مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

النظام الدولي يحتضر: غزة الشاهد والشهيد

النظام الدولي يحتضر: غزة الشاهد والشهيد

تاريخ النشر: 2026-01-13 | 14:33

في لحظة دولية تتسع فيها بؤر الاشتعال من غزة إلى السودان، ومن سوريا واليمن إلى أوكرانيا، يبدو العالم وكأنه يدخل مرحلة انفجار متزامن للأزمات، لا بوصفها أحداثًا منفصلة، بل كنتيجة مباشرة لانهيار منظومة إدارة الصراعات التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية. وفي قلب هذا المشهد المأزوم، تعود واشنطن، مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لتطرح فكرة «مجلس السلام» كأداة جديدة لإدارة النزاعات، بدأت بغزة، مع إشارات متزايدة إلى إمكانية تعميمها على ملفات دولية أخرى، كأوكرانيا وربما فنزويلا.

غير أن السؤال الجوهري لم يعد مرتبطًا بمدى قدرة هذه الآلية على إحداث اختراق في ملف بعينه، بل بات أعمق وأكثر إلحاحًا، وهو هل تستطيع الولايات المتحدة إعادة هندسة إدارة الصراعات العالمية منفردة، ومن دون تنسيق حقيقي مع القوى الدولية والإقليمية المؤثرة، أو دون دمج القوى المنخرطة فعليًا في هذه الصراعات، وكأن النظام الدولي قد خضع، أو ينبغي أن يخضع، لإرادتها وحدها؟

"مجلس السلام"… التفاف على الأمم المتحدة أم اعتراف بفشلها؟

إن تزامن انفجار الأزمات الإقليمية ليس حدثًا عرضيًا، بل تعبير عن لحظة تاريخية يتقاطع فيها شلل مؤسسات النظام الدولي، وتراجع فاعلية القانون الدولي، وعودة منطق القوة العارية بوصفه المرجعية الحاكمة للعلاقات الدولية. فالأمم المتحدة تبدو اليوم عاجزة عن أداء دورها، ليس فقط بسبب الانقسامات داخل مجلس الأمن، بل لأن القوى الكبرى نفسها لم تعد ترى في القانون الدولي قيدًا ملزمًا، بل عبئًا سياسيًا يمكن تجاوزه متى تعارض مع مصالحها.

في المقابل، تعود الولايات المتحدة إلى المسرح الدولي بثقل أكبر، لكن من دون مشروع كوني جامع، مفضّلة إدارة الأزمات بدل حلّها، والصفقات المرحلية بدل المسارات السياسية الطويلة. وهنا يكمن جوهر المأزق: إدارة عالم متشظٍ بأدوات أحادية في زمن انتهت فيه الأحادية.

غزة كنقطة اختبار لانهيار القانون الدولي

في قلب هذا المشهد تقف غزة، لا باعتبارها أعقد الأزمات، بل باعتبارها الأكثر كشفًا لفجاجة الفشل الدولي. فرغم كثافة الحضور الإعلامي، لا وقف إطلاق نار حقيقيًا، ولا أفق سياسيًا، ولا مساءلة قانونية. تُدار المأساة كملف إنساني معزول عن جذوره السياسية، وكأن المشكلة تكمن في الإغاثة لا في الاحتلال، وفي تخفيف المعاناة لا في إنهائها. في غزة، يتعرّى النظام الدولي بأوضح صوره: احتلال بلا محاسبة، وعدوان بلا مساءلة، وصمت دولي يكاد يتحول إلى تواطؤ.

ضمن هذا السياق، يبرز "مجلس السلام" الذي تطرحه واشنطن كإطار جديد لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، مع صلاحيات تتجاوز في بعض جوانبها الدور التقليدي للأمم المتحدة. غير أن خطورة هذا الطرح لا تكمن في خصوصيته الغزّية فحسب، بل في ما يُلمَّح إليه من إمكانية تحويله إلى نموذج قابل للتعميم على نزاعات دولية أخرى. فذلك يوحي بمحاولة بناء آليات موازية للنظام الدولي القائم، تتجاوز الأطر الأممية بحجة بُطئها وعجزها، لكنها في الجوهر تعيد إنتاج النهج نفسه الذي قاد إلى هذا الانهيار.

تفرد أميركي في عالم متعدد الأقطاب

غير أن هذا الرهان يصطدم بحدود صلبة. فلا استقرار يمكن فرضه من خارج التوازنات الفعلية للصراعات. في أوكرانيا، لا يمكن تجاوز روسيا. وفي سوريا، لا يمكن القفز فوق تشابك المصالح الإقليمية والدولية. وفي فنزويلا، لا يمكن تجاهل الوزن السياسي لقوى أمريكا اللاتينية ودينامياتها الداخلية. أما في غزة، فلا يمكن شطب الواقع السياسي والاجتماعي، ولا القفز فوق الحقوق الوطنية الفلسطينية، مهما تعددت المسميات أو تبدلت الأطر.

إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة، رغم ما تمتلكه من أدوات ضغط عسكرية واقتصادية، تفتقر اليوم إلى الشرعية الأخلاقية والسياسية اللازمة لقيادة نظام عالمي جديد. فالانحيازات الصارخة، وازدواجية المعايير، وتغييب القانون الدولي متى تعارض مع المصالح الأميركية أو الإسرائيلية، تقوّض أي ادعاء بالقيادة أو الوساطة. إن فرض حلول من خارج التوافقات الدولية، وكأن العالم ساحة إدارة أميركية، لا ينتج سلامًا، بل يعمّق الفوضى.

التاريخ يحذّر: لا سلام يُفرض من الخارج

هذه ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها حل فوقي لصراعات معقدة. من سايكس–بيكو، التي قُدّمت كترتيب للاستقرار فزرعت قرنًا من النزاعات، إلى اتفاق دايتون الذي أنهى الحرب في البوسنة لكنه جمّد الصراع داخل بنية سياسية مشلولة، مرورًا بإدارة ما بعد غزو العراق، التي أنشأت مؤسسات بلا توافق وطني ففجّرت الدولة بدل إنقاذها. حتى نماذج التدخل الإنساني، كما في كوسوفو وليبيا، أثبتت أن إسقاط الأنظمة أسهل بكثير من بناء سلام مستدام.

القاسم المشترك بين هذه التجارب هو أن الحلول التي تُصاغ خارج المجتمعات، ومن دون إشراك الفاعلين الحقيقيين، قد تنجح في تعليق الصراع مؤقتًا، لكنها تفشل في معالجته من جذوره. وإذا كان هذا النهج قد أخفق في لحظة التفوق الأميركي، فإن فشله اليوم، في عالم متعدد الأقطاب، يبدو أكثر احتمالًا وأقل قابلية للإخفاء.

ادارة الفوضى بدل نظام عالمي جديد

لا تكمن المشكلة في غياب الأفكار أو الأدوات، بل في الإصرار على نهج التفرد، وتغييب القانون الدولي، والتعامل مع النظام العالمي وكأنه خاضع لإرادة قوة واحدة. فلا آلية مجلس سلام لغزة، ولا آلية دولية لأوكرانيا أو فنزويلا، يمكن أن تنجح في ظل هذا المنطق. ما يُطرح اليوم ليس سلامًا، بل إدارة مؤقتة للفوضى، ريثما تعود للانفجار، وربما على نطاق أوسع وأكثر عنفًا، وبكلفة إنسانية وسياسية باهظة .

وفي ظل هذه الفوضى الكونية وغياب القانون في الإقليم، فإن الخطر الحقيقي يكمن في الإصرار على تغييب الشعوب، وإقصاء القادة المخلصين وأصحاب الرؤية. عندها يتسلّل سقط متاع القوم ليتحكّموا بمسار الشعوب، وتُقدَّم الرداءة بوصفها قدرًا لا فكاك منه. إن مواجهة هذا الواقع في حالتنا الفلسطينية لا تبدأ بالشعارات ولا بانتظار تحوّلات الخارج، بل باستعادة الفعل السياسي الوطني، وفرض أولوية الوحدة والمساءلة والتمثيل الحقيقي، حمايةً للمجتمع قبل القضية، وصونًا لتضحيات شعبٍ يدفع أثمانًا لا طاقة له بها .

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط