مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

المسيحية العربية وعلامات الزمن الجديد

لا شك أن تاريخ بلاد العرب منذ حقبة الاستعمار البغيض، وحتى عصر الطغاة، الذين نشهد اندثارهم، الواحد تلو الآخر، يتلخص في غياب مفهوم المواطنة وحضور مفهوم المغالبة. وقد ترافق ذلك التاريخ الثقيل مع أفول تدريجي للمسيحية في ديارنا، ليس من ناحية تناقص عدد أتباع المسيح فحسب، بل وأيضا من ناحية تواري أعرافهم وامحاء طقوسهم. فلم تشهد المسيحية في بلاد العرب، طوال تاريخها، انحسارا مثلما شهدته في أزمنتها الأخيرة. لا سيما بعد أن تفاقمت أزماتها في عصر حُماتها الكذبة، ممن أوهموا الداخل والخارج بحرصهم الشديد على حمايتها، وفي الواقع كانوا يحتمون بها. فضمن مسرحيات باهتة، استوزروا من شاؤوا وصعّدوا من ارتضوا إلى ما سُمّي بمجلس الشعب، للفوز بشهادة زور تزكّي "الحكم الرشيد". في الحقيقة بقي التفرد بالسلطة على حاله، وصنع مغتصبو إرادة الشعوب بنى اجتماعية خانقة للوجود المسيحي، وللإبداع المسيحي، ثم ألقوا تبعات فعلهم على من سواهم.
غدت الأرض التي عمّر فيها الصليب، على مرّ الدهور، طاردة لأبنائها بعد أن كانت حاضنة. وفي ظلِّ تلك الأجواء تمثل الوعيُ المغيَّب جلاديه حماةَ الديار، بعد أن تراقصوا أمامه، طورا بشعارات الأمة الواحدة التي "لو صُبَّت جهنّم على رأسها واقفة"؛ وتارة بشعارات العلمانية الفاتنة "الدين لله والوطن للجميع". مع ذلك كان المسيحي، رفقة صنوه المسلم، يهوي إلى مكان سحيق، مُسخ فيه الإنسان وحُوصر فيه الإيمان، حتى جاء يوم عُجاب أشرقت فيه الشمس من بلاد المغرب، أيقظ فيه جيلٌ ثائرٌ أجداثنا المقعَّرة.
ومن الطبيعي، أن من شبّ وشاب في ظل النظام القديم، أن يخشى هول الزمان الجديد. لذلك يسري خوف بين شقّ من الناس. يتوجّسون من الراهن ومن الآتي، من الجلاد ومن الضحية، من الطغاة ومن الثوار، على حد سواء. فهذا الزمن الجديد الذي أهَلّ، ليس كما عهدنا، من صنع القائد ومن فضل المعلّم، بل ورشة مشرعة لا يكتمل البنيان فيها، يشارك الجميع فيها بلا استثناء ولا إقصاء. وربما ذلك ما تعجز أذهاننا عن إدراكه، فنحن بحقّ لا نفقه الثورات ولم نعهد مخاضها، وإن جاريناها وأجهدنا أنفسنا في فهمها. فقد سبق أن صوّروا لنا انقلاباتهم على هيئة ثورات، فشوّهوا إحساسنا وأفسدوا ذائقتنا. مع ذلك نحاول أن نستعين بلغتنا الركيكة، وبلادتنا المعهودة، لنستوعب ما لا نقدر أن نستوعب. وليس خافيا أنه كلّما اقتربت ساعة خلاصنا داهمتنا الشكوك من كل صوب، من فرط ما دُمّر الإنسان فينا.
مع ذلك نرى رأي العين عصرا بهيّا يطلّ، يشهد ميلاد إنسان جديد، وهو عصر نعيش مخاضه ونكابد معمعانه، لم يُنجَز ولم يكتمل، ومن جرائه بتنا في ما يشبه الدوار المستمر من فرط هوله. فيه إنسان جديد يشتاق أن يصلّي دون خشية من العسس، ودون تلصّص على المواعظ والخطب. جيل يودّ أن يفك أسْرَ المؤمنين، مما ران على القلوب من كدر. فأنى التفتَّ ترى الإنجيل محاصَرا، والمسيحي مطارَدا.
فأنا على يقين أن تاريخنا في بلاد العطش يسير صوْب الرويّ، يسير باتجاه تحقّق المواطنة، وباتجاه بناء الوطن بعد أن فقدنا الوطن، ومن لم يدرك ذلك لم يفطن بعدُ إلى علامات الزمن. فكل من يفكر بعقلية طائفية يخاف من قادم التغيير في سوريا. حولوا الإنسان إلى متشكك على الدوام، يَعدُّ كل تحوّل مؤامرة محبوكة، وكل ثورة مؤامرة مشبوهة. ذلك مرادهم، يريدون شعوبا مهزوزةً، ضيقة الأفق.
مع ذلك أخي المسيحي أقدّر خشيتك، لأن ما تخشاه أخشاه، وأُجِلُّ دمك الزكي لأنه دمي. وأحزن إن رحلت أو أصابك مكروه أن أتيه أنا. فقدرُنا أن نعيش سويا، أو نموت سويا، في الأرض التي استودعنا الله. ليس أتباع المسيح من المخلَّفين في زمن تضطرم فيه القلوب، فلكلّ مشربه، وحتى "أحِبّوا أعداءكم باركوا لاعنيكم" هي جهادٌ أكبر لمن يفقهون.
في قرطاجنا العزيزة، أخذْنا الطاغية الفار وآله أخْذَ عزيز مقتدر، وعلى حين غرة.. ولو سنحت له الفرصة لأباد كافة إخواننا من الذين هادوا، في الحارة الكبيرة والحارة الصغيرة، في جزيرة جربة الآمنة، حتى يقلب ظهر المجن، غربيا وعالميا، على طلائع الزاحفين، وينعتهم بباطل القول، بالمتطرفين والإرهابيين والشياطين. وهو منطق شلّة الطغاة في أي أرض حالمة، لا يتوانون عن ارتكاب أفظع أنواع الفجور. إلى حد الآن، في سوريا الأبية، عنف "الضرغام الصغير" موزع بالتساوي على رؤوس الأشهاد، لم يدّخر ديرا أو مصلّى، لم يستثن شيخا أو وليدا. مع ذلك أخشى مكْرَه، أن يطبق عليكم كماشة الطغيان، ففي تشريدكم نجاته، وفي إجلائكم عن دوركم حجة له. بمختصر العبارة، في سفك دمائكم حياته وفي تيهكم خلاصه، ولذلك لن يتوانى عن ارتكاب أشنع المجازر فيكم، تشفّيا أو إثارة لإخوانكم في الدين، الأباعد منهم والأقارب. فبقدر ما يعلو صراخكم طلبا للنصرة، يُقنِع المستضعفين منكم بالتولّي والمشفقين عليكم بتثبيطكم.
لكن الجيل الجديد أخذ زمام أمره بين يديه، لم ينتظر فتاوى الشيوخ ولا مباركة الإكليروس. ولم يفت من عزمه موالاة رجال الدين للسلطان، فهو يعي ما دهاهم لذلك، ليس محبة له، أو تقديرا لدوره، وإنما اتقاء لشرّه ودرءا لعنفه.
يا من تقبض على الجمر في يوم عصيب، أقرأ في صمتك الجليل ريبة.. ليست فقط من سلالة الطغيان، بل ومن حملة القرآن. ولذلك لن أقول لك إني خرّيج السربون ولا هارفارد، حتى أوهمك بحداثتي وأستميلك لقولي، ولكنني زيتوني من تلك الشجرة السامقة في أرض الخضراء. وأصدقك القول: إن شيوخنا لطالما لقّنونا هراءً بشأن التوراة والإنجيل، ولطالما رددوا على مسامعنا "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون". آليت على نفسي ألا أُداري رعونة متفقّهينا ممن تستهويهم مقولات الذمّة، والجزية، وترديد فتاوى عفّى عليها الزمن، بألا يقرع أتباع المسيح أجراس الكنائس، وألا يظهروا صلبانهم، وألا يُعلوا أبنيتهم فوق أبنية المسلمين، وأن يُمنعوا ركوب الخيل، وأن يتزيوا بزي خاص بهم. أعجبُ لهؤلاء كيف يجلّون المسيح وينكرون إنجيله؟ فأنا بصدد إعادة قراءة قرآني المجيد في عصرنا الجديد، فالناس لديّ صنفان: "إما أخ لي في الدّين أو نظير لي في الخلْق".
فلننظر في الأمور بأعين بصيرة، أوليست السياسات المقيتة السائدة في بلداننا منذ عقود، هي التي هجّرت وشرّدت أتباع عيسى وأحمد؟ ملايين تركوا أوطانهم بسبب القهر والعسف، ولا أظن أن أيّا منّا كان في مأمن من شرّهم. ولذلك إن شئنا أن نُشفى من هذا النزيف الذي يخرب ديارنا، فلنقل للظالمين ظلمتم وما عدنا نطيق صبرا، اغربوا عن وجوهنا، وذلك أضعف الإيمان. فهل من اختلس عمرنا، نتركه مجددا ليصادر مصيرنا وقد حانت ساعة النفير؟ إن تنازَلْنا عن ماضينا فلن نفرّط في مستقبلنا.
ليست أوضاع المسيحية في سوريا أفضل حالا من أوضاع المسيحية في مصر، ولا أوضاع المسيحية في لبنان أفضل حالا من أوضاع المسيحية في العراق. ولا تغرنّ الأعداد ولا نواقيس الكنائس التي تُقرع. فإن لم نعش اضطراما بالفعل فنحن نعيشه بالقوة، ما دامت ترهقنا ثقافة الرعايا وتعوزنا ثقافة المواطَنَة. أذكر كلمة لناشط في الحوار المسيحي الإسلامي، قال لي يوما: إن أبناءنا في لبنان الصغير لا يعرفون بعضهم البعض، يعيشون في كنتوناتهم الطائفية والعلائقية، أولهذا نقول إن حال المسيحية في لبنان بخير، معاذ الله إن كانت أفضل؟
للأسف لم نتعلّم من ماضينا، فدرسُ تدخلات القناصلة الأجانب في طوائفنا وفي كنائسنا، في كبائرنا وفي صغائرنا، إبان عهد الرجل المريض، لم يُفدنا بشيء. لم ندرس التاريخ، ولم نشأ تدريسه لأبنائنا، بخلاصة لأن تاريخنا المسيحي مصادَر لأن إنجيلنا مطارَد. عقودٌ مضت ونحن نزعم الحوار الإسلامي المسيحي، ونطلبه مع الأباعد ونتغاضى عن جيراننا وأهلنا. نبحث عن الخيلاء، حتى يقولوا عنا: منفتحين ومعتدلين وحداثيين وعلمانيين، ولم نفز بشيء. فما زال الغرب عند دأبه القديم، ينتابه إحساس مفرط، مشوب بأعراض العصاب، كلما دنا من الإسلام وهَمّ بتناول المسلمين.
عدت لا أثق بالغرب، حين يزعم انشغاله بمسيحيي الشرق، لأن انشغاله موزَّع على المواسم. يعرف أن لنا ألف كنيسة وكنيسة، وألف طقس وطقس، مع ذلك حين تلمّ بنا النوائب ينادي أتباعه لا غير، يناديهم بالاسم: يا كاثوليكي يا تبيعنا، ويا أرثوذكسي يا نجينا، وهكذا دواليك، وأما من دونهم فهم في عداد العوام.
وفي زمننا الحديث، حين دبّ الوهن في مسيحية العرب تقاسمتها كنائس الأغراب، سعيا أن تضمّ من خلالها شيئا من سحر الشرق، وعلّها تفوز من خلالها بشيء من طهر المسيح وحزن البتول. مع أنّ أتباع المسيح ليسوا كائنات متحفية مشاعة للآخرين ليزيدوا بها رصيد مدخراتهم الروحية. فمنذ أمد بعيد، مسيحيتنا الواهنة لا تدري ماذا تفعل، لذلك سهُل إغراءها وتطويعها. ولأجل كل هذا نريد مسيحية أبية.
إذ سابقاً حلّت جلّ الجماعات الكنسية الوافدة بأرضنا، بدعوى الحفاظ على المسيحيين ومعاضدتهم، لكن الأمر ما كان حفاظا على أهلنا بل تأزيما وتفجيرا لأوضاعنا. خبرنا ذلك مبكرا في مسعاهم الأثيم لإقامة ما سمي بلبنان الكبير (1920)، لبنان مفصول عن جذوره، على غرار ما فعلوا معنا في فلسطين السليبة. غير أن ذلك المسعى في إنشاء "كيان مسيحي" نقيّ تهاوى، وبالتالي لم يبق سوى التعويل على دكتاتورية الأقلية داخل الأكثرية، وهو ما نجحوا فيه، إلى حد مّا، في بلاد الأرز، التي ما إن يندمل فيها جرح حتى ينفتح آخر.
وفي عصرنا الحالي، ربما الشيء الأكثر تهديدا للمسيحية العربية، بموجب ما لحق هويتها من فتور وتفسّخ، أن تجابه كنائس عابرة للقارات، غدت بارعة في التحكم باقتصاد المقدّس على مستوى عالمي. وما نشهده من تراقص أمام المسيحية في سوريا في أيامنا، تارة من قبل الروس وأخرى من قبل الروم، هو فصل من فصول ذلك التنافس المحموم. ولا نزعم أن المسيحية العربية الحالية قادرة على خوض غمار المنافسة، في ظل التشظي الذي يستنزفها والتبعية التي تقيّدها. ولكن الثورات المحتدمة، وأساسا منها في قلب بلاد الشام، فيها ما يبشر بميلاد روح جديدة. فكما خرجت المسيحية الأولى من رحم تجربة درامية في التاريخ، يبدو الشرق الجديد على موعد حاسم مع تشكّل عناصر ملحمة روحية جديدة.
طيلة عصر الطغيان ضاق فهم المسيحية لدينا، كما ضاق فهم الإسلام، حتى بِتنا نرى خلاصنا في طمس ذاكرتنا، والحال أن خلاصنا ما بين التنزيل والتأويل، ما بين النقل والعقل. ولذلك لن أقول لك سبيلنا في ما نستجلب من ديمقراطية، وعلمانية، وحقوق بشر. فتلك حجة الواهن، لأن المجتمعات الحيّة، وببساطة، لا تستورد حلولها ولكن تبدع حلولها. ولذلك المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرّة.

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط