مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

المعضلةُ ليستْ في الأسماء... بل في البنيانِ التنظيميِّ المُختَلِّ النقدُ حقٌّ... والتجريحُ سقوطٌ أخلاقيٌّ لا يليقُ بأبناءِ فتح

المعضلةُ ليستْ في الأسماء... بل في البنيانِ التنظيميِّ المُختَلِّ  النقدُ حقٌّ... والتجريحُ سقوطٌ أخلاقيٌّ لا يليقُ بأبناءِ فتح

تاريخ النشر: 2026-07-29 | 11:16

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

«إنَّ الرجالَ لا يصنعونَ المؤسساتِ وحدهم، بل تصنعُهم أيضًا مؤسساتٌ عادلةٌ وقوية، فإذا صلحَ البنيانُ نجحَ الرجال، وإذا اختلَّ البنيانُ تعثَّرَ الجميع.»

في خضمِّ الحديث الدائر حول تكليف الأخ المناضل أبو ماهر حلس بمهمة مفوض التعبئة والتنظيم في المحافظات الجنوبية، تباينت الآراء وتعددت المواقف؛ فمنهم من أيّد القرار، ومنهم من عارضه، ومنهم من ذهب بعيدًا في توصيف الرجل وتحميله مسؤولية كل ما أصاب الحالة التنظيمية في قطاع غزة خلال السنوات الماضية، حتى وصل الأمر بالبعض إلى القول إنه "دفن فتح" أو "دمَّر التنظيم"، وأنه رجلٌ فاشلٌ وعاجزٌ عن حمل هذه المسؤولية.

وفي المقابل، هناك من انتقد أداءه التنظيمي بحرقة المحبِّ على حركة فتح، دون أن يسقط في مستنقع التجريح والإساءة والطعن في شخصه وتاريخه النضالي، وهو ما يستحق الاحترام؛ لأن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يكون بوابةً لسقوط الأخلاق، ولا مبررًا لاغتيال الرجال معنويًا على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعبودية لله وحده، والتقديس لله وحده، وما دون ذلك بشرٌ يُصيبون ويُخطئون، ينجحون حينًا ويُخفقون حينًا آخر. ولذلك، فإن نقد أي قائدٍ أو مسؤولٍ تنظيمي حقٌّ مشروع، بل إنه ضرورةٌ من ضرورات العمل التنظيمي السليم، أما تحويل النقد إلى إساءةٍ وتشهيرٍ وتقزيمٍ للآخرين، فليس من أخلاق أبناء حركة فتح، ولا من قيمها النضالية والوطنية.

إن أبا ماهر حلس، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا حول أدائه، يبقى رجلًا مناضلًا من أبناء هذه الحركة، له ما له وعليه ما عليه، ويجب أن يُحاكَم بميزان العمل والإنجاز، لا بميزان الأهواء والخصومات الشخصية.

لكنني أعتقد أن السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا اليوم ليس: هل نجح أبو ماهر أم أخفق؟ وإنما: هل تكمن المشكلة أصلًا في الأشخاص؟

وأقولها بكل وضوح: لا.

فلو افترضنا -جدلًا- أن الأخ أبا ماهر حلس غير قادرٍ على حمل هذا الملف التنظيمي، وقمنا اليوم بإعفائه من مهمته وتكليف أي أخٍ فتحاوي آخر مكانه، فهل ستُحلُّ الأزمة التنظيمية؟ وهل سيصبح قطاع غزة بين ليلةٍ وضحاها نموذجًا في البناء التنظيمي؟

أقول بكل قناعة: لا والله.

ولو كلّفنا الأخ حسين الشيخ، أو أيَّ اسمٍ آخر من أبناء فتح، بهذه المهمة، فإن احتمالات الإخفاق ستبقى قائمة ما دامت الأسباب الحقيقية للأزمة ما زالت قائمة، لأن المعضلة ليست في الأشخاص، وإنما في البنيان التنظيمي الذي يُراد له أحيانًا أن يعمل وهو مجرد من كثيرٍ من أدوات نجاحه.

فكيف لمسؤولٍ تنظيمي أن يُحاسَب على الإنجاز، بينما تُنتزع منه بعض صلاحياته؟ وكيف يُطلب منه استنهاض الحركة، بينما الإمكانات شحيحة، وتعدد المرجعيات حاضر، وتُفتح الأبواب الخلفية للبعض لتجاوز المؤسسة التنظيمية؟ وكيف يُطالَب بالنجاح، وهناك من يعمل -بقصدٍ أو بغير قصد- على صناعة مراكز قوى موازية، تُضعف المسؤول التنظيمي وتُربك المشهد بأكمله؟

إن من أخطر ما يُصيب أي تنظيمٍ سياسي أن تصبح مؤسساته الرسمية مجرد عناوين شكلية، بينما تُدار الملفات عبر قنواتٍ موازية، أو تُحلُّ الإشكالات التنظيمية من وراء ظهر المؤسسات المختصة، ليظهر المسؤول التنظيمي في نهاية المطاف وكأنه الرجل العاجز أو الفاشل، بينما الحقيقة أن أدوات النجاح لم تكن يومًا كاملةً بين يديه.

إن ما يُضعف حركة فتح اليوم ليس اسم هذا المسؤول أو ذاك، وإنما غياب البيئة التنظيمية القادرة على تمكين المسؤول من أداء مهامه ومحاسبته على أساس الصلاحيات التي مُنحت له والنتائج التي حققها. فالمحاسبة العادلة لا تكون إلا بقدر ما يتوافر من صلاحيات وإمكانات، أما أن نُجرِّد الرجل من أدوات النجاح ثم نُحمِّله وحده مسؤولية الإخفاق، فتلك ليست عدالةً تنظيمية.

لقد حورب كثيرون قبل أبي ماهر، وسيُحارَب كثيرون بعده، لأن المشكلة أعمق من أن تُختزل في اسم هذا الرجل أو ذاك. وما أكثر الذين كانوا بالأمس القريب يطرقون أبوابه، ويتمنون لقاءه والتقاط الصور التذكارية معه، فإذا اختلفت المواقع والمواقف، انقلب المديح ذمًّا، والإشادةُ تجريحًا، وكأننا أمام سبعة أوجهٍ لا وجهًا واحدًا.

إن حركة فتح أكبر من جميع أبنائها، وأكبر من كل المواقع التنظيمية فيها، فلا تختزل في شخصٍ مهما علا شأنه، ولا تسقط برحيل أحدٍ أو حضوره، بل تبقى بما تحمله من مشروعٍ وطنيٍ وتاريخٍ نضاليٍ ومؤسساتٍ قادرةٍ على التجدد والإصلاح.

ومن هنا، فإنني أدعو كل من يحمل فكرًا إصلاحيًا أو رؤيةً تنظيميةً مختلفة إلى أن يُقدِّمها من داخل البيت الفتحاوي، وأن يجلس مع المسؤولين التنظيميين، وأن يطرح أفكاره ومقترحاته بكل جرأةٍ واحترام، فالحركة لا تُبنى بالمنشورات الغاضبة وحدها، وإنما تُبنى بالحوار، والعمل، وتقديم الحلول.

أما تحويل وسائل التواصل الاجتماعي إلى محاكمَ ميدانية لإصدار أحكام الإعدام السياسية والأخلاقية بحق الآخرين، فلن يُصلح تنظيمًا، ولن يُعيد لفتح عافيتها، بل سيزيد من اتساع الفجوة بين أبنائها.

وفي المقابل، فإن التكليف التنظيمي ليس تشريفًا أبديًا، وإنما مسؤوليةٌ وطنيةٌ وأخلاقية. فإذا شعر الأخ أبو ماهر حلس أنه غير قادرٍ على حمل هذا الملف بما يستحقه من أعباءٍ ومسؤوليات، فإن الشجاعة التنظيمية تقتضي أن يترك المجال لغيره من أبناء فتح القادرين على حمل هذه الأمانة، فالمواقع لا تصنع الرجال، وإنما الرجال هم من يمنحون المواقع قيمتها.

كما أن الذين يرون في أنفسهم الكفاءة والقدرة والاستحقاق، فليتفضلوا إلى الميدان لا إلى منصات التشهير، وليقدموا مشاريعهم التنظيمية ورؤاهم العملية لخدمة الحركة وأبنائها، ففتح لا تضيق بأبنائها، بل تتسع لكل صاحب فكرٍ ومشروعٍ وإرادةٍ صادقة.

إن فتح التي قدَّمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى، أكبر من أن تُختزل في شخص، وأعظم من أن تُحمَّل أزماتها لرجلٍ واحد، فالإصلاح الحقيقي يبدأ من احترام المؤسسات، ووحدة المرجعيات، وعدالة الصلاحيات، وتوفير الإمكانات، وإعلاء قيمة الحوار فوق الخصومة، وقيمة الفكرة فوق الأشخاص.

وختامًا...

لا تجعلوا من الأشخاص شماعاتٍ نُعلِّق عليها كل أزماتنا التنظيمية، ولا تُحمِّلوا رجلًا واحدًا مسؤولية تراكمات سنواتٍ طويلة، ولا تجعلوا اختلافكم السياسي والتنظيمي سببًا لسقوطكم الأخلاقي.

فالنقدُ حقٌّ، بل هو واجبٌ حين يبتغي الإصلاح، أما التجريحُ والإساءةُ والتشهيرُ فليست سوى هزيمةٍ أخلاقيةٍ

لا تليق بأبناء حركة فتح.

ويبقى اليقين الذي لا يتغير أن المعضلة ليست في الأسماء، بل في البنيان التنظيمي المختل؛ فإذا صلح البنيان نجح الرجال، وإذا اختلَّ البنيان تعثَّر الجميع، مهما كانت أسماؤهم ومواقعهم ومكانتهم.

واللهُ من وراءِ القصد، وهو يهدي السبيل.

×
أخبار
تحدياً لشروط بن غفير.. نتنياهو يعلن احتفاظ "الليكود" بوزارتي الجيش والأمن القومي إيفون عبد الباقي المرشحة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة: المنظمة فقدت بوصلتها.. والسلام هدفها الضائع الخزانة الأمريكية تقر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران بينها بنوك عراقية ترامب يكشف كواليس حصول أميركا على الطائرة القطرية شاهين طالبت اتخاذ خطوات جدية لوقف المشاريع الاستيطانية ومخططات الضم لإقامة دولة فلسطين بعد رفض شعبي..ترامب يرفض البث الحي لإعدام نضال حسن عناصر من اليمين المتطرف يقتحمون مقر الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة دبلوماسيان أمريكيان يحذران: تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل يهدد مكانتها الاستراتيجية ووجودها باهتة وغير حاسمة.. خبير بريطاني يحلل أسباب تعثر القوة الجوية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران "خسائر بمئات المليارات": تحولات ديموغرافية تهدد الاقتصاد الإسرائيلي ليبرمان يرفض دعم حكومة أقلية ويتعهد بائتلاف "صهيوني حصراً" استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل مجلس السلام يعلن استكمال آليات الرقابة والمعايير المالية لتنفيذ خطة غزة السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط