مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

إيران بين غلاف الـ«تايم».. ومائدة عمان

إيران بين غلاف الـ«تايم».. ومائدة عمان

تاريخ النشر: 2026-02-06 | 12:05

لم يكن الغلاف الجديد لمجلة «تايم» عدد 23 فبراير 2027، الذي أعلنته المجلة الأمريكية الشهيرة، مجرد عمل صحفي يواكب لحظة سياسية ساخنة، بل بدا أقرب إلى رسالة مكتوبة بلغة الصورة، تسبق الحدث وتمهّد له، وتضع إيران في خانة النهاية قبل أن تقع. عنوان الغلاف وحده كافٍ لإشعال التفكير: «بعد آيات الله»، وهو اختيار لا يترك مساحة كبيرة للحياد، لأنه لا يتحدث عن أزمة عابرة أو مستقبل مفتوح، بل يفترض زمنًا لاحقًا لزوال النظام، كأن سقوط «ولاية الفقيه» لم يعد احتمالًا قابلاً للنقاش، بل محطة مؤكدة يُبنى عليها الحديث.

ومع هذا العنوان يأتي اللون الأحمر الطاغي على الغلاف، ليس بوصفه لونًا جمالياً، بل كإشارة مزدوجة إلى الدم والثورة والخطر معًا، فيما تظهر «العمامة» في أعلى الصورة ككتلة ثقيلة جاثمة فوق الحشود، لا باعتبارها رمزًا دينيًا فحسب، بل كعبء سياسي وتاريخي.

ثم تأتي الحشود الغاضبة، وجوه نساء ورجال يصرخون ويرفعون الإشارات، لتكتمل الرسالة التي يريدها الغلاف: إن الصراع في إيران ليس صراع دولة مع دولة، بل قصة أخلاقية عن شعب يريد التحرر من سلطة قمعية، وهي الصيغة التي تجيد الولايات المتحدة استخدامها منذ عقود حين تريد أن تجعل خصمها يبدو «شراً مطلقًا» وأن تجعل سقوطه يبدو «ضرورة أخلاقية» وليس خيارًا سياسيًا.

ولأن الذاكرة السياسية لا تعمل بمعزل عن أرشيفها، فقد استدعى كثيرون فورًا غلاف العراق عام 2003، قبل سقوط نظام صدام حسين، حين بدا العراق على صفحات المجلة كدولة انتهى عمرها الافتراضي، وكأن الغزو لم يكن إلا تنفيذًا متأخرًا لسيناريو صيغ إعلاميًا سلفًا. يومها لم تكن الحرب مفاجأة، بل كانت مشروحة وممهّدة لها، ومُرسَّخة في وعي الجمهور العالمي عبر آلة ضخمة من التهيئة، تبدأ من شيطنة القيادة وتضخيم الخطر، ولا تنتهي عند تصوير النهاية كقدر، ثم تحويل العدوان إلى «تحرير» بمجرد اكتمال السردية.

ومن هنا تبدو المقارنة اليوم مغرية ومقلقة في آن واحد، ليس لأن إيران نسخة مطابقة للعراق، بل لأن المنهج الأمريكي في كثير من الأحيان لا يتغير: تثبيت الفعل في الوعي قبل حدوثه، وترسيخ النهاية في المخيلة العامة قبل أن تصبح واقعًا، بحيث لا ينهار النظام فقط تحت الضغط السياسي والاقتصادي، بل تحت ضغط الصورة التي تحاصره وتجعله يبدو وكأنه يعيش لحظاته الأخيرة.

غير أن إيران ليست العراق 2003، لا من حيث طبيعة الدولة ولا من حيث التوازنات ولا من حيث القدرة على الرد. فالدولة الإيرانية تمتلك عمقًا مؤسسيًا وتجربة طويلة في إدارة الأزمات، ولديها شبكة حلفاء وأذرع نفوذ إقليمية تجعل أي حرب شاملة مغامرة مكلفة وغير مضمونة النتائج، كما أن قدرتها على الرد ترفع كلفة التصعيد على خصومها. ولهذا فإن السيناريو الأقرب ليس غزوًا مباشرًا على طريقة بغداد، بل مسار مركّب يقوم على الضغط الاقتصادي والاستنزاف السياسي والعزلة الدبلوماسية وربما ضربات دقيقة أو غير معلنة، ثم الدفع نحو تآكل تدريجي من الداخل، وهو مسار أشد خطورة لأنه لا يخلق لحظة واحدة واضحة للانفجار، بل يجعل الانهيار المحتمل يبدو كأنه نتيجة طبيعية لتراكم طويل، لا فعل خارجي مباشر.

وفي قلب هذا المشهد، يعود دونالد ترامب بوصفه العامل الأكثر اضطرابًا والأكثر قدرة على تغيير الإيقاع. «ترامب» لم يتعامل مع إيران يومًا بمنطق المؤسسات الأمريكية التقليدية، بل بعقلية الصفقة، والضغط الأقصى، والمفاجأة. فمنذ انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018، لم تكن سياسته مجرد عقوبات، بل محاولة لخنق الاقتصاد الإيراني بالكامل وتصفير صادرات النفط ودفع المجتمع إلى الإنهاك، وفي الوقت نفسه لم يتردد في تلويح دائم بالقوة بلغ ذروته باغتيال قاسم سليماني عام 2020، وهي خطوة لم تكن عملية عسكرية فقط، بل رسالة تقول إن «ترامب» قادر على كسر القواعد وإعادة تعريف الخطوط الحمراء.

لكن المفارقة أن هذا الرجل ذاته لم يتوقف عن فتح باب تفاوض موارب، يتحدث عن «صفقة أفضل» ويطلق إشارات عن أن إيران «يمكن أن تكون عظيمة» إذا جلست إلى الطاولة، ويرسل رسائل غير مباشرة عبر وسطاء، كأنما يريد أن يجعل خصمه يتلقى الضربة النفسية أولًا ثم يطلب النجاة عبر التفاوض.

هذه الازدواجية ليست مجرد ارتباك في شخصية ترامب، بل جزء من منهجه: رفع الضغط إلى أقصى حد، ثم تقديم مخرج تفاوضي يمنحه صورة «صانع السلام» دون أن يتنازل فعليًا عن شروطه. ترامب لا يريد حربًا شاملة بالضرورة، لأنه يدرك كلفتها السياسية والاقتصادية، لكنه في الوقت نفسه لا يخشاها إذا شعر بأنها ستمنحه مكسبًا داخليًا أو ستعيد فرض الهيبة الأمريكية، ولا يتعامل مع إيران كملف استراتيجي طويل المدى بقدر ما يراها فرصة لصناعة إنجاز سريع يمكن تسويقه أمام الكاميرات.

وهنا تكمن خطورة المرحلة، لأن الرجل الذي يهدد اليوم قد يعود غدًا ليعلن عن مفاوضات، ثم يلوّح بعد غدٍ بضربة، ثم يترك الجميع في حالة ترقّب لا تنتهي.

وسط هذا المناخ تأتـي مائدة عمان، وما يتردد عن مفاوضات اليوم، وكأنها اللحظة التي تتصارع فيها سرديتان: سردية الغلاف الذي يشيّع النظام ويضع العالم في حالة «ما بعده»، وسردية التفاوض التي تمنح طهران فرصة لتأجيل التنفيذ وربما إعادة التموضع مرة أخرى.

الأخبار المتضاربة حول مصير المفاوضات ليست تفصيلًا هامشيًا، بل انعكاس مباشر لحالة العالم نفسه: لا أحد يعرف إلى أين يتجه المسار، وهل نحن أمام نافذة نجاة حقيقية أم مجرد تأجيل قصير قبل موجة تصعيد أكبر؟ هل ستقبل طهران شروطًا قاسية مقابل تجنب الضربة؟ هل تحاول شراء الوقت مرة أخرى؟ هل يريد ترامب صفقة سريعة يعلنها أمام جمهوره؟ أم نحن أمام مسرح تفاوضي بينما القرار الحقيقي يُصاغ في مكان آخر؟

العالم يحبس أنفاسه، لا لأن الحرب مؤكدة، بل لأن اللايقين بلغ ذروته، ولأن المنطقة كلها تعرف أن شرارة واحدة قد تُشعل سلسلة أحداث يصعب السيطرة عليها.

الوطن المصرية

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط