات، وتفاوض، وحماية للمصالح الوطنية، ورعاية للمواطنين في الخارج، وصولاً إلى «التقرير» الدقيق عن الحال والأحوال واستشراف الغد». ومررت بميكيافلي وكتابه «الأمير»، والمؤرخ والدبلوماسي البريطاني الشهير هارولد نيكولسن وكتابه الموسوعي عن الدبلوماسية الذي صدر في نهاية الثلاثينات في القرن الماضي، وصولاً إلى كيسنجر، ودبلوماسيين محترفين عرب كبار، معاصرين.

كانت لأحلام الدبلوماسية شُرفات، لا نتردد بفتح نوافذها للمدى، وكانت للأحلام وللطموحات راياتها، وما زالت رائحة حضور روَّادها تملأ الذاكرة والمكان، وعلى آثارهم تزهر البشائر وتُشد العزائم.

مارسنا الدبلوماسية الثقافية بكوادرنا الوطنية، رغم قلة عددها، لكن شغف العمل وسمو الخدمة كانا حافزين للتجويد والتأثير واكتساب الخبرة، وفتح الباب أمام مسارات للتواصل الحضاري، وكقوة دفع للدبلوماسية التقليدية، مساندة ومكملة.

كانت دبلوماسية التأسيس سباقة عند انطلاق الحوار العربي الأوروبي، إثر حرب أكتوبر 1973، وكانت مثمرة ومؤثرة في الحوار العربي الإفريقي في أواسط السبعينات، واكتسبت خبرة جيدة عند انطلاق الحوار بين الثقافات، وإنشاء التحالف بين الحضارات، تحت مظلة الأمم المتحدة، في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

نتذكر قراءاتنا لجوزيف ناي صاحب مصطلح «القوة الناعمة».. وتعمقت نظرتنا إلى الثقافة، كواحد من محددات السياسة الخارجية لأي بلد، وعنصر مهم في تركيبة القوة الناعمة وأدواتها.

تعلمنا ومارسنا التجربة العملية في زمن لم يكن فيه للشركات الاستشارية والعلاقات العامة دور ولا سوق، وعرفنا معنى أن تكون دبلوماسياً في ظروف العسر واليسر، والسلامة والخطر، وأن نعي جيداً جوهر الهوية الوطنية، ونتفهم هويات الآخرين، وندرك ثقافاتهم وتاريخ العلاقات الدولية، وتطورها في مرحلة ما بعد معاهدة «وستفاليا» في عام 1648.

تفتح نوافذ الذاكرة، فتحضر أماكن ومؤتمرات وأكاديميات وحوارات، ووجوه عربية وأجنبية، تتأمل دبلوماسية مدينة «البندقية» والتي اتخذت الأسد شعاراً لها، وهو الرمز الذي يشير إلى القديس مرقص أحد أصحاب الأناجيل الأربعة، بعد أن نقلت دبلوماسية البندقية وبحَّارتها رفات القديس من الإسكندرية إلى مدينتهم.

كما تحضر من الذاكرة الأكاديمية الدبلوماسية في فيينا، كأقدم مدرسة لتعليم الدبلوماسية في العالم، وتتذكر قراءتك لكتاب «رحلة بن فضلان» وأنت في طريقك إلى قازان للمشاركة في حوار دبلوماسي ثقافي دولي، وتحضر صور لحضارة الإنكا وشعوب الإنديز، في بيرو، أثناء اجتماعات لمديري المعاهد الدبلوماسية الدولية، وأخرى في جزيرة سنغالية هي جورية، التي كانت آخر معبر للرقيق قبل نقلهم إلى الأمريكتين. تتذكر اجتماعات صعبة في حواراتها السياسية والثقافية، في نيامي بالنيجر وكيب تاون ونيروبي، وأخرى تتمازج فيها سيرة ميكيافلي، وأساليب «شركة الهند الشرقية»، و«شركة هولندا الشرقية» في بون وباريس ولوكسمبرج، وضواحي لندن، ولشبونة، وحوار الأديان الشهير في مدريد، برعاية ملكي السعودية وإسبانيا في ذلك الوقت، وأخرى أكثر انفتاحاً ومرونة في واشنطن ونيويورك وكوبنهاجن وطوكيو وكوالالمبور ومدينة أسترالية وأثينا وباكو وإسطنبول.

أتأمل حكايات دبلوماسية عن الصورة النمطية للعربي في الغرب، في تلك الأزمنة قبل نحو أربعة عقود، ويحضر من الذاكرة مشهد أول احتفال باليوم الوطني للإمارات أشارك فيه بعد وصولي إلى واشنطن حينما فوجئت بسيدة أمريكية، تبدو وكأنها «بارونة» قادمة من التاريخ بخواتمها وحليها وأناقتها الرزينة، تباغتني بسؤال غير متوقع: هل صحيح أن الرجل في بلادكم يتزوج بأربع نساء؟

وكان الحشد المشارك في الاحتفال كبيراً، وطاقم السفارة منشغلاً في الاستقبال والترحيب والتعارف، والوقت لا يسمح بالسرد والتفسير.

ابتسمت في وجهها، وتذكرت أن المناسبة هي دبلوماسية بامتياز، فقلت لها: «نعم يا سيدتي.. هذا صحيح لأننا مضطرون إلى ذلك، فالرجل منا لا يجد امرأة واحدة مثلك، يجتمع فيها الجمال والثقافة والذكاء والثراء معاً، مما يضطر للزواج بأربع نساء».

ابتسمت ابتسامة غامضة، وانخرطت في حديث آخر مع أحد الضيوف، وتابعتها وهي تغادر الحفل بهزة من رأسي، محيياً وشاكراً حضورها.

×
أخبار
نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط