مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

انتخابات المفخرة... وانتخابات المسخرة!

انتخابات المفخرة... وانتخابات المسخرة!

تاريخ النشر: 2016-05-14 | 07:39

ما إن أُغلقت صناديق الاقتراع لانتخاب عمدة لندن مساء يوم الجمعة من الأسبوع الماضي، حتى فتحت صناديق الاقتراع في بيروت وبعلبك صباح الأحد لانتخاب أعضاء المجالس البلدية والمخاتير، ومنذ ذلك الحين حتى اليوم، غرق كثير من المواطنين والمراقبين في لبنان في التعرق والإحساس بالعار وهم يقرأون ويتابعون الوقائع المتناقضة كليًا، بين الفصول المعيبة التي طبعت العمليات الانتخابية في لبنان، والفصول الراقية والرائعة التي ميزت انتخابات لندن.
لا أتردد للحظة في القول إن المقارنة بين ما جرى في لندن، وما جرى وسيجري غدًا الأحد أيضًا في لبنان في سياق المسألة الانتخابية، هي كالمقارنة الصادمة بين البدائيات العصبية العمياء، عندنا وبين أرقى درجات الديمقراطية المدنية العلمانية في بريطانيا، وهو ما يدفع إلى الإحساس بالأسى والحزن، فها نحن نقرأ أجمل الفصول الراقية عن انتخابات المفخرة في بريطانيا، وفي الوقت عينه نواكب تفاصيل انتخابات المسخرة، التي جرت في بيروت وستنتقل إلى المحافظات تباعًا، لكن دائمًا وفق أداء معيب عند المرشحين والمقترعين على السواء... وكما تكونون يُولّى عليكم!
الذين تابعوا وقائع العملية الانتخابية في بيروت وبعلبك والهرمل تعرضوا على امتداد يوم الأحد إلى قصف تلفزيوني بتقارير سطحية كان محورها الوحيد الطائفية والمذهبية: أين يصبّ الصوت السنيّ، وكيف يتحرّك الصوت الشيعي، ولمن سيذهب الصوت الدرزي، وكيف سيتوزّع الصوت الماروني هنا والأرثوذكسي هناك، كيف ستتّجه أصوات العائلات، ولمن ستصوّت العشائر، وكيف ستتحرك القبائل، كيف سيرد العصب السني في بيروت، وهل ينجح العصب الشيعي في بريتال وعرسال، وكيف سيمزّق موارنة الأحزاب المارونية كاثوليك مدينة زحلة؟
هكذا تمامًا من دون أي كلمة واضحة عن البرامج والأهداف والخطط والرؤى التي على أساسها يفترض في المواطنين أن يقرروا لمن يقترعون في السلطة البلدية، في وقت ترتفع أصوات الكثيرين، مطالبة بتوسيع صلاحيات المجالس البلدية تمهيدًا لنوع من اللامركزية الإدارية الموسعة!
كان على المواطن اللبناني أن يتعرض لهذا القصف المعيب سواء من تقارير المحللين على الشاشات أو المراسلين من الأحياء والدساكر، إضافة إلى تعليقات بعض السياسيين أمام العدسات.
وكان علينا أن نتعرّق خجلاً وقرفًا، وخصوصًا أننا كنا مأخوذين بالدهشة والإعجاب أمام الرقي والتقدم الذي طبع عملية انتخاب صديق خان، وهو المسلم من أصول باكستانية وابن سائق الحافلة، محافظًا عن حزب العمال للندن أهم وأرقى مدن الأرض.
نعم مسلم محافظًا للندن ومتى؟
في زمن «داعش» و«القاعدة» ورغم جنون موجة الإسلاموفوبيا المتفاقمة، التي جعلت مهرجًا غوغائيًا مثل دونالد ترامب مثلاً يدمّر تاريخ الحزب الجمهوري الأميركي، ويلوّث صور الذين يصفقون له من ولاية إلى أخرى.
بكل معايير الديمقراطية المدنية الراقية يفوز صديق خان المسلم على الأرستقراطي اليهودي زاك غولد سميث وتصفق له بريطانيا، في وقت نستمع في بيروت إلى مفاخرة الكثيرين، وكيف أن أحزاب الموارنة هزمت الكاثوليك في زحلة عقر دارهم. تدهشنا لندن وتحبطنا التصريحات والتلميحات التي قالت ها هي الأشرفية بما فيها من الأرثوذكس تحاول أن تهز الأرض تحت أقدام سنيّة «لائحة البيارتة» فتعطي لائحة «بيروت مدينتي» المزيد من الأصوات، ليتحرك العصب السني فورًا تعديلاً للموقف، أما في المناطق الشيعية فلقد استعار تحالف «حزب الله» و«حركة أمل» شعار الرئيس سعد الحريري «زي ما هي» بمعنى أن الاقتراع كان للائحة الشيعية كاملة شاملة من دون تشطيب أو اجتهاد!
مسيحي، ماروني، كاثوليكي، أرثوذكسي، مسلم سني، مسلم شيعي، أبناء العائلات والعشائر والقبائل والعصبيات، هذا في لبنان الديمقراطي البرلماني على ما يقال، إذن تعالوا معنا إلى لندن يا سادة يا كرام:
1 - لقد قرأت تقريرًا من 600 كلمة على الموقع الإلكتروني لهيئة الإذاعة البريطانية عن نتيجة الانتخاب، ولم تشر مقدمته إلى ديانة صديق خان ولا إلى أصله الباكستاني، بل توسّع في سرد التاريخ المهني والسياسي للعمدة الجديد منذ تخرّجه في كلية الحقوق من جامعة في شمال لندن إلى توليه منصبين وزاريين في حكومة غولدن براون العمالية (2007 - 2010) ثم عضوًا في مجلس العموم.
2 - يقول العمدة الجديد: على مدى ربع قرن من العيش في لندن لم يسألني أحد عن ديانتي أو مذهبي، السؤالان الوحيدان اللذان سمعتهما: ما مهنتك وما جنسيتك، لم أشعر يومًا بأن الناس من حولي معنيون بديانتي أو حتى إذا كنت متدينًا.
ربما لهذا عندما بالغ منافسه زاك غولد سميث في القول إنه مسلم رد عليه بتغريدة قال فيها: «لا فائدة من صراخك طوال الوقت بأنني مسلم، فقد ذكرت هذا في كتب الدعاية التي قمت بتوزيعها»، في مكان آخر يضيف: «حسنًا أنا فخور بأنني مسلم وبأنني لندني وبأنني بريطاني من أصول باكستانية، وبأنني زوج ومناصر لفريق ليفربول.. أنا كل هذا».. لكن من يوقف التبصير في العالم العربي حول ما إذا كان خان سنيًا أو شيعيًا أو إسماعيليًا؟
3 - أهم من هذا أن أخت منافسه المدعوة جمايما سميث، وهي مطلقة لاعب الكريكيت الباكستاني عمران خان ثارت ثائرتها، وأعربت عن غضبها واحتقارها لكل ما نشر في محاولة لإلصاق صورة صديق خان بالمتطرفين الإسلاميين.
7 - حتى يوسي بيلين الإسرائيلي كتب مقالاً اعتبر فيه أن فوز خان يشكل حدثًا تاريخيًا، وأن من يعبر عن خشيته حيال هذا مخطئ، «لأن فوزه يشكل ضربة قاصمة لنظرية صموئيل هنتنغتون عن صراع الحضارات، ومن المؤكد أنه لن يقوم غدًا بفرض الحجاب على نساء لندن، إن فوزه يشكّل انتصارًا عظيمًا لروح الغرب ولروح الديمقراطية».
5 - صحيفة الـ«غارديان» وصفت فوزه بـ«التاريخي» و«المهم»، وخصوصًا في وقت بلغت فيه «الإسلاموفوبيا» ذروة جديدة في بريطانيا والغرب، صحيح أن فوزه لن يقضي على هذه الظاهرة مثلما لم يقضِ فوز أوباما على العنصرية في أميركا، لكنه يوفّر فرصة أمل على الأقل.
6 - إن الاهتمام في كثير من الأمكنة العربية بهذا الفوز يأتي انطلاقًا من إسلامية خان، لكنه انتصار للنظام الديمقراطي المدني العلماني الذي يجعل من الكفاءة والنزاهة والمعرفة والرصانة والصدق رصيدًا يتقدم على الجنس والمذهب والدين والعرق واللون، والسؤال مستمر عندنا صديق خان سني أو شيعي؟
7 - كلمة أخيرة: لو كانت الرياح حملت والد صديق إلى لبنان أو أي بلد عربي آخر، هل كان ليصبح اليوم أكثر من مجرد سائق حافلة أخرى، تنقل المحتفلين بهزيمة الكاثوليك في زحلة، أو بانتصار الشيعة في بعلبك والسنّة في بيروت؟.

عن الشرق الاوسط

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط