مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

أوهام النفوذ: مَن يَحكم مَن؟

أوهام النفوذ: مَن يَحكم مَن؟

تاريخ النشر: 2026-04-13 | 11:04

في الإقليم الأوسطي، لا تُقاس الفاعلية داخل البنية الإقليمية المتداخلة اليوم بحدة الخطاب السياسي أو كثافة الشعارات، بل بقدرة الفاعلين على التموضع داخل منظومات معقدة من المصالح والتدفقات العابرة للحدود. الفارق الحاسم ليس بين "إعلان القوة" و"ممارسة الفعل السياسي" فحسب، بل بين القدرة على إنتاج فاعلية مستقرة داخل البنية الإقليمية، وبين الاكتفاء بإعادة إنتاج الصورة الخطابية للقوة.

ضمن هذا الإطار، لم يعد الإقليم يُفهم بوصفه مجموعة دول متجاورة، بل بوصفه منظومة تفاعلات غير هرمية، تتداخل فيها العقد، وبؤر الفاعلية الاستراتيجية، والفاعلون الوسيطون، بما يجعل القوة وظيفة بنيوية تنشأ من داخل العلاقات المتشابكة، لا امتلاكًا سياديًا مغلقًا.

السياسة كما يصفها أرسطو في جوهرها فعل جماعي موجّه نحو الخير العام، ومعيارها الحقيقي هو الفعل لا القول، والنتيجة لا الادعاء؛ فعلى مدى عقود، تحركت إيران بوصفها مركز فاعلية غير مباشر يعتمد على الامتداد عبر شبكات من الحلفاء والأذرع الإقليمية. هذا النموذج سمح لها بتوسيع حضورها داخل مساحات جيوسياسية متعددة، لكنه ظل محدود القدرة على تحويل الانتشار الجغرافي إلى بنية نفوذ مستقرة داخل المجتمعات المحلية. فقد كان نموذجًا توسعيًا قائمًا على إعادة توزيع الحضور عبر الأطراف، أكثر منه نموذجًا مؤسسيًا يرسّخ وزنًا كثيفًا ومستدامًا داخل البنية الإقليمية.

اليوم، ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية والعقوبات والتحديات الداخلية، تتكشف حدود هذا النمط تدريجيًا، ويظهر داخل الإقليم فراغ في منظومة التفاعلات آخذ في الاتساع. هذا الفراغ لا يُملأ عبر السيطرة المباشرة، بل عبر إعادة توزيع مواقع الفاعلية داخل النظام الإقليمي، بما يفتح المجال أمام إعادة تموضع مستمر للفاعلين الرئيسيين.

وكما صوَّر نيتشه راكب الثور—يظن أنه يقود الاتجاه، بينما تحدد قوة الحركة ذاتها المسار الحقيقي—يبدو أنّ كثيرًا من الفاعلين يعتقدون أنّ الخطاب كافٍ لصناعة الحضور، في حين أنّ القدرة الفعلية تتشكل عبر تراكمات مادية ومؤسسية: مؤسسات فعالة، شبكات تحالف مستقرة، وقدرة على إدارة تدفقات الطاقة والتمويل واللوجستيات والأمن.

مع تراجع الندية الحذرة بين الأصولية الفارسية والأصولية الإسرائيلية على المسرح الإقليمي، ولا سيما في الخليج العربي، تتحرك إسرائيل بوصفها عقدة فاعلية عالية الكثافة داخل المنظومات الأمنية والتكنولوجية الإقليمية والدولية، عبر دمج الأدوات العسكرية مع البنية الاستخباراتية والاقتصاد التكنولوجي، بما يمنحها قدرة متعددة الطبقات على التأثير في مسارات التوازن. غير أنّ هذه النمط يبقى محكومًا ببنيةٍ ذهنية ترى في التهديد الوجودي عنصرًا دائمًا في معادلة الأمن، بما يجعل من استمرار وجود "العدو" إطارًا ضروريًا لإعادة إنتاج معادلات الردع وإدارة التوازنات.

في المقابل، تعمل دول الخليج داخل حركة مستمرة لا يملكونها بالكامل، لكنهم يؤثرون في اتجاهاتها بوصفها مراكز تموضع استراتيجي لإدارة الاستقرار داخل البنية الإقليمية، عبر الاستثمار والتدفقات الاقتصادية، وتنويع الروابط الدولية، وتعميق الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي. ويُعد هذا التموضع محاولة لبناء فاعلية غير صدامية تقوم على التحكم في بيئة التدفقات بدل السيطرة المباشرة عليها.

إلى جانب ذلك، يبرز دور فاعلين وسيطين داخل الإقليم: مصر بوصفها عقدة ربط مركزية في فضاء شرق المتوسط، بين مسارات الطاقة والأمن الإقليمي. وتركيا بوصفها مركز فاعلية مرن عند تقاطع المنظومات الأوروبية–الآسيوية، تتحرك بين دوائر جيوسياسية متعددة، وباكستان بوصفها فاعلًا وسيطًا عالي المرونة داخل قنوات الوساطة بين القوى الكبرى، بما يمنحها موقعًا في إدارة التوازنات غير المباشرة.

وعلى مدى أربعة عقود، وفي ظل اعتماد أميركي على إيران بوصفها ركيزة وظيفية ضمن توازنات الإقليم إلى جانب إسرائيل وتركيا، قدّمت طهران نفسها قوةً مهيمنة عبر شبكة من الأذرع الإقليمية. إلا أن تطورات الجولة الثانية من الحرب الإيرانية–الأميركية عام 2026 كشفت عن نقطة تحوّل داخل هذا النظام المعقّد؛ إذ أفضت المواجهة إلى تهدئة مؤقتة عبر فاعلين وسيطين، في مؤشر على تصاعد دور الوساطة بوصفها آلية بنيوية لإدارة الصراع. غير أنّ هذه التهدئة ظلّت مشروطة بإعادة تنظيم التدفقات الحيوية، ولا سيما تدفقات الطاقة والممرات البحرية، بما يعكس انتقال مركز الثقل من منطق الحسم العسكري إلى منطق إدارة ما بعد الصراع داخل البنية الإقليمية.

وتشير هذه التطورات إلى أنّ إدارة ما بعد الحرب أصبحت عنصرًا حاسمًا في إعادة تشكيل مواقع الفاعلية الاستراتيجية داخل الإقليم، حيث لم يعد معيار القوة مرتبطًا بنتائج المواجهة المباشرة، بل بالقدرة على إعادة هندسة التدفقات التي تحدد شكل المنظومة نفسها. وهكذا تتراجع القوة الصلبة بوصفها أداة حسم منفردة، لصالح نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على إدارة الاعتماد المتبادل وإعادة توزيع نقاط الحضور.

أما إيران، التي اعتمدت طويلًا على استراتيجية التموضع غير المباشر داخل هذه المنظومات، فتواجه اليوم تراجعًا نسبيًا في ساحات مثل اليمن ولبنان والعراق، وهشاشة في أخرى مثل سوريا وغزة. لم يعد حضورها قادرًا على فرض مسارات سياسية حاسمة بالكفاءة السابقة، وتحوّل وزنها الإقليمي من نمط توسعي إلى حضور أكثر تشتتًا وأقل كثافة مؤسسية داخل البنية الإقليمية. هذا التراجع لا يعني انهيارًا كاملًا، بل انتقالًا من حضور معلن إلى تموضع محدود الفاعلية داخل نظام إقليمي غير متجانس.

في هذا السياق، لم يعد مفهوم "السيادة" التقليدي بوصفه احتكارًا جغرافيًا مغلقًا صالحًا لفهم ديناميات الإقليم، بل يتراجع لصالح مفهوم "التموضع الشبكي"، حيث تصبح الدولة أو الفاعل جزءًا من منظومة علاقات متداخلة، وليس كيانًا مستقلًا مكتفيًا بذاته.

في المحصلة، لا يقوم التوازن الإقليمي على الخطاب أو مظاهر القوة، بل على القدرة على إنتاج فاعلية مستدامة داخل نظام إقليمي شديد التعقيد. الحضور الذي لا يتحول إلى بنية تشغيلية يبقى عابرًا، بينما الفاعلية الحقيقية هي ما ينجح في تحويل التدفقات إلى أدوات توجيه، والحركة إلى نظام قابل للاستمرار.

في النهاية، لا يُقاس التوازن بمن يعلن القوة، بل بمن ينجح في التموضع داخل البنية التي تُنتج هذه القوة وتعيد توزيعها باستمرار. وفي عالم التفاعلات المتشابكة، لا وجود لهيمنة مكتملة ولا لانتصار نهائي؛ بل لفاعلين يجيدون إعادة التموضع داخل حركة مستمرة لا يملكونها بالكامل، لكنهم يؤثرون في اتجاهاتها. وما لم يتحول الفاعل إلى جزء من البنية التي تحكم هذه الحركة، فإنه يظل خارج التاريخ حتى وهو يعتقد أنه يصنع ضجيجه.

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط