مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

الوزير اليهودي المُنصف الذي عارض وعد بلفور

الوزير اليهودي المُنصف الذي عارض وعد بلفور

تاريخ النشر: 2017-10-22 | 13:36

«إن مجرد رغبات 700000 عربي (في فلسطين) لا أهمية لها بالمقارنة مع مصير حركة استعمارية أوروبية في جوهرها (أي الصهيونية)». هذا بعـض مما قاله وزير الخارجية البريطاني جميس آرثر بلفور في معرض دفاعه عن الوثيقة المشؤومة التـي أصدرها سنة 1917 وحملت اسمه، وجسدت العنصرية البريطانية الأوروبية الاستعمارية بأبشع صورها. عكس «وعد بلفور» المزاج والثقافة السياسية الاستعلائية السائدة آنذاك، سواء في لندن أم في بقية العواصم الأوروبية تجاه «المستعمرات وشعوبها». على الضد من هذا النفس الاستعماري الكريه كان ثمة أصوات نادرة التزمت بقيم ومبادئ ونظرة أخرى مغايرة، لكنها بقيت مع الأسف في الظل ولم يكن لها تأثير في صلب السياسة البريطانية، ولم تتمكن من إيقاف حركة تهويد فلسطين. وعلى رأس هذه الأصوات النادرة يقف إدوين صامويل مونتاغو، الوزير في الحكومة البريطانية لشؤون الهند، بين سنوات 1917 و1922، والذي كان الوزير اليهودي الوحيد في الحكومة. مونتاغو اعتبر الصهيونية حركة لا سامية وسوف تقود إلى دمار اليهود، وتمت محاربته من قبل حاييم وايزمان والقادة الصهاينة في بريطانيا وأوروبا في تلك المرحلة، والذين كانوا يعملون بلا هوداة لانتزاع ذلك الوعد المشؤوم من بريطانيا ويحشدون الدعم الأوروبي والأميركي له. كتب مونتاغو يصف الصهيونية ومشروعها كالتالي: «لطالما بدت الصهيونية لي عقيدة سياسية خبيثة، يتعذر الدفاع عنها من قبل أي مواطن غيور. ولطالما كنت مُقنعا بأن هؤلاء الذين انخرطوا في هذه العقيدة (الصهيونية) قد دفعوا إلى ذلك بسبب الحرمان من الحرية والقيود التي فرضت على اليهود في روسيا. لكن في ذات الوقت الذي أُعترف فيه باليهود كيهود روس ومنحوا كل الحريات، فإنه يبدو من غير المعقول أن يتم الاعتراف بالصهيونية من قبل الحكومة البريطانية، وأن يقوم السيد بلفور بالتصريح بأن فلسطين يجب أن تكون وطناً قومياً للشعب اليهودي».

بعد أقل من أسبوعين من اليوم وتحديداً في الثاني من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) تكون قد مرت على تصريح بلفور مئة سنة بالتمام. سيظل هذا التصريح محطة سوداء في تاريخ الكولونيالية البريطانية، وما تناسل عنها من جريمة بحق الشعب الفلسطيني والمنطقة برمتها، حيث رُحلت إليها المسألة اليهودية التي ولدتها العنصريات واللاساميات الاوروبية الدفينة والظاهرة. توسطت سنة إصدار وعد بلفور، أي 1917، فترة الحرب العالمية الأولى التي استعرت فيها التحالفات السياسية والعسكرية والصفقات السرية والعلنية والمعاهدات الدائمة أو تلك الخادعة وإلى جانبها الوعود التي تنثرها الدول الكبرى على الأطراف المتنافسة أو الطامحة بأمل كسبها إلى جانبها في الحرب. لعبت الصدف وتقاطعات المصالح المختلفة لمنفعة الحركة الصهيونية في شكل مُذهل. استراتيجياً، كانت بريطانيا تريد الحفاظ على فلسطين في أيديها مباشرة أو عبر إيداعها في عهدة الحركة الصهيونية المتحالفة معها، قطعاً للطريق على فرنسا وإبقاء الأخيرة بعيدة من قناة السويس، وخداعاً لها عبر السيطرة على فلسطين رغم غموض وضعها في اتفاقية سايكس بيكو التقسيمية سنة 1916. دينياً، التقت فكرة عودة اليهود إلى فلسطين المُتجسدة في وعد بلفور مع المسيحانية الأخروية التي تشترط الظهور الثاني للمسيح بتلك العودة، وبذلك ضمت الصهيونية شرائح عريضة مؤيدة في أوساط ما صار يُعرف بالمسيحية الصهيونية. وتحالفياً، بدت فكرة إقامة وطن لليهود في فلسطين مُعززة للتحالف الروسي البريطاني الذي بدا على وشك التفكك بعد الثورة البلشفية لجهة إرضاء متنفذي اليهود وضمان ضغطهم على الحكومة الروسية الجديدة للبقاء في الحرب إلى جانب الحلفاء، ومن ناحية اخرىيضمن ذلك الوعد دعم اليهود الاميركيين في واشنطن ومضاعفة جهودهم لجر الولايات المتحدة للانخراط في الحرب، إلى جانب بريطانيا وحلفائها. أما انتدابياً ودولياً، فقد عملت بريطانيا بسرعة هائلة على تحويل تصريح بلفور إلى وثيقة قانونية في السنوات الأولى لـ «الانتداب»، ومررت فكرة إقامة وطن قومي لليهود عبر عصبة الأمم، بحيث أصبحت الوظيفة الاساسية المُناط بها الانتداب البريطاني على فلسطين تسهيل قيام وطن قومي ودولة يهودية في فلسطين. وسط كل هذا الجنون الدولي الذي توافق على جريمة تدمير شعب فلسطين وسرقة أرضه ومنحها ليهود العالم كان الغائب الاكبر هو ذلك الشعب ومن يمثله ومن كان يزعم الدفاع عنه من حكومات وقادة عرب. سادت لغة المصالح الاستراتيجية والوعود الخادعة والكذب، حتى لو أدى ذلك إلى سحق شعوب وخراب أوطان.

على الضد من الانحطاط الأخلاقي والسياسي الذي مهد الأجواء لتصريح بلفور وانتجه وصنعه، ارتفع صوت مونتاغو المنفرد وارتفعت نبرته واعترض على الجريمة التاريخية قيد التصنيع. مونتاغو كان معروفاً بليبراليته القاطعة ومعاداته الواضحة للصهيونية رغم التزامه الطقوسي باليهودية. وكان يرى في الصهيونية حركة تخريبية ومؤذية لليهود واليهودية وتعمل على تدمير مشروع إندماج اليهود في أوروبا والمجتمعات القومية التي ينتمون إليها ويحب أن تتعزز مواطنتهم فيها. كما وصف السياسة البريطانية باللاسامية، بسبب تأييدها قيام وطن قومي لليهود في فلسطين يُرحلون إليه من البلدان الأوروبية والعالم أجمع، لأن هذه الفكرة وفق ما شرح تعني إقامة غيتو يهودي كبير في فلسطين على حساب أهلها الأصليين وسوف يتسبب في تعزيز العداء لليهود في العالم.

في 23 آب (أغسطس) سنة 1917 كتب مونتاغو مذكرة شهيرة من عدة صفحات إلى الحكومة البريطانية بعنوان «حول ولا سامية الحكومة الحالية»، انتقد فيها سياسة الحكومة المؤيدة لفكرة إقامة وطن لليهود في فلسطين، وانتقد سياسة وتوجهات وزير الخارجية آنذاك جميس بلفور. وتستحق هذه الوثيقة بالغة العمق المزيد من الاهتمام، لأنها تقدم اهم إدانة تاريخية ومبدئية للموقف البريطاني الاستعماري إزاء فلسطين وتخليق دولة يهودية فيها. وتالياً بعض الفقرات من الوثيقة:

«... لا أعرف ماذا يتضمن هذا (الوطن القومي لليهود في فلسطين)، لكني أفترض أنه يتطلب من المحمديين (المسلمين) والمسيحيين التنحي جانباً، وإفساح المجال لليهود الذي سوف يخلفونهم في كل المواقع ويتميزون بعلاقتهم مع فلسطين كما يتميز الإنكليز في علاقتهم مع إنكترا، أو الفرنسيون مع فرنسا، ويُعامل الأتراك والمحمديون الآخرون كأجانب في فلسطين بالطريقة ذاتها التي يعامل فيها اليهود في كل البلدان الأخرى ما عدا فلسطين. وربما سوف تُمنح المواطنة تبعاً لاعتبارات دينية. وإنني أشدد هنا على أربعة مبادئ:

- أؤكد أنه ليس هناك شعب يهودي nation)ewishJ) ... لا يمكن القول إن اليهودي الانجليزي واليهودي الموريسيكي (الاسباني) ينتميان إلى نفس الشعب إلا إذا قلنا إن المسيحي الإنكليزي والمسيحي الفرنسي ينتميان إلى الشعب ذاته ...

- عندما يُقال لليهود إن فلسطين هي وطنهم القومي فإن كل بلد (في العالم) سوف يرغب على الفور في التخلص من مواطنيه اليهود، وسوف تجد في فلسطين مجموعة سكانية تطرد السكان الحالين وتأخذ أفضل ما في البلد (فلسطين) ...

- إنني أنفي فكرة أن فلسطين مرتبطة اليوم باليهود أو اعتبارها المكان الملائم لهم للعيش فيها. إن الوصايا العشر تنزلت على اليهود في سيناء. صحيح أن فلسطين تلعب دوراً كبيرا في التاريخ اليهودي، لكنها تلعب الدور ذاته في التاريخ الحديث للمحمديين، وبعد زمن اليهود في فلسطين فإنها تلعب دوراً في التاريخ المسيحي كما لا يلعبه أي بلد من البلدان...

- (بعد حديث عن النجاح النسبي والتدريجي في اندماج اليهود في أروروبا كمواطنين في دولها يتابع مونتاغو قائلاً) ... لكن عندما يمتلك اليهودي وطناً قومياً، فإن ما يترتب على ذلك هو مبررات حرماننا (كيهود) من حقوق المواطنة البريطانية سوف تزيد. فلسطين ستصبح الغيتو العالمي (لليهود). لماذا يمنح الروس اليهودي حقوقاً كاملة، ووطنه القومي هو فلسطين؟

ثم يختم مونتاغو مذكرته بمناشدة الحكومة عدم الخضوع لضغوط الحركة الصهيونية، ويقول: «إنني أشعر بأن الحكومة يُطلب منها أن تكون أداة لتنفيذ رغبات حركة صهيونية تدار في شكل عام، ووفق معلوماتي، عبر رجال من أصول أو أماكن ميلاد معادية، وهذا يعني توجيه ضربة قوية إلى الحريات، والموقع، وفرص الخدمة لليهود الآخرين المواطنين في بلدانهم. إنني أقول للورد روتشيلد إن الحكومة مستعدة للقيام بكل ما في طاقتها من أجل تأمين الحرية الكاملة لليهود للاستيطان والحياة في فلسطين على قدم المساواة مع سكان ذلك البلد الذي يتبعون أدياناً أخرى. ولكني أطلب من الحكومة أن لا تقوم بما هو أبعد من ذلك».

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط