مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

انفلات إسرائيل يصل إلى الدوحة

انفلات إسرائيل يصل إلى الدوحة

تاريخ النشر: 2025-09-10 | 20:27

شنّت الطائرات الإسرائيلية، عصر الثلاثاء الماضي، غارة جوية موجّهة نحو مقر الوفد الفلسطيني المفاوض في العاصمة القطرية الدوحة. وجاء في البيانات، التي صدرت على الفور من مكتب بنيامين نتنياهو ومن وزير الأمن يسرائيل كاتس أن الهدف هو قيادة حماس ومن وصفتهم إسرائيل بمعارضي الصفقة. وبعد أن استبشرت القيادة الإسرائيلية ووسائل الإعلام العبرية "خيرا" بالنتيجة، تراجع "التفاؤل الحذر" تدريجيا إلى "تشاؤم مقيت" بفشل الغارة في تحقيق هدفها الأوّل وهو اغتيال خليل الحية وزاهر جبارين ونزار عوض الله ومحمد درويش وغازي حمد وخالد مشعل وعزّت الرشق، وهي الأسماء التي وردت في تقرير موقع "واينت" التابع لصحيفة "يديعوت أحرونوت". وتعويضا عما بان من فشل للعملية، بدأت تتردد عبارات أن الهجوم حقق أهداف أخرى مثل ترويع قيادة حماس بأنها مستهدفة في كل مكان تتواجد فيه وإجبارها على "الاختباء" كما قادة حماس غزة في أنفاق القطاع.

ووفق ما جاء في التقارير الإعلامية الإسرائيلية استهدفت الغارة اجتماعا لقيادة الوفد المفاوض التابع لحماس، خصص لبحث مقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمسار إنهاء الحرب وتبادل الأسرى. وإذا صحّت التسريبات بأن الاجتماع كان سيوافق على مقترح ترامب أو على الأقل إبداء استعداد للتفاوض حوله. فقد يكون هدف الغارة هو قطع الطريق على فتح باب المفاوضات من جديد من خلال عملية الاغتيال.  ووفق هذا السيناريو فإن إسرائيل التي وافقت على مقترح ترامب، انطلاقا من أن حماس لن توافق، وحين رشح أنها قد توافق قامت إسرائيل بالاستهداف الإجرامي حتى لا تتورّط في مفاوضات تشتت رغبتها في فرض مبتغاها من خلال معادلة إما الاجتياح الشامل أو الاستسلام الكامل، والمفاوضات قد "تخربط" هذه المعادلة.

وفي محاولة لإبعاد الشبهات عن الولايات المتحدة، أكّد نتنياهو في بيانه أنّ "العملية كانت عملية إسرائيلية مستقلة تماما. إسرائيل بادرت إليها، إسرائيل أدارتها، وإسرائيل تأخذ على عاتقها المسؤولية كاملة".  لكن صيغة البيان لا تساهم في دحض التفاهم المسبق مع إدارة ترامب، بل تزيد من الشكوك في ذلك. فلهجة الإنكار المسبق المبالغ بها لأي تنسيق مع أي جهة خارجية يؤكّد ولا ينفي أن الولايات المتحدة كانت على علم مسبق بالعملية وبتفاصيلها. ولو كانت إسرائيل تعتقد أن هناك معارضة حازمة في إدارة ترامب لمثل هذه العملية لما أقدمت على تنفيذها.

أكّدت مصادر عديدة أن الإدارة الأمريكية ووكالة مخابرات الموساد الإسرائيلي وعدتا الشهر الماضي الدوحة بعدم التعرّض لقيادات حماس الموجودة في الأراضي القطرية. وجاء هذا التعهّد بعد تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي، الميجر جنرال إيال زامير، الذي هدد باغتيال قيادات حماس في الخارج.  على هذه الخلفية يمكن تفسير التسريبات المقصودة بأن الموساد عارض العملية ولم يكن شريكا فيها، وذلك حفاظا على "مصداقيته" كشريك في المفاوضات وفي تنسيق العلاقات مع دول ليس لإسرائيل علاقات رسمية معها. كذلك دأب المسؤولون الأمريكيون وفي مقدمتهم ترامب على التأكيد المرة تلو الأخرى بأنهم عرفوا بالعملية في اللحظة الأخيرة، ووصل الأمر بترامب للادعاء بأن إسرائيل لم تبلغه وبأن الجيش الأمريكي لاحظ تحركا للطائرات الإسرائيلية فأبلغ الرئيس الذي فحص الموضوع مع الإسرائيليين فعرف بالغارة وأبلغ بها القطريين – بعد فوات الأوان. المشكلة أن ترامب يعتقد أنه يمكن تصديق هذا السيناريو الخيالي – الذي لم يكن له هدف سوى إبعاد التهمة عن الإدارة الأمريكية بالمشاركة في انتهاك السيادة القطرية.  وقد وعد ترامب بأنه مسؤول عن منع تكرار مثل هذا الانتهاك، ويبدو أن هذا الالتزام سيبقى ساري المفعول طالما لا نية لإسرائيل بالتكرار، وأن هي قررت غير ذلك فهي ستجد أن ترامب سهل الاقناع حين يتعلّق الأمر بحليفه المدلل.

لم تكن العملية وليدة قرار سريع أو متسرّع، وتندرج محاولة الاغتيال ضمن سياقات وتوجّهات إسرائيلية متناغمة ومتداخلة:

أولا، الاعتقاد أن قتل القيادات يغيّر مجرى التطورات جوهريا في صالح إسرائيل، التي نفّذت المئات من اغتيالات القادة، ما جعل الاغتيال مركّبا مهما في الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية؛

ثانيا، كون المستهدفين في قطر قيادات سياسية ليس لها أي دور عسكري أو أمني لا يقلل من الاندفاع الإسرائيلي لقتلها. فالسياسة الإسرائيلية شبه الرسمية المتبعة منذ عقود هي "البوليتيسايد" -–أي الإبادة السياسية، ومحو قيادات الصف الأول الفلسطينية، حتى لا تلعب دورا في مواجهة الاحتلال والمشروع الإسرائيلي الإجرامي والتوسّعي؛

ثالثا، اتخذت إسرائيل قرارا فور أحداث السابع من اكتوبر 2023، بالقضاء على جميع قادة حماس في كافة أماكن تواجدهم، وأشار المسؤولون الإسرائيليون إلى أن توقيت التنفيذ سيكون "تبعا للتطورات والفرص والسياقات". وحين سئل هؤلاء المسؤولون "لماذا لا تقتلوا قيادة حماس في قطر؟" أجابوا بسؤال "ومن سنفاوض حينها؟"، ويبدو أن إسرائيل لم تعد تسعى إلى التفاوض، وكما قال مسؤول أمريكي كبير "إسرائيل فشلت في اغتيال قادة حماس ونجحت في اغتيال مفاوضات الصفقة"؛

رابعا، يندرج الاستهداف في الدوحة ضمن حملة اغتيالات قادة حماس في غزة ولبنان ومواقع أخرى. ويندرج أيضا في إطار الغارات الإسرائيلية بعيدة المدى، التي وصلت إلى إيران واليمن، وكذلك هو حلقة إضافية في سلسلة الاغتيال الجماعي للقيادات كما حدث في إيران ولبنان واليمن وغزة.  وفي إطار هذه السياقات جرى التحضير للعملية منذ أشهر طويلة وهي جاهزة منذ مدّة بانتظار التوقيت الملائم؛

خامسا، كل شيء كان جاهزا للعملية، من حيث انسجامها مع التوجه العام، والقرار المبدئي، ومن حيث رسم الخطة المبدئية والتجهيز لها، وبقي "التوقيت المناسب". والنقاش الوحيد كان حول التوقيت، إذ حاولت القيادات الأمنية التأجيل إلى ما بعد انتهاء مدة انذار ترامب نهاية الأسبوع. لكن نتنياهو أصر على التنفيذ الفوري، ليربط بعدها بين الغارة في الدوحة وعملية إطلاق النار في القدس التي أسفرت عن مقتل ستة إسرائيليين. وهذا ربط واهٍ، إذ لا علاقة تنظيمية بين قادة حماس في الدوحة وبين الشابين اللذين نفّذا عملية القدس. ويبدو أن السبب الرئيسي للتوقيت هو "توفّر فرصة" لاستهداف القيادة مجتمعة، والسعي لمراكمة إنجازات للإعلان لاحقا عن "النصر المطلق"، وربّما أراد نتنياهو التخلص من المفاوضين لإفشال المفاوضات بالادعاء أنه لا يوجد مفاوض من الطرف الآخر.

تضع العملية العدوانية الإسرائيلية في الدوحة علامات استفهام حول مسار الحرب ومصير الصفقة.  ويبدو حاليا أن المفاوضات للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى لمرحلة ما، ويبدو أيضا أن الجيش الإسرائيلي لن يقدم على الاجتياح الشامل والجارف لمدينة غزة ريثما يتضح مصير مبادرة ترامب. لقد هزّ الاستهداف الإسرائيلي للسيادة القطرية ولقيادة حماس العملية التفاوضية، حيث أعلنت قطر عن تعليق وساطتها، من دون أن تلغيها، وأعلنت حماس عن استعدادها لمواصلة التفاوض حول صفقة تنهي الحرب. أمّا إسرائيل فهي تفاوض بمنطق العربدة والتهديد والقصف الوحشي والقتل والتدمير، وقد وجّه وزير الأمن الإسرائيلي إنذارا إلى قيادات حماس (التي يدعي انه اغتالها!) بأن عليها أن تقبل بالشروط الإسرائيلية، وإلا فإنه سوف "يقضي عليها ويدمّر غزة". ويبدو أن استئناف المفاوضات أصبح قرارا أمريكيا، مع الأخذ بعين الاعتبار أن القرارات الأمريكية متأسرلة بالعادة، الا حين يقرر ترامب أن يتمرد على نتنياهو.

حين تتحدث إسرائيل-نتنياهو عن "شرق أوسط" جديد فهي تعني بالضبط ما حدث في الدوحة، وتعني أن إسرائيل لها الحق بالتدخل العسكري حيثما تشاء وحينما تبغي وكيفما تريد.  وتنطلق إسرائيل في ممارسة أشكال مختلفة من العدوان وانتهاك سيادة الدول، من "شرعية أمريكية" تغنيها عن أي التزام بالشرعية الدولية وبالقانون الدولي. وتحاول القيادة الإسرائيلية فرض "نظام إقليمي جديد" محوره الأساس أمن ومصالح الدولة الصهيونية، ومنطقه فرض الهيمنة بقوة السلاح الأمريكي.

لا يعقل أن يقف العرب عاجزين عن لجم الانفلات الإجرامي الإسرائيلي في غزّة والضفة ولبنان وسوريا واليمن والآن في قطر أيضا. هناك الكثير مما يمكن فعله لإجبار إسرائيل على وقف حرب الإبادة في غزة، التي لا تبقى في حدود غزة فقط.  إن إقامة تحالف دولي عربي واسع لإنهاء الإبادة في غزة أكثر إلحاحا وأهمية في هذه اللحظة من حراك الاعتراف بالدولة الفلسطينية، إذ لا يجوز إبقاء الجريح ينزف على الأرض من دون إسعاف، وتعده ببيت جميل وآمن في المستقبل البعيد.

 

×
أخبار
نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط