مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

أوباما في رحلة الرحيل

أوباما في رحلة الرحيل

تاريخ النشر: 2016-06-06 | 08:45

بدأ باراك أوباما رحلة الرحيل من مكتبه في البيت الأبيض إلى بيت أنيق، المسافة بينهما بحساب الأمتار قصيرة، ولكن بحساب الحياة وعمق التأثير والقوة طويلة جداً. برحيل أوباما عن أهم مركز في العالم لصنع القرارات، بعد أن يكون قد أمضى ثماني سنوات يؤثر في أمن وسلامة وحياة شعوب عدة، يرحل ولم تزل الولايات المتحدة القوة الأقوى تأثيراً ونفوذاً، وإن أقل قليلاً مما كانت عليه قبل عقود مضت. يستعد باراك أوباما لنمط حياة مختلف عن النمط الذي عاش في ظله السنوات الثماني الماضية، وللسبب نفسه وفي الوقت نفسه يستعد عشرات من رؤساء دول أخرى لاحتمال التعرض إلى «سياسة» أميركية قد تكون مختلفة عما تعودوا عليه في عهد أوباما، وأكثرهم يتمنى أن لا يأتي من يتخذ نمطاً جديداً غير مألوف، وأقلهم يأمل في رئيس جديد يفرض تغييراً جوهرياً في سياسات أوباما. المخضرمون بينهم يعرفون أن تغيير نمط السياسة الخارجية الأميركية يحتاج إلى عقود عدة. قد تختلف الأساليب من رئيس لآخر، وقد يختلف الخطاب السياسي، ولكن يبقى جوهر السياسة صامداً. هذه القاعدة انطبقت على عهد أوباما كما انطبقت على من قبله. صحيح أن أوباما مارس سياسات من صنعه اختار أدواتها وأساليبها، ولكنه لم يخرج عن النمط أو الجوهر.

أعرف أنه من الصعوبة بمكان «تقويم» سياسة ما زال صانعها ومنفذها في السلطة، وما زالت بعض تأثيراتها غير نهائية أو مكتملة، وما زال التاريخ لم يمد يده إليها باعتراف أو إهمال، إلا أنني أشعر بأهمية بذل جهد من أجل فهم أعمق إن أمكن لتجربة أوباما في وضع سياسات خارجية لأميركا خلال سنوات حكمه وتنفيذها.

يمكنني، ببعض التجاوز، وصف عهد السياسة الخارجية في ظل رئاسة أوباما بعهد «السياسات الأربع»، حيث استطاع الرئيس الأميركي وإدارته مزج أربعة أساليب رئيسة في جهود لتحقيق أهدافه في السياسة الخارجية الأميركية. هذه السياسات أو الأساليب الأربع هي:

أولاً: التدخل الجراحي، فقد استخدم أوباما هذا الأسلوب في تعامله مع نظام العقيد القذافي خلال بدايات مرحلة الربيع العربي. كان تعامله مع القذافي مختلفاً اختلافاً جذرياً عن تعامله مع نظام زين العابدين بن علي في تونس ونظام حسني مبارك في مصر، بل ومع نظام بشار الأسد في سورية. لم تقم الولايات المتحدة بأي إجراء عنيف مع أي من هذه الأنظمة مثل الإجراء الذي شجعت عليه وساهمت في تنفيذه عندما قررت التخلص من القذافي ونظامه، من دون أن تكون لدى إدارة الرئيس أوباما خطة أو رؤية لما يمكن أن يحدث أو ما يمكن أن يترتب عليه إجراء كهذا. دفعت أميركا الثمن باهظاً متخذاً أشكالاً عدة ليس أقلها أهمية فقدانها سفيرها وتعرض سمعتها ومكانتها لضربة موجعة لا تزال مردوداتها عالية ومؤثرة.

ثانياً: أسلوب التجاهل، فقد تعمدت إدارة أوباما تجاهل كثير من التجاوزات التي مارستها دول عدة، أساءت بها إلى مكانة أميركا وربما أصابت بالضرر بعض مصالحها. تجاهلت الكثير من ممارسات نظام الرئيس فلاديمير بوتين في روسيا وعديد من الممارسات التي تعاملت بها حكومة الصين الشيوعية مع قوى حليفة مثل اليابان والسرعة التي انتهجتها في سباق التسلح والصعود نحو القمة الدولية. لا شك أيضاً أن إدارة أوباما تجاهلت، إن لم تكن «أهملت» منذ البداية تطورات التدهور في أوضاع الثورة السورية، عن جهل ربما أو عن خوف حقيقي من الانغماس مجدداً في رمال الشرق الأوسط. تجاهلت أيضاً وإلى حد غير قليل حملات الإعلام معتبرة هذه الهجمات، كما قال أحد السياسيين، أشبه شيء ممكن بتحرشات صغار الطلبة ضد الكبار في المدرسة.

إلا أن الإهمال أو التجاهل الأشد ظهر واضحاً، ولا يزال، في تعامل إدارة أوباما مع «داعش»، ولا يمكن أحداً في واشنطن إخفاء حقيقة أن هناك في دول الشرق الأوسط رؤساء دول ومفكرين وقادة رأي يعتقدون أن أميركا مسؤولة مباشرة عن ظهور «داعش» وغيره من منظمات التطرف. لا أعرف أحداً يتهم أميركا بأنها أقامت بنفسها بنية مبيتة وإدارة واضحة لمنظمة من هذه المنظمات، ولكن الغالبية تشعر بأن إهمال أميركا في العراق وسورية وفي التعامل مع تركيا، وتجاهلها الصعود المتسارع لهذه المنظمات في الإقليم، وعدم اهتمامها، على رغم ما لها من نفوذ على حركة المال في العالم، لقنوات التمويل والتسليح. سواء رفضت واشنطن الاعتراف بمسؤوليتها وأخطائها التي أسهمت في نشوء «داعش» ومنظمات إرهابية أخرى، تبقي قائمة الشكوك، وتظل تؤثر في إدراك الشعوب والنخب السياسية والفكرية، وتستمر تدعم وبقوة ظاهرة «المؤامرة الدولية» التي تروج لها معظم الحكومات العربية.

ثالثاً: مارست إدارة أوباما بصلابة وإصرار سياسة فرض الحصار الاقتصادي والسياسي كأسلوب تصورت أنه فعال ومؤثر واستخدمته ضد روسيا في قضية أوكرانيا ودفعت الاتحاد الأوروبي إلى فرضه وبنفس الإحكام والإصرار، واستخدمته ضد إيران وما زالت متمسكة بكثير من بنوده على رغم التوصل مع إيران إلى اتفاق مهم. مارسته أيضاً وتمارسه ضد كوريا الشمالية وضد حكومة فنزويلا وحكومات أخرى متفرقة. المهم هو أن هذا الأسلوب، على رغم أهميته لحكومة أوباما، لم يعد يلقى الاحترام الواجب من جانب المجتمع الدولي. بمعنى آخر لم تكن أميركا في ظل قيادة أوباما قادرة على فرض إرادتها على عدد كبير من الدول لتنفيذ حصار هنا وحصار هناك، أي لم تعد أميركا تؤثر دولياً كما كانت تؤثر خلال الحرب الباردة وبعدها مباشرة.

رابعاً: الإيحاء بأن أميركا تتغير. تعمد أوباما منذ الأيام الأولى لولايته الإيحاء للعالم بأنه بالفعل رئيس مختلف. هل كان أوباما وقتها مدركاً أن قوة أميركا النسبية اختلفت وبالتالي يتعين عليه أن يكون رئيساً مختلفاً، أم أنه أراد بالفعل أن يتبنى «سياسات متناقضة» يحاول بها الخروج بأميركا من جملة أزمات معقدة وفي مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى مكانتها الدولية ووضعها الاقتصادي؟

قاد أوباما بنفسه سياسات الدعوة إلى احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وارثاً إياها مع جملة ما ورث من تقاليد وأعراف في السياسة الخارجية الأميركية منذ عهد الرئيس ولسن، ومراعياً قوة ونفوذ تيار «المحافظين الجدد» وقيادات كلا الحزبين الديموقراطي والجمهوري، ومقتنعاً هو نفسه بمبادئ الحرية والديموقراطية، ولكنه في الوقت نفسه لم يغفل عن ضغوط العسكريين الأميركيين الذين لم يأبهوا يوماً بحال الحقوق والحريات على امتداد مدة هيمنتهم في العراق وأفغانستان وعلى طول علاقاتهم المتينة بأنظمة حكم سلطوي في العالم النامي.

كذلك تناقضت سياسات أميركا حين تعلق الأمر بالأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت العالم الرأسمالي. وقتها لم يجد أوباما الفرصة ليوجه اللوم المناسب لقطاعات المصارف والأموال لمسؤوليتها عن الأزمة، بل سارع إلى إنقاذها من الإفلاس وتحصينها ضد ثورة الشارع ومحاولات جرها إلى ساحات القضاء. كانت الفرصة نموذجية لتنفيذ عملية «تهذيب للرأسمالية»، وهي عملية كان يستطيع أوباما تنفيذها مستنداً إلى شعبيته بين شباب الناخبين لو أنه لم يكن مقيداً بعقيدة ومصالح الأقلية الحاكمة في واشنطن.

أضاعت أميركا في عهد أوباما فرصة تهذيب القطاع الرأسمالي وتحسين أدائه وخطورة أساليبه، بل يبدو أنها أضاعت ما هو أكثر وأخطر، ففي خضم صدام التيارات المتلاطمة في السياسات الأميركية والصعوبات التي واجهها في تنفيذ بعض أهم سياساته مثل التحول نحو آسيا والخروج من الشرق الأوسط، بدأت تتضح بجلاء للعالم الخارجي أهم نقاط فشل إدارة أوباما وهي: ١- استسلامه لقوى المال والمصارف. ٢- سوء إدارة أزمات الربيع العربي. ٣- التردد الشديد ثم التمرد على بندين في قائمة مسلمات السياسة الخارجية الأميركية «غير القابلة للتصرف» وهما التحالف مع المملكة العربية السعودية والتحالف مع إسرائيل، إذ أعلن صراحة رأيه في الأولى ومارس بعناد ديبلوماسية المواجهة مع رئيس وزراء إسرائيل في أكثر من مناسبة. ٤- سمح لروسيا بالعودة إلى محاولات فرض هيمنتها على مناطق شاسعة من شمال آسيا وشرق أوروبا والشرق الأوسط. ٥- منح إيران الفرصة الذهبية لتصبح لاعباً دولياً مرموقاً، تلعب الآن بإذن أميركا في العراق وتستخدم نفوذها في سورية وتؤتمن على خطط لأميركا ضد «طالبان» في كل من أفغانستان وباكستان، وتنفتح استراتيجياً أمام مشاريع الهند العسكرية والاقتصادية في جنوب آسيا ووسطها.

أتصور أنه سوف يعزى إلى أوباما ذات يوم قريب أنه بسياساته الخارجية الجريئة أحياناً والمتناقضة أحيانا أخرى سمح بأن يظهر ويتقدم اثنان هما الأبرز بين المرشحين لمنصب الرئاسة يدفعان الولايات المتحدة نحو مستقبل متطرف إذا قورن بحال أميركا في ظل ولاية أوباما، أحدهما المرشح دونالد ترامب الذي يجاهر في حملته الانتخابية بغضبه على المملكة العربية السعودية وإسرائيل بين دول أخرى وعلى المسلمين والمهاجرين والملونين ويبشر بنظام حكم «غوغائي» إن صح التعبير mobocracy، والآخر هو المرشح بيرني ساندرز الذي لم يتوقف عن الدعوة إلى ثورة اشتراكية ضد المصارف وقوى المال والنظام الرأسمالي «المتهالك».

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط