مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

آمنة: نبضُ القلب.. رَحيلُ الذاكرة!

آمنة: نبضُ القلب.. رَحيلُ الذاكرة!

تاريخ النشر: 2016-10-11 | 21:44

غرفةٌ زجاجية في أحد مشافي عمّان، سريرٌ وأجهزة، نوم عميق يحاول دَسّ أظافِرَه تحت التراب.. وفجأة أفتحُ عيوني في غرفة نشر الضوء أشعته مبدداً الظلام فيها، للحظات شعرت أنني هي! كأنها استيقظت من غيبوبتها.. احتفظتُ بهذا الشعور أحاول تَحَسّس زجاجَ المشفى في سماء غرفتي، دون جدوى. فأنا لستُ هي!

في الليلة التالية كنت أقف خلف الزجاج الحائل بيننا، فيما تنام هي وتنبض كلّ أجزائها بالحياة، أما الذاكرة فساكِنَةٌ راقِدة على كنز من القصص التي لم يتسع العمر ربما لتحكيها بعد! وقفت أتأملها في ليلة لم تكن إلا حُلُماً..

في صورتها كان الوطن، وفي كلامِها مزيجُ الحزنِ بالفرح، وفي هيئتها طفلةٌ رقيقةٌ لا تتعدّى الثانيةَ عشر،  مفعمةً بقوةِ الكبار، والتي استمدتها من اللجوء دون أن تختار ذلك. ساقاها متوثبتان دائماً تماماً وكأنها تركض حاملة والدي ابن العام ابان النكبة، تحت هدير الطائرات الصهيونية والرصاص، تركض منذ ذلك الوقت الذي لم تعد فيه قريتنا عنابة موجودة مكاناً لكنها باقية روحاً. رسمَ الاحتلالُ شكلاً جديداً قاسياً لحياتِها.. آمنة الطفلة كَبُرت ذاكرتها كثيراً، تزوجت بعد اللجوء مباشرة، ثم هاجر زوجها عشر سنوات ليعمل خارجاً، قبل أن يعودا وينتشلها من حياة المخيم القاسية، ثم توفي ليتركها بقوة القدر وحيدةً ربعَ قرن. عمتي هي روايتي الأولى، هي البطلة وهي الشعب، هي الابنة البكر لجدي لذا اختارتها جدتي أثناء اختبائهم في أحد الكهوف مع عدد من أهالي القرية والقرى المجاورة، لتحضر بعض الأكل من القرية فالناس جاعت.

عادت في طريق موحشة، قالت عمتي: لا بس سايرٍ ولا وحشٍ سادر.....

أخبرتها جدتي أن تصعد ظهر عن الطابون فلا تدخل من الباب، أعدت طبقاً من البامية بالبندورة والتي لم تعرف كيف ومتى ينضج، ووسط هذا السكون المخيف في المكان، قررت دق الطعام بالملعقة فنضج بسرعة حملته وعادت إلى المغارة. آمنة قد تكون آخر من وطئ أرض القرية وودعها، بل وقامت بإطعام الدجاجات في باحة البيت.. ليتسلمه الغرباء وجبةً دَسِمة! كانت أشهى "طبخة بامية" للجائعين المُهجّرين قسراً آنذاك. بقيم طعام عمتي مختلفاً فهي حتى حين تُعد الفطور من "حواضر" البيت تكون الأطباق لذيذة، في يديها مسحة دفء لا يجيدها أحد غيرها.

 تلك هي عمتي التي رحلت ذاكرتها أولاً فيما القلب نابض.. معها تصبح الغيوم دافئة، وينسحب الضباب، تسحل قطرات الندى بهدوء من أوراقِ الورود، يَفوحُ الياسمين، تَنغَمِس الجذور في التراب، تلوحُ في الأفق رؤيا الحرية، وفي غيابِها نمتليء بالسواد، يَئِن حتى السواد، تتسع مساحة المحيط دموعاً لا تستطيع إعادتها، وكي لا يحل كل هذا الظلام، بقي قلبَها نابِضاً.

أصرّ الأطباء أنها ماتت سريرياً وأنها حسب المؤشرات الطبية قد تغادر الحياة في أي وقت. وهكذا عاشت بِقًلبها سبعةَ أيامٍ "تُربي الأمل فينا"، بل كان الأمل يصرخ ويقفز كل حين، ثم يسافر في رحلة بعيدة قاسية ونستحضره بأعجوبة، نبضاتٍ تٌربي رغبتنا في محاكاتها ولو لمرة واحدة قبل الرحيل، رغبةٌ رافضة لغيابها... أملٌ أسطوري مجنون عابث رافضٌ للغياب بكل ألوانه.. وبرحيلها تعلّمتُ أنه يمكن للحب أن يعيش كثيراً.

حان موعد مراسم الدفن والجنازة في عمّان، وكنت من فلسطين استشعر المراسم، وكل الوجوه، رسمتُ هيئتها الأخيرة، كان وجهها الأكثر حيوية بينهم، ثم توقفت عند مشهد دخولي إلى عمان بعد غيابها، اعتدتها أن تكون حاضرة مستقبلة ومودعة ومرحبة معاتبة ومشاكسة كالمعتاد. وأعترف أنني أُحِبها في كل حالاتها، وأحب جلبابها وكيس الدواء والمسبحة الفستقية، أحب النوم إلى جانبها، طعامها الذي تُعده بيديها الحانية وأصابعها القصيرة الممتلئة، فيها لذة الفقر والغنى، اللجوء والاستقرار، إلى أن أعود من عندِها مُحَمّلة بالقصص، سعيدة بكل هذا التوق الذي تحيط به الآخرين، معها لا أشتاق لأحد.

قهرنا غيابُ الذاكرة، وفكرة أنها قد تبقى لأجل غير معروف راقدةً أمامنا، تذوب ونحن عاجزين. قهرَني مشهدُ نومِها، وعدم تفاعلها مع المحيط، قهرَتني يدها التي أينما وضعها الأطباء تبقى كما هي، قهرني السرير والغطاء، والأجواء المعقمة والحذِرة. لقد صنعنا أملاً آخر ليس من قلبها الحي فقط، بل من تَوقها وتطويقِها لنا بِحُبها المتوحِد بنا.

في اتصالي الأخير بعمتي، أطلقَت عبرها كل ضحكاتها وأحاديثها إلى أبعد آفاق الفرح، حتى أن من حولي تسائل مع من أضحك؟ فهل من المعقول أنني أتحدث مع الحاجة الثمانينية. لقد فتحت أبواب أحاديث كثيرة عبر الهاتف، قالت إنها سعيدة بتحسن حالتها الصحية بعد العملية الأخيرة، وشكت من حُرقٍ في ساقها يأبى أن يندمل. وكالعادة انتهى الاتصالُ بسلامٍ إلى كل العائلة الصغيرة والكبيرة والزوج وأهله. ملأتني بالروح، واستطعت أن أوقف تساؤلاتي ومخاوفي من كل هذه السعادة.

توفيت بطلةُ روايتي "نسمات باردة" التي روت لي تفاصيل اللجوء من عنابة إلى كل بقاعِ الأرض، هي ربما آخر المعمرين الشاهدين على حكاية البلدة.

كم سأشتاق إلى ضمتها القاسية والحنونة، ورائحتها المعجونة بالحناء، المجبولة بالحب، والمُتقدِة بالأمل..

لا شيء يُعزيني ولا حتى طيفها يكفيني ..

لا شيئ يُعزّيني، بل هناك وطنٌ يواسيني..

أطلب لها الرحمة.. وسأحاول تلمس الرحمة لي أيضاً لعل جُرحي على غيابها يلتئم يوماً. ولا يلتئم إلا بها..

وداعا عمتي.. 

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط