مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

اليرموك... حين تصبح العودة بداية الطريق لا نهايته

اليرموك... حين تصبح العودة بداية الطريق لا نهايته

تاريخ النشر: 2026-07-17 | 12:29

مازن أبو العلا
مازن أبو العلا

ليس من السهل أن يعود الإنسان إلى المكان الذي غادره تحت وطأة الحرب، ولا أن يقف أمام منزله الذي غاب عنه سنوات طويلة وهو يدرك أن ما استعادته قدماه لم تستعده الذاكرة بعد. لذلك، فإن الإعلان عن عودة نحو 45 ألف شخص إلى مخيم اليرموك، بالتزامن مع حديث وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) عن تحسن أوضاع الفلسطينيين في سوريا، لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد رقم جديد في نشرات الأخبار، بل باعتباره مؤشرًا يحمل في طياته أبعادًا إنسانية وسياسية تتجاوز حدود المخيم نفسه.

 

لقد تحول مخيم اليرموك، الذي كان يوصف لعقود بأنه "عاصمة الشتات الفلسطيني"، إلى أحد أبرز رموز المأساة السورية. فمن حي نابض بالحياة والتعليم والتجارة والثقافة، أصبح ساحة للقتال والدمار والنزوح، وغادره عشرات الآلاف بعدما فقدوا الأمن والمسكن ومقومات الحياة. واليوم، عندما يبدأ جزء من هؤلاء في العودة، فإن المشهد يبعث برسالة مختلفة؛ مفادها أن الإنسان يظل مرتبطًا بجذوره مهما طال الغياب، وأن فكرة الوطن الصغير لا تموت حتى وإن تهدمت جدرانه.

 

لكن العودة، مهما بدت مشجعة، لا ينبغي أن تُختزل في بعدها الرمزي وحده. فالعودة الحقيقية ليست مجرد فتح أبواب المنازل، وإنما استعادة دورة الحياة كاملة. فالأسرة التي تعود تحتاج إلى كهرباء ومياه ومدارس ومستشفيات وفرص عمل، قبل أن تحتاج إلى مفاتيح المنزل. كما أن الأمن الاجتماعي لا يقل أهمية عن الأمن الميداني، لأن الاستقرار لا يصنعه غياب السلاح وحده، وإنما تصنعه أيضًا القدرة على العيش بكرامة وبناء مستقبل يمكن الوثوق به.

 

ومن هنا تكتسب تصريحات الأونروا أهميتها. فالحديث عن تحسن ظروف الفلسطينيين في سوريا يمثل اعترافًا بوجود تطورات إيجابية مقارنة بسنوات الحرب الأكثر قسوة، لكنه في الوقت نفسه لا يعني أن الأزمة انتهت أو أن آثارها قد زالت. فسنوات النزاع خلفت أعباء اقتصادية واجتماعية هائلة، وألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية، كما عمقت معاناة اللاجئين الذين وجدوا أنفسهم يعيشون بين لجوء قديم فرضته نكبة فلسطين، ونزوح جديد فرضته الحرب السورية.

 

وتبقى هذه الازدواجية من أكثر الجوانب تعقيدًا في القضية الفلسطينية داخل سوريا. فالفلسطيني هناك لم يكن مجرد شاهد على الصراع، بل أصبح أحد المتأثرين المباشرين به، رغم أنه لم يكن طرفًا فيه. ولذلك فإن أي تحسن في أوضاعه لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره شأنًا إنسانيًا محليًا فحسب، بل باعتباره جزءًا من مسؤولية دولية تجاه مجتمع لاجئ يحمل أعباءً تراكمت عبر عقود طويلة.

 

كما أن إعادة إحياء مخيم اليرموك تحمل بعدًا يتجاوز إعادة إعمار الحجر. فالمخيم لم يكن مجرد تجمع سكني، بل كان مساحة اجتماعية وثقافية حافظت على الهوية الفلسطينية في الشتات، وأسهمت في تخريج أجيال من الأطباء والمهندسين والمعلمين والمثقفين. ولذلك فإن إعادة الحياة إليه تعني أيضًا استعادة دور اجتماعي وثقافي ظل حاضرًا في الوعي الفلسطيني لعقود، وهو ما يجعل الاستثمار في إعادة تأهيل المخيم استثمارًا في الاستقرار الإنساني قبل أن يكون مشروعًا عمرانيًا.

 

غير أن نجاح هذه العودة سيظل مرهونًا بوجود خطة طويلة الأمد، تتكامل فيها جهود الدولة السورية مع المؤسسات الدولية والجهات المانحة. فالتعافي لا يتحقق بقرارات سياسية وحدها، ولا بالمساعدات الإنسانية وحدها، وإنما يحتاج إلى رؤية تنموية تعيد الثقة للسكان، وتوفر بيئة اقتصادية تسمح للعائدين بالبقاء، لا أن تتحول العودة إلى محطة مؤقتة يعقبها نزوح جديد.

 

إن التجارب العالمية أثبتت أن أصعب مراحل الحروب ليست لحظة توقف القتال، وإنما السنوات التي تليها، حين تبدأ المجتمعات في مواجهة آثار الدمار وإعادة بناء الإنسان قبل المباني. ومن هنا، فإن الأرقام التي تتحدث عن عودة عشرات الآلاف إلى اليرموك ينبغي أن تكون بداية لمسار أوسع، لا نهاية لقصة المعاناة.

 

فاليرموك اليوم لا يحتاج إلى الاحتفاء بعودة سكانه بقدر ما يحتاج إلى ضمان استمرار هذه العودة وتحويلها إلى حياة مستقرة ومنتجة. وعندما يصبح الطفل قادرًا على الذهاب إلى مدرسته، والطبيب إلى عيادته، والعامل إلى عمله، والأسرة إلى منزلها دون خوف أو قلق، يمكن عندها القول إن المخيم بدأ يستعيد روحه بالفعل. فالأوطان لا تُقاس بعدد من يعودون إليها فقط، وإنما بقدرتها على منح العائدين سببًا حقيقيًا للبقاء.

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط