مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

سيميائية الترجمة..

النص الدرويشي بين إخفاقات اللعبي وآخرين [1]

النص الدرويشي بين إخفاقات اللعبي وآخرين [1]

تاريخ النشر: 2022-06-12 | 08:25

[2]

يعتبر فهم النظام السيميائي للغة الشعرية أكثر تعقيدًا من ذاك الذي للفن أو للإعلانات مثلا. ولأن له معانيَ مرجعية. يجب على المترجم أن يتعامل مع الدلالات والأيديولوجيا ليكون قادرًا على فهم العلاقات الرمزية بين الدال والمدلول في أبعادها الأيقونية والرمزية والإشارية.

تعتبر دورة حياة العلامات في الشعر عملية ذات شقين. يعتمد ذلك على النص ذاته، وعلى تاريخ وقدرة المترجم على بناء واقع المعنى. وبهذا المعنى، يُبنى الواقع من خلال الكلمات وترجماتها.

تعتمد صورة درويش الشعرية بشكل كبير على إقامة علاقات جديدة بين الدوال والمدلولات، وعلى الرمزية العميقة التي تكشف الكثير عن المعاني المرئية وغير المرئية؛ أي ما يقال وما يتم تمثيله. من حيث التقنيات، يستخدم درويش Metonymy والمجاز المرسل Synecdoche والإرداف الخلفي أو التناقضات اللغوية Oxymoron من بين أمور أخرى. تدفع تقنيات بناء الصورة للكلمات المتشابهة والدلالات والثنائيات المترادفة/ المتضادة الصورة للانتقال من المجال اللغوي المجرد إلى العوالم الفكرية المعرفية. يعتبر ضيق الوقت من الموتيفات الشائعة في شعر درويش.

قصيدة "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" التي كتبها الشاعر الفلسطيني محمود درويش عام 1986 كانت دعوة للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، شكل اليأس موتيفا تكرر ثلاث مرات في القصيدة التي كانت نبوءة لاندلاع الانتفاضة الأولى في 1987-1988، وأصبحت هذه الجملة شعارًا رمزيًا كرره رماة الحجارة في كل مكان. تمثل هذه الجملة دعوة للتذكير بما يستحق الحياة على الأرض الفلسطينية وبإحالة إلى معنى رمزي واحد وهو ضيق الوقت الباقي لفعل شيء ما لقضية طال أمده نضال أصحابها؛ وهي بذلك ترتكز على موتيف "الزمن" الذي يتحول إلى إشارة تنفتح على كل علاقة في القصيدة بين الدوال والمدلولات. إذ دون فهم الزمن كدال فإن "نهاية سبتمبر" و"المشمش" و"المرأة" التي يُعتقد على نطاق واسع أنها جوهر هذه الشذرة الشعرية، يحول الترجمة إلى إخفاق ويشكل معنى جديدا قد يدمر السياق أو يستبدله.

في منزله الباريسي، أخبرني أحد الأصدقاء أن محمود درويش كان غاضبًا من الترجمة الضحلة، وغير ذات الصلة لجملة "امرأة تدخل الأربعين بكامل مشمشها" التي وقعت عليها عينه صدفة أثناء تصفح مجموعته الشعرية "ورد أقل" الصادرة عن دار Minuit، بالفرنسية، وألقى بالكتاب على الأرض، إذ قام المترجم، عبد اللطيف اللعبي، بترجمة "امرأة تدخل الأربعين بكامل مشمشها" على النحو التالي: "امرأة تدخل الأربعين بكامل نسغها/ عصارتها" -"une dame qui entre، de toute sa sève، dans la quarantine".

تحيد هذه الترجمة المكونات السيميائية. فالمرأة هنا حامل جنسي، والدلالة ليست قصر الوقت بل الإغواء. الكلمة الفرنسية "quarantine" لها نفس المعنى: الأربعين ومنطقة الحجر الصحي؛ وهنا أدى عدم إضافة كلمة "d'age" كما في "quarantaine d'age" إلى خلخلة في المعنى وإرباك لمعنى  quarantine الذي يتخذ مدلولا جديدا مربكا في اللغة الثانية؛ هو المرض، كأن امرأة تدخل حجرا صحيا بكامل نسغها، وكذلك كان سيفعل المشمش الذي كان ليدل على الغذاء في سياق كهذا، هذا لو ترجمت الكلمة التي قام المترجم بعدم ترجمتها أصلا رغم أهمية دلالتها.

لم يكن الفشل في فهم علاقة الدال بالمدلول مقتصرا على الترجمة الفرنسية، إذ ترجم كريم أبو عوض وآخرون  الصورة نفسها باللغة الإنجليزية إلى "سيدة تتخطى الأربعين من عمرها دون أن تفقد ألقها". لم تستطع كلتا الترجمتين إدراك القصدية في نص درويش، لأنها لم تأخذ في الاعتبار السياق، ولا المعرفة الدنيوية المطلوبة لفهم سياق وقت المشمش وعلاقته بوقت القضية، ونهاية سبتمبر، وما توحي به الأربعون من اقتراب سن اليأس، وقِصر ساعة الشمس في السجن وهكذا.

لمتابعة علاقات الدال والمشار إليها في هذا الاقتباس، نبدأ بالدال الأساسي في الجملة "على هذه الأرض..": الأرض التي تعني فلسطين، والموضوع في هذه الحالة الوطن. هنا يستخدم درويش الأرض كرمز لفلسطين الوطن الذي طُرد منه. إن هذا الخطاب ما بعد القومي يعبر عن الانتماء للضرورة التي هي في حقيقتها ضرورة جمالية. كلمات مثل نهاية سبتمبر، امرأة، تدخل الأربعين، وبكامل مشمشها، وساعة الشمس في السجن وكلها تمثيلات تدل على الحصاد، والخصوبة وانقطاع الطمث، والموسم القصير لعمر الثمرة ولوقت الضوء لديها مرجعية واحدة لتفسيرها: الوقت القصير المتبقي قبل عمل أي شيء ويقصد هنا تحرير فلسطين. إذاً، هذه العلاقات ترمز إلى القضية الفلسطينية. ولفهم ذلك، يجب أن نعلم أن هذه القصيدة كتبت عام 1986، وهو تاريخ إحياء الذكرى 38 للنكبة الفلسطينية.

مجازيا، يقول الشاعر هنا أن القضية الفلسطينية تقترب من مرحلة حرجة، لقد حان الوقت لحصاد ثمار النضال الطويل، وإنهاء الاحتلال الذي طال أمده، وإنهاء قضية اللاجئين. تتحدث هذه القصيدة ببلاغة عن الشرط الإنساني كما طرحته حنا آردنت. وللتوضيح؛ فإن الأربعين هي سن النضج العقلي والفكري وتحقيق الأحلام وجني ثمار الحياة. إنه أيضًا السن الذي يمكن أن تبدأ فيه المرأة بالشعور بالاكتئاب خوفًا من التقدم في السن وانقطاع الطمث. سبتمبر ، الشهر الذي ينتهي فيه الصيف ويقترب الخريف بخطوات واسعة، هو أيضا وقت الحصاد الذي يشير إلى نهاية العمل الجاد، وربما وقت الاسترخاء. لدينا كلمة "مشمش" التي تمثل دلالة أخرى تم إهمالها في معظم الترجمات التي قامت بتحويلها إلى أزهار كما في بعض الترجمات إلى الإنجليزية أو  إلى "نسغ أو عصارة" كما في ترجمة اللعبي.

لفهم الاستعارة هنا، يجب أن يعرف المترجم أن المشمش لا يعيش أكثر من أسبوع. موسم المشمش قصير جدًا، وعادة ما يقطفه المزارعون بسرعة. يرسم درويش من خلال تقنية الإرداف الخلفي Oxymoron الوقت الذي يقترب من النهاية، وهو وقت العمل الذي يجب استثماره قبل أن يصبح من غير الممكن فعل أي شيء للقضية الفلسطينية، ونستدل على ذلك من خلال تكرار الإشارة الى الوقت الذي تشير اليه عدة دوال مثل حلول شهر سبتمبر، وسن الخصوبة عند النساء، وموسم المشمش. هذه أيضا علامات تحذير، اذ يتنبأ درويش بالمستقبل بينما يحذر من انقضاء الوقت الذي يمكن فيه إنجاز شيء.

لسوء الحظ، في كثير من الترجمات لم يتم فهم هذه العلاقات السيميائية بدقة. وفقًا لذلك، أسيء فهم هذه القصيدة وتمت ترجمتها بشكل خاطئ كما هو الأمر هنا "a woman leaving forty in full blossom" للمترجم كريم أبو عوض. هذه الترجمة فشلت في إدراك العلاقة السيميائية. والنتيجة هي خلق معنى مشوه مختلف يقود القارئ إلى فهم دلالة دخول امرأة في الأربعينيات من عمرها تحمل سلة من المشمش، وهي بكامل إزهارها وحيث تشير هذه الترجمة إلى مدلول جنسي، إذ وحيث يدل المشمش على الإغواء والجاذبية. استنادا إلى علاقة سيميائية لم يقصدها الشاعر، يدمر المترجم "الوقت" كمرجع. كما يؤدي الخلل في ترجمة الفعل الذي استخدمه درويش؛ أي "تدخل" إلى ترجمة نقيضة، أي "تترك" إلى تفجير المعنى المقصود للقارئ وكل العلامات، حيث تصبح الوحدة بين الدوال التي تشير إلى قصر الوقت والمشار إليها في هذه القصيدة غير ذات صلة. ويصبح معنى انقطاع الطمث كتحذير من العقم بلا معنى، وبالتالي، تنتزع رمزيته؛ وبالأحرى، يتم إعطاؤه بعدا رمزيا جديدا جنسيا ينزعه من سياقه، وبما يمثل دعوة إلى علاقة مع فتاة جميلة قبل أن تدخل في فترة يأسها، والتي تدمر السياق الطبيعي لحب الوطن، إذ بهذه الترجمة يصبح حب امرأة أحد أسباب الحياة على هذه الأرض، وليست الأرض ذاتها وقضيتها وفي هذا تدمير للسياق.

تمس مشاكل الترجمة الأهمية المادية للإشارة التي لا يمكن ترجمتها وفقًا لدريدا، بالإضافة إلى الفشل في تعيين علاقات الدال والمدلول. هذه الأشياء لا يمكن بحال إهمالها؛ إذ تؤدي أهم الأدوار على مسرح النص.

×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط