مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

أنا سعودي ولكن مختلف

أنا سعودي ولكن مختلف

تاريخ النشر: 2017-09-09 | 10:02

قبل أشهر، انطلقت حملة مقالات تدعو إلى اجتثاث تيار اتفق على تسميته «السرورية»، نعم إلى «اجتثاث»! كانت هذه الحملة الأخيرة في حملات سبقتها تدعو إلى اجتثاث تيارات أخرى، كل هذا نشر في صحفنا المحلية!

وقبل سنوات كانت هناك دعوات إلى اجتثاث الحداثة، بعد مقدمات وكتب ومقالات وخطب منبرية قالت إنها كفر أو مفضية إليه، ومثلها الليبرالية والعلمانية، وكل منهج لا يتفق مع منهج التيار المتشدد الذي ساد يوماً وتنمّر.

هنا الخصومة «في دائرة أهل السنّة»، وليست بين سنّة وشيعة، والتي أضحت الموضوع المفضل للداعين إلى التعايش، متجاهلين أن ثقافة الاجتثاث تجر بعضها بعضاً، ولا تقتصر على صراعات السنّة والشيعة، أو غيرهما من المذاهب، كما نتوقع مباشرة عندما نسمع مصطلح «التعايش المجتمعي»، وإنما ستمتد إلى كل الهويات.

كلنا نحمل أكثر من هوية، من دون هوية الوطن الجامع، ومع انعدام ثقافة التنوع، وتنمّر ثقافة الاجتثاث، سنتعصب لها ونمضي نجتث أو نقصي أو نحتقر كل من يختلف عنا ويحمل مثلنا واحدة من تلك الهويات الصغرى، (المذهب، العرق، المنطقة، المدينة والمحافظة)، بل حتى التوجه والاجتهاد السياسي.

لو استقر الأمر لمن دعا إلى اجتثاث هذا التيار وتصفية ذلك الاتجاه الذي يبغضه، ثم احتفل بالانتصار هو والجمع الذين يوافقونه ويحملون هوية أو أكثر تختلف عن هويته، ولكنهم اجتمعوا مصادفة على كراهية تلك التيارات الإسلامية، فسيكتشفون لاحقاً، بعدما قبلوا واستسهلوا مبدأ الاجتثاث والإقصاء، أنهم مختلفون أيضاً، ولا بد أن يجتث بعضهم بعضاً، فهذه النتيجة الحتمية للسماح لثقافة الاجتثاث والإقصاء.

الحل أن يدفع الإعلام، والمعلم وخطيب المسجد، ومن قبلهم جميعاً السياسي القائد، بثقافة التنوع و «حق الناس في الاختلاف»، ولي قصة مع هذه العبارة الرائعة «حق الناس في الاختلاف».

ففي يوم إثنين في ليلة رمضانية قبل سنوات، وتحديداً سنة 1429 (2009)، في عهد الراحل الملك عبدالله، كنت يومها رئيساً لتحرير «الوطن»، أتابع ليلتها بيان مجلس الوزراء، الصادر قبل قليل، استوقفتني عبارة ضُمنت في البيان في غير السياق المعتاد «أن المملكة تسعى دوماً إلى ترسيخ قيم الإسلام الأساسية، المتمثلة بالعدل والمساواة والتكافل والتسامح وحق الإنسان في الحياة الكريمة، وفي الحرية المسؤولة». حتى الآن لا جديد، فهو مضمون متفق مع ما عهدناه في السياسة السعودية، ولكن الجملة اللاحقة كانت جديدة تماماً: «وحق الناس في الاختلاف في حدود ما أباحته الشريعة، وأنه لا ضرر ولا ضرار». إنها لغة جديدة ومضمون مختلف، ما كنت أتوقع سماعه من عالم أو خطيب مسجد حتى لو أضاف إليه الجملة التحرزية «في حدود ما أباحته الشريعة»، فكيف وهي تأتي من أعلى سلطة في البلاد؟! بالتأكيد ما كان خادم الحرمين يعتمد تصريحاً كهذا إلا لينقله إلينا، نناقشه، ونتحاور حوله.

كان الراحل في تلك الفترة يقود عملية إصلاح، يعلم بثقل الجمود السابق، وتحسس القوى المحافظة من الجديد، ولكنه كان رحمه الله، كمعلم يخط على لوحة أمام تلاميذ بعض أفكاره الإصلاحية، مثل استخدامه مصطلح «تمكين المرأة»، ليمهد للمجتمع القبول بها شريكة في العمل، ودعوته إلى «شد الحزام» للتعبير عن مرحلة اقتصادية ليتها طالت، وأن «المملكة جزء من العالم ولا تنسلخ عنه»، لنتفكر في ضرر الانغلاق، ومثلها قوله رحمه الله «لا نستطيع أن نبقى جامدين والعالم من حولنا يتغير»، وجملته الشهيرة التي قالها في حفلة أهالي القصيم: «لا يتناسب مع قواعد الشريعة السمحة ولا مع متطلبات الوحدة الوطنية أن يقوم البعض، بجهل أو بسوء نية، بتقسيم المواطنين إلى تصنيفات ما أنزل الله بها من سلطان.. فهذا علماني. وهذا ليبرالي. وهذا منافق. وهذا إسلامي متطرف». عبارات ينثرها على اللوح كي يبني عليها المثقف ويناقشها ويعرضها على العامة، حتى تنساب بسلام إلى المجتمع بكل طبقاته.

بالفهم نفسه، تلقيت عبارة «حق الناس في الاختلاف»، فجعلتها «مانشيت» الصحيفة في اليوم التالي، تحدثت بعدها مع وزير الإعلام وقتذاك الأستاذ إياد مدني، وجرنا الحديث إلى بيان مجلس الوزراء، فعرفت منه أن الجملة ليست عابرة، بل مقصودة.

بعد أيام قليلة من البيان، كان موعد اليوم الوطني، وجرت عادة الصحف على إصدار ملاحق خاصة بذلك اليوم العظيم، كثير منها يقتصر على استعراض الإنجازات والتاريخ معاً، ولكن كنت أختار فكرة واحدة أبني عليها كل الملحق، فوجدت في عبارة «حق الناس في الاختلاف» ضالتي، وبسرعة تشاورت مع الزملاء، واتفقنا على شعار «أنا سعودي ولكن مختلف»، ليكون عنوان ملحقنا لليوم الوطني وشعاره. طلبت من كل كتاب الصحيفة، التي اشتهرت وقتها بقوة صفحات الرأي فيها، والذين كانوا يمثلون كل أطياف المجتمع، كتابة مقالة يعبرون فيها عن هويتهم الصغرى، وكيف تصب في نسيج الهوية الكبرى لتصنعه وتكمل صورته، من دون تعارض ولا تصادم. بدت المهمة سهلة وأنا أراجع ما يصل إلي من مقالات، فكرة التعددية، والتنوع ضمن الهوية السعودية الكبرى، كانت واضحة في ذهن كل من كتب: المتدين، ومن يصنف بالليبرالي، وأبناء شتى المناطق والمذاهب، لم يجد أي منهم غضاضة في الفخر بهويته الصغرى، أو توجهه الفكري والسياسي، مع إيمانه بالوطن السعودي وانتمائه إليه. شارك معنا حتى «السعودي» الذي لا يحمل هوية سعودية رسمية، ولكنه سعودي الهوية والهوى، إذ نشأ وتعلم فيها، وساهم في ثقافتها وأدبها وفكرها، لم يستطع أن يرى نفسه إلا سعودياً، وأقصد الزميل والصديق محمود تراوري، الذي لم نعرف أنه ليس سعودياً إلا يوم أرسل مقالته، لم يتردد هو في كتابتها ولم نتردد نحن في نشرها.

ظهر الملحق، في صفحته الأولى «مانشيت» عريض: «أنا سعودي... ولكن مختلف»، أخذت في تلقي اتصالات الثناء، من أمراء ووزراء ومثقفين، الجميع أعجبتهم الفكرة، إذ جاءت في وقت حراك، واكتشاف للهويات والاتجاهات، وأيضاً مفهوم «الوطن» فكان مريحاً لهم أنه على رغم تعددنا إلا أننا جميعاً «واحد».

اعتقدت أنني أحسنت صنعاً، ودفعت بفكرة الترويج لثقافة التنوع في المجتمع، وحملت فكر الراحل، عندما عمد وزير إعلامه إلى أن يسطر في بيان أعلى سلطة تنفيذية في البلاد جملة: إن المملكة تحفظ «حق الناس في الاختلاف».

بعد أيام، وقعت الواقعة، جاءتني من لجنة الشكاوى الإعلامية في وزارة الثقافة والإعلام، دعوى مرفوعة من هيئة الادعاء والتحقيق، تتهم الصحيفة ورئيس تحريرها وكل من شارك في الكتابة بالملحق أنهم بما فعلوا وكتبوا ونشروا إنما يهددون الوحدة الوطنية ولحمة الوطن! هل هم جادون؟ سألت، كانت شكوى رسمية، اضطررنا بعدها إلى سلسلة مكاتبات ومرافعات، أتمنى لو تنشر يوماً، نحاول أن نؤكد فيها أن ما فعلناه يصب تماماً في إثراء الوحدة الوطنية لا تفتيتها. تركت «الوطن» ونحن على وشك أن نخسر القضية، إذ إن اللجنة القضائية مالت إلى رأي هيئة الادعاء والتحقيق.

الشاهد في القصة السابقة، أن بيننا مسؤولين، وربما مثقفين وعلماء دين، لا يزالون يرون أن التنوع غير صحي، وأن المجتمع السليم يجب أن يكون صورة متطابقة في الرأي والمعتقد، وهي نظرية فشلت حتى في أكثر الدول الشمولية عتياً، وما نحن بدولة شمولية.

المهمة لا تزال صعبة، وقبل أن نطالب الكاتب والإعلام والتربوي بنشر هذه الثقافة، يجب أن نؤمن بها، نحميها بنظام، لا نحتفل بها في شتى المناسبات، ثم نفتك بها عندما تعبّر عن نفسها، والأهم ألا يدعو من يزعم أنه مثقف إلى «اجتثاث» الآخر الذي يختلف معه.

* كاتب واعلامي سعودي

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط