مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

المراجعة المؤجلة... حين يصبح الإنكار جزءًا من الأزمة

منذ بداية هذه المأساة، دعا كثيرون، ممن لم يدفعوا الثمن المباشر لهذه الحرب، إلى تأجيل النقد والمحاسبة بحجة أن المرحلة تقتضي توحيد الصفوف في مواجهة الاحتلال، وأن أي نقاش حول المسؤولية قد يضر بالوحدة الوطنية أو يخدم الخصوم. وربما كان لهذا الطرح ما يبرره في الأيام الأولى للحرب، حين كانت الأولوية لوقف العدوان والتعامل مع تداعياته الإنسانية. غير أن استمرار هذا المنطق بعد كل ما جرى يثير سؤالًا لا يمكن تجاهله: ألم يحن الوقت لإجراء مراجعة حقيقية لتجربة السابع من أكتوبر، وحساب ما ترتب عليها من مكاسب وخسائر؟ وهل كانت الدعوات المتكررة إلى تأجيل النقاش والمساءلة، والتي خُصص لها حيز واسع في العديد من المقالات والمنابر الإعلامية، تعبيرًا عن حرص وطني مشروع، أم أنها تحولت، بمرور الوقت، إلى وسيلة لإسكات الأصوات الناقدة ومنع أي مراجعة جادة للمسار الذي أوصل الأوضاع إلى ما هي عليه؟ لقد مثّل السابع من أكتوبر، في نظر شريحة واسعة من الفلسطينيين، لحظة مفصلية أعادت تشكيل المشهد السياسي والإنساني برمته. لكن المشروع السياسي والعسكري الذي قاد إلى تلك اللحظة لم يقدم، حتى الآن، مراجعة صريحة لنتائج خياراته، ولم يعترف بإخفاقه في تحقيق الأهداف التي أعلنها، رغم الكلفة الإنسانية والسياسية والاقتصادية غير المسبوقة التي تحملها المجتمع الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة. وفي المقابل، برز خلال أشهر الحرب تيار فكري وإعلامي سعى إلى التقليل من حجم الخسائر التي تكبدها المجتمع الفلسطيني، سواء على المستوى البشري أو الاقتصادي أو الاجتماعي. وقدّم هذا التيار ما جرى باعتباره الثمن الطبيعي لأي معركة تحرر وطني، وروّج لفكرة أن ما خسره الفلسطينيون في غزة ليس سوى "فاتورة اعتيادية للنضال" يمكن تعويضها مع مرور الزمن. وفي هذا السياق، انتشرت عبارات مثل "خسائر تكتيكية" وغيرها من المصطلحات التي تحولت إلى خطاب متكرر على وسائل التواصل الاجتماعي، في محاولة لإعادة تأطير المشهد بعيدًا عن حجمه الحقيقي. فبدلًا من أن ينصب النقاش على حجم الكارثة الإنسانية والسياسية التي لحقت بقطاع غزة، انشغل هذا الخطاب بتبرير النتائج أو التقليل من شأنها، وكأن الاعتراف بحجم الخسارة يمثل تهديدًا للرواية السياسية أكثر من كونه خطوة ضرورية لفهم الواقع. لكن هذا الخطاب اصطدم برد فعل اجتماعي واسع، خاصة من الفلسطينيين الذين عاشوا الحرب بكل تفاصيلها. فأهالي قطاع غزة، الذين فقدوا أبناءهم ومنازلهم ومصادر رزقهم، لم يعودوا يرون في خطاب التبرير سوى تجاهل لمعاناتهم، ولذلك بات قطاع واسع من الرأي العام يعتبر أن خطاب الإنكار لم يعد جزءًا من الحل، بل أصبح جزءًا من المشكلة. وتزداد هذه المفارقة وضوحًا عندما نلاحظ أن كثيرًا من أبرز منظّري هذا الخطاب لم يعيشوا ظروف الحرب نفسها، ولم يتحملوا تبعاتها المباشرة، بل يكتبون ويعلّقون من خارج قطاع غزة، في بيئات أكثر أمنًا واستقرارًا. ولا ينتقص ذلك من حقهم في التعبير عن آرائهم، لكنه يفسر جانبًا من الفجوة بين الخطاب الذي يطرحونه وبين المزاج العام داخل القطاع، حيث تختلف رؤية من دفع الثمن عن رؤية من يراقب الأحداث من بعيد. إن المجتمعات التي تتعرض لصدمات كبرى لا تتعافى بالإنكار، وإنما بالاعتراف بالواقع ثم مراجعته بصدق ومسؤولية. فالمراجعة ليست مرادفًا للهزيمة، بل هي إحدى أدوات تصحيح المسار واستعادة الثقة. أما تحويل كل نقاش إلى معركة للدفاع عن القرارات السابقة، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة وتعطيل أي فرصة لاستخلاص الدروس. إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الخطابات التي تقلل من حجم المأساة، بل إلى خطاب سياسي يتسم بالمكاشفة وتحمل المسؤولية، ويقر بأن الرهان على الحرب باعتبارها أداة لتغيير الواقع السياسي والأمني لم يحقق النتائج المعلنة، وأن الكلفة التي تحملها المجتمع الفلسطيني كانت باهظة على جميع المستويات. فالاعتراف بالخطأ لا يعني التخلي عن الحقوق الوطنية، وإنما يمثل الخطوة الأولى نحو بناء استراتيجية أكثر واقعية، تستند إلى حماية الإنسان الفلسطيني بوصفه الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني. خلاصة القول: إنّ مستقبل القضية الفلسطينية لن يُبنى على إنكار الوقائع أو إعادة تسويقها بلغة مختلفة، وإنما على امتلاك الشجاعة السياسية والأخلاقية لإجراء مراجعة حقيقية، وتحمل المسؤولية، والانتقال من خطاب التبرير إلى خطاب المحاسبة والتعلم. فالمجتمعات لا تتقدم بإخفاء أخطائها، بل بمواجهتها واستخلاص العبر منها، لأن المراجعة الصادقة هي بداية أي مشروع وطني قادر على الاستمرار.
×
أخبار
مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط