مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

أم حسن، اسم للقدس (المتوكل طه)

أم حسن، اسم للقدس (المتوكل طه)

تاريخ النشر: 2015-02-20 | 23:31

وصل الصوت إلى الطرف الآخر عبر الهاتف المحمول المُهرَّب سرّاً من تحت عيون السجّانين.

قال حسن: عظم الله أجرك، لقد ماتت الحاجة، أخي عمر.. ماتت الوالدة، شدّ حيلك.

***

صراخ مكتوم ينفجر وراء الخرسانة المتجهّمة، فتطير قلعة السجن، وتتفلّع الجدران، ويتشقّف السقف، ويتعرّى القيد على ذراعي الغضب الغولي الذي يفتّت الكلبشات الحديد، ولم يتهاطل الدمع سخياً خشناً على وجه السجين، بل حمحمات ألف حصان ناري يتفلّت من جسد عمر لتشقّ العتمة الصلدة.

ربما تنهنه وانطوى، وسمح لعينيه لتذرفا زهر الحزن المخضلّ بالفجيعة، وربما جاح وناح ولفّت به أرض الرطوبة والبرودة.

يمدّ يده لقضبان الزنزانة، فهي الوحيدة التي شهدت الموقف معه، ومن واجبها أن تقدّم له العزاء، وقد فعلت.

ولرامز العايدي، الفلسطيني الذي اعتقل وهو قادم من لبنان الثورة في دورية إلى الوطن المحتل، وصارت أم حسن أُمَّهُ بالتبنّي، أن يدلح كل مياه رأسه الموجوع المليء بذكريات تلك المرأة، التي لم يعرفها من قبل، وانتصبت أمامه وقالت له: أنت ولدي منذ اليوم، وأنا أمّك، حتى تتحرر. ولمحمد ابن مخيمات الأردن الذي وجد فيها والدته الباكية تحت زنك مخيم الوحدات، ولم تتمكن من رؤيته في ملابس السجن الكابية، وقالت له أم حسن: يا ولدي أنا أمُّك التي لن تبكي، لتخرج وتعود ثانية إلى عروسك المنهوبة. لمحمد، الآن، أن يضع رأسه بين كفّيه ويشهق بماء النار. وللقدس أم الرايات والأسوار والنايات والشجر والشرفات وأكاليل الدم الحرّ، وسيِّدة البرق والأغاني والهتاف العنيف في وجه الغزاة، ووالدة الأقواس والزفّات الساخنة والعيون النافذة وشبابيك الصلاة... للقدس الثائرة الحائرة، المجبورة المكسورة، الهادرة النادرة، الجديرة بالشهداء وأمّهات المواقد والسكّر المحترق على الطرقات، لهذه المدينة العاصمة القاصمة، الصابرة المثابرة، المغدورة من إخوتها الثملين على الجفنة الباردة، ولهذه البيوت والطرقات والحجارة الأقمار.. أن تطوي ثنيات قلبها على أم حسن، وتمجّها مثل زهرة الجمر، وتنفثها نيازك تتناثر في سماء أم المدائن الزاهرة الأنيقة الشقراء، العروس التي لم تجد لها ندّاً من الرجال سوى أولادها، الذين يحملونها على أكتفاهم جدائل عاصفة، وأعراف أسطورة فذّة، فوق صدورهم العارية، في مسيرتهم الحاسمة نحو الخلاص.

استشهدت أم حسن، وابنها المناضل الجسور عمر شلبي في زنازين المجرمين ومعه ولده إياد، ليعلم القاصي والداني أن أهل المدينة العاصمة إما في السجون وإما في الرباط وإما في الاعتصام وإما في مقبرة الرحمة أو اليوسفية.

إذاً، من حقّي أن أبكي أمّي.. أم حسن نيابة عن أخي عمر، ومن حق ولدي أن يجهش على قبر جدّته ويبلله بدمعة كاوية.

وللقدس أن تجد نبعاً جديداً في جسدها يمدّها بما يليق من ماء يصلح للبكاء، وَلَهاً على لحظة واجبة الوجود، يكون فيها الأسير في حضرة أمه الملفّعة، والذاهبة إلى الأبدية الغائمة.

وأم حسن، الشهيدة بامتياز، لم يحتمل قلبها ما احتشد من أسى وغضب وأسف، على ما يجري في القدس، خاصة في فضاء المسجد الأقصى، فلم يحتمل ما رأى، فانفجر بين ضلوعها، فماتت.

اليوم، تنخلع زيتونة من مصاطب قبة الصخرة. واليوم، وبعد أن صلَّت كل القدس عليها داخل ثاني المسجدين، انتبهوا أن النارنج وأشجار الحرم كانت تؤمِّن وتنحني وتبكي معهم على رفيقتهم أم حسن.

ولحيّ الواد العميق، أخدود الشمس والشهد والصهيل، وأزرار الكرز الوهاجة، ومهبط الباعة بحمولة الفجر والندى، وشقحة القمر.. أن يرفع ملصق الشهيدة أم حسن، ليلهث طفل بحقيبته الملوّنة بالحصى والأعلام، على رصيف الممرّ العابق بالقرون والقرنفل، وأمام ناظرهِ أيقونة الأرض بملامحها السمسمية، وثوبها المريميّ الموشوم بعروق الزهراء الذهبية.

وللقدس، كتاب السماء وصحن الربيع ووشاح الشمس وبسملة التراب وسلالم الأنبياء ودرج النجوم والحبق والبلور وقناديل الأندلس وجراح الناي وبخار الكوانين الشهية والزعفران، وياقوتة الصباح وغزالة التاريخ، والتكايا والزوايا وحيطان الأزقة والحارات.. للقدس أم الأناشيد ورقصات الحليب في الليل، وسحاب الوسائد وأحلام المراجيح والأعياد، لها أن تقبل قُبلتي على اليد التي مسّدت حجارة البلدة القديمة، وربّت الأبواب، وعانقت الأعمدة والشواهد، وتناسخت غيماً في كل دار.

ولإيلياء اليتيمة، وليبوس العظيمة، لقابلة الصنوبر والزيتون والشجن أن تفرش حنّون تلالها من المُكبّر حتى المآذن والجرسيّات، طريقاً للبُراق، ليعود، ثانيةً، يحمل أم حسن، ويتباهى على الكون بخيّالة الرعد الطاهر، التي ألقت ظهرها النبيل على جداره وصدّت اهتزاز الشيطان وتجاعيده، وأبقت أعشاش النبات ممرعاً بأسماء الحق المنيع.

وللقدس أن تفتح كفّ أم حسن وهي مسجّاة مطمئنة، لتجد مفتاح بيت أبيها في القطمون غرب القدس المُضيّعة، وفي تلافيف صدرها كوشان الدار والعليّة الحجرية البيضاء.

وللقدس، ستّ الأرض الأحلى والأكمل، أن تعمّم صورة ذراع أم حسن، بعد أن وشمت البلابل بمناقيرها أسماء الشهداء والجرحى والأسرى واللاجئين على سواحلها الممتدة الصلبة.

وللقدس ابنة العبقرية الأزهى والأعمق أن ترسل تسجيلات صوت أم حس، ليكتشفوا أن فيه صوت القتلى، ونداءات الساحل الطويل الغريب والبحر العاشق، وأعراس ليمونة الحيّ.

أم حسن اسم آخر يليق بالقدس، وحلم ينبغي أن تراه العيون، لينجلي المشهد كاملاً بكل دمه وزغاريده ومناديله الراعفة.

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط