مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

بين أوسلو والطوفان: حين انسدّ المسار السياسي وانفجر المسار العسكري

بين أوسلو والطوفان: حين انسدّ المسار السياسي وانفجر المسار العسكري

تاريخ النشر: 2026-09-20 | 14:23

د. حكمت نبيل المصري
د. حكمت نبيل المصري

يصعب قراءة السابع من أكتوبر 2023 بمعزل عن المسار الذي بدأ مع اتفاق أوسلو، كما يصعب فهم تعثر أوسلو من دون النظر إلى البيئة السياسية والأمنية الفلسطينية والإسرائيلية التي سبقته وأعقبته.
بين أوسلو و«طوفان الأقصى» أكثر من ثلاثة عقود من التحولات السياسية، والفرص الضائعة، والاستيطان، والانتفاضات، والانقسام الفلسطيني، والحروب، وتراجع الثقة بجدوى المفاوضات. لكن الربط بين الحدثين لا يعني بالضرورة اعتبار أحدهما نتيجة حتمية للآخر، ولا يعني منح السابع من أكتوبر شرعية أخلاقية أو سياسية بأثر رجعي؛ وإنما يعني محاولة فهم السياق الذي أوصل القضية الفلسطينية إلى هذه اللحظة.
أوسلو: اختراق سياسي لم يتحول إلى تسوية نهائية
مثّل اتفاق أوسلو عام 1993 تحولًا مهمًا في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فقد قام على الاعتراف المتبادل، وأنشأ إطارًا للحكم الذاتي الفلسطيني، وفتح المجال أمام عودة مؤسسات وقيادات فلسطينية إلى الأراضي الفلسطينية.
لكن الاتفاق ترك قضايا جوهرية للحل النهائي، من بينها القدس واللاجئون والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية. وكان الرهان الأساسي أن تؤدي المرحلة الانتقالية إلى اتفاق نهائي ينهي الصراع.
هذا الانتقال لم يتحقق.
ومع مرور الوقت، استمر الاحتلال وتوسع الاستيطان، وتراجعت الثقة الشعبية بعملية السلام، بينما شهدت الساحة الفلسطينية تحولات عميقة، وصولًا إلى الانتفاضة الثانية ثم الانقسام الفلسطيني.
لذلك يمكن النظر إلى أوسلو باعتباره تجربة سياسية حملت فرصة حقيقية، لكنها بقيت معلقة بين مرحلة انتقالية لم تنتهِ وتسوية نهائية لم تصل.
من تعثر التسوية إلى الانقسام الفلسطيني
لا يمكن اختزال صعود حركة حماس في فشل أوسلو وحده. فقد كانت الحركة موجودة قبل الاتفاق، ولها امتدادات دينية واجتماعية وسياسية وعسكرية، كما تأثر صعودها بعوامل متعددة، بينها الانتفاضة الثانية، وتراجع شعبية السلطة الفلسطينية، والفساد، وضعف الخدمات، وفشل عملية السلام.
وجاءت انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 لتكشف حجم التحول في المزاج السياسي الفلسطيني. ولم يكن تصويت قطاعات واسعة لحماس تعبيرًا عن عامل واحد؛ فقد حمل أيضًا معنى الاحتجاج على أداء السلطة ورغبة في التغيير.
لكن الأزمة الأكبر جاءت بعد الانتخابات، عندما تحول التنافس السياسي إلى صراع على السلطة انتهى بانقسام جغرافي ومؤسسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد الفلسطينيون يواجهون الاحتلال فقط، بل أصبحوا أيضًا أمام انقسام سياسي ومؤسساتي أضعف قدرتهم على إنتاج استراتيجية وطنية موحدة.
السابع من أكتوبر: نتيجة لانسداد سياسي أم بداية لنكبة جديدة؟
جاء السابع من أكتوبر في سياق سياسي اتسم بانسداد أفق التسوية، واستمرار الاحتلال والاستيطان، والحصار المفروض على قطاع غزة، والانقسام الفلسطيني، إلى جانب تحولات إقليمية ودولية كانت القضية الفلسطينية خلالها تواجه خطر التراجع في سلم الأولويات.
يمكن فهم دوافع حماس كما أعلنتها الحركة نفسها في إطار محاولة تغيير قواعد الصراع وإعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام.
لكن فهم الدافع لا يعني بالضرورة تبني القرار أو تمجيده.
فهنا يجب الفصل بين تفسير الحدث والحكم عليه.
لقد أدى هجوم السابع من أكتوبر إلى صدمة سياسية وأمنية كبيرة، وأعاد القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، لكنه فتح في الوقت نفسه الطريق أمام حرب واسعة ومدمرة على قطاع غزة، أوقعت أعدادًا هائلة من الضحايا، وتسببت في نزوح واسع ودمار هائل في المنازل والبنية التحتية والمؤسسات، وعمقت الأزمة الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية.
ولهذا، فإن وصف السابع من أكتوبر بأنه مجرد «كسر للجمود» يتجاهل جانبًا أساسيًا من الصورة: الكلفة التي دفعها المجتمع الفلسطيني، ولا يزال يدفعها، نتيجة الحرب التي أعقبته.
وإذا كان من حق الباحث أن يبحث عن الأسباب التي أدت إلى الحدث، فمن حقه أيضًا أن يسأل عن نتائجه، ومن استفاد منها، ومن دفع ثمنها، وهل قرّبت الفلسطينيين من أهدافهم الوطنية أم أدخلتهم في مرحلة جديدة من الخسائر والدمار.
بين أوسلو والطوفان: اختلاف الأدوات وتشابه المأزق
أوسلو والطوفان يمثلان مسارين مختلفين جذريًا في التعامل مع الصراع.
أوسلو راهن على التفاوض المرحلي وبناء المؤسسات والتوصل تدريجيًا إلى تسوية.
أما السابع من أكتوبر فجاء من خارج هذا المسار، وبأداة عسكرية، في محاولة لتغيير قواعد اللعبة.
لكن المفارقة أن كليهما واجه السؤال نفسه: كيف تتحول الحقوق الفلسطينية إلى واقع سياسي؟
فالمفاوضات وحدها لم تنجح في إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، والقوة العسكرية لم تنتج حتى الآن حلًا سياسيًا يحقق الاستقلال ويحمي المجتمع الفلسطيني من دورة جديدة من الحرب.
وهنا لا تكمن المسألة في المفاضلة بين «التفاوض» و«المقاومة» بصورة مجردة، وإنما في قدرة أي استراتيجية على تحقيق أهدافها الوطنية وتقليل كلفة الصراع على المجتمع.
هل كان السابع من أكتوبر نقطة تحول؟
لا شك أن السابع من أكتوبر غيّر المشهد الفلسطيني والإسرائيلي والإقليمي والدولي. لكنه غيّره بثمن إنساني وسياسي هائل.
وهنا ينبغي الحذر من الخلط بين إحداث التغيير وتحقيق الهدف.
فالحدث قد يغير المعادلات دون أن يعني ذلك أن نتائجه النهائية تخدم بالضرورة الجهة التي بادرت إليه.
وبالمثل، فإن الاعتراف بأن أوسلو أخفق في الوصول إلى تسوية نهائية لا يعني أن البديل العسكري أثبت نجاحه.
التاريخ السياسي لا يُقاس فقط بنوايا الفاعلين، وإنما كذلك بالنتائج التي ترتبت على قراراتهم.
ما بعد الحرب: العودة إلى الماضي أم بناء مسار جديد؟
بعد كل ما حدث، تبدو العودة إلى أوسلو بصيغته الأصلية صعبة، كما تبدو استعادة منطق الحرب بوصفه مسارًا دائمًا أكثر كلفة على المجتمع الفلسطيني والإسرائيلي معًا.
والسؤال الأكثر أهمية ربما لم يعد: هل كان أوسلو صحيحًا أم خاطئًا؟ وهل كان السابع من أكتوبر ضرورة أم خطأ؟
بل: ماذا تكشف التجربتان عن حدود الخيارات التي جرى الاعتماد عليها خلال العقود الماضية؟
تحتاج القضية الفلسطينية إلى مسار سياسي مختلف يقوم على إنهاء الانقسام، واستعادة الشرعية الديمقراطية، وبناء مؤسسات فلسطينية خاضعة للمساءلة، وتوحيد الرؤية الوطنية، إلى جانب مسار دولي جاد يعالج قضايا الاحتلال والاستيطان والحقوق الوطنية الفلسطينية والأمن لجميع السكان.
فالسلام الذي لا يعالج جذور الصراع لن يكون مستدامًا، كما أن العمل العسكري الذي لا ينتج أفقًا سياسيًا واضحًا قد يقود إلى مزيد من الحروب والخسائر.
وفي الحالتين، يبقى المجتمع هو من يدفع الثمن عندما تتحول السياسة إلى إدارة للأزمة بدل البحث عن حل لها.
القارئ هو من يقرر
بين أوسلو والسابع من أكتوبر، لا توجد رواية واحدة يمكن اختزال التاريخ الفلسطيني فيها.
هناك من يرى في أوسلو فرصة سياسية لم تُستثمر بصورة كافية، وهناك من يرى أنه أنتج مرحلة انتقالية طويلة بلا نهاية واضحة.
وهناك من يفسر السابع من أكتوبر باعتباره محاولة للخروج من انسداد سياسي، بينما يرى آخرون أن قرار السابع من أكتوبر كان كارثيًا على المجتمع الفلسطيني، وأن نتائجه الإنسانية والسياسية تفوق ما حققه من مكاسب.
هذه القراءات يمكن مناقشتها وتحليلها، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى حقائق نهائية أو إلى مبررات مسبقة للقتل والدمار.
ربما يكون الدرس الأهم أن الشعب الفلسطيني لا يستطيع أن يبقى عالقًا بين مسار تفاوضي بلا أفق واضح ومسار عسكري مفتوح على حرب بلا نهاية.
وإذا كان أوسلو قد كشف حدود الاعتماد على التفاوض دون ضمانات سياسية قادرة على إنهاء الاحتلال، فإن حرب ما بعد السابع من أكتوبر كشفت أيضًا الكلفة الهائلة عندما يصبح السلاح هو الأداة الأساسية لتغيير الواقع.
لهذا، ليست مهمة هذا المقال أن يمنح أوسلو شهادة نجاح، ولا أن يمنح السابع من أكتوبر شهادة انتصار أو هزيمة.
المهمة هي وضع الأحداث في سياقها، وفحص دوافعها ونتائجها، وطرح الأسئلة التي قد لا تكون لها إجابات سهلة.
أما الحكم النهائي على أوسلو، وعلى السابع من أكتوبر، وعلى المسارات التي سلكها الفلسطينيون والإسرائيليون خلال العقود الماضية، فيبقى للقارئ.

×
أخبار
شلومو بن عامي: لا حل للدولتين في الأفق وإسرائيل تعيش واقع الأبرتهايد تحقيق استقصائي: ضربات إيرانية دقيقة تمزق بنى تحتية بالخليج لتقوض أهداف الحرب الأميركية يائير غولان: نتنياهو تجاهل التحذيرات الأمنية قبل 7 أكتوبر وانشغل بالانقلاب القضائي «ذا نيويوركر»: ترامب يواجه احتمال خسارة الكونغرس وانحسار سلطته قبل الانتخابات النصفية عبري: إسرائيل ترفع التأهب تحسبًا للتصعيد وتستبعد ضربة لإيران قبل الانتخابات تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط