مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

المجتمع بوصفه خيالا

المجتمع بوصفه خيالا

تاريخ النشر: 2021-10-23 | 12:58

شعيب حليفي
شعيب حليفي

مع البنينة الجديدة للمجتمع المغربي في القرن الثاني عشر الميلادي نتيجة التطور السياسي والاقتصادي وبروز طبقات وفئات أخرى،  تطورت – كما سيكتب أكثر من مؤرخ- مظاهر البذخ والسمر والمجالس ، كما كثُرت السرقة والغش والتدليس، وانتشر – مثلما سيروي ابن عذارى- السحرة وأهل التخيّل والتنبؤ بالغيب، والذين يظهرون شيئا من غير فعله. وفي المقابل، كان الزهد والتنسك، وانتشرت رباطات وزوايا ومدارس في أهم المدن، بفاس ومراكش وأغمات ووريكة وقصر كتامة وسجلماسة وسبتة وسلا، وفي بعض البوادي أيضا، تعبيرا عن هذه التعددية التي يراكمها المجتمع في جميع الاتجاهات.

كان هذا التصادي والصراع الذي أفرزه المجتمع المغربي في العهدين المرابطي والموحدي، بين طبقتين متناقضتين، شرطا ضمن هذه التحولات، الأولى للحكام المدافعين عن العقيدة لما لها من تراتيبة اجتماعية، ومعهم أهاليهم ورجال الدولة وأرباب البيوت الكبرى وتوابعهم، ويلحق بهم فئة مقربة وسطى تضم الفقهاء والعلماء والأدباء والمغنين وبعض التجار والصناع؛ أما الطبقة الثانية فهي من عامة المجتمع،من الفلاحين والفقراء وأصحاب الحرف وعامة الشعب من المجتمع السفلي، ومعهم الأدباء والفقهاء والمتصوفة.

ولم يكن هذا الواقع وإفرازاته مفصولا عمّا كان يجري بالمشرق،مع حكم العباسيين، وما عبّرت عنه الطوائف والفرق التي امتدّ أثرها  وتطور في علوم رسخت وجودها في الفقه وعلوم الكلام والفلسفة، في حين اتجه الإبداع الأدبي إلى استكمال "ثورته" في التخييل، شعرا مع أسماء كثيرة، وفي السرد بظهور ألف ليلة وليلة ومقامات الحريري وكتابات فكرية وفلسفية.

 

وقد بدا هذا الواقع واضحا بين طبقتين: الأرستقراطية الحاكمة في بذخها وإقبالها على الحياة بكل الوسائل، وقد عكسته ألبستها الحريرية الموشّاة بخيوط الذهب والفضة، وأكلها من كل أصناف اللحوم والأسماك والفواكه. أما الطبقات الفقيرة الزاهدة التي عجزت عن الوصول إلى ذلك العالم الجديد، أو رفضته فأقبلت على مُتع الآخرة، بالنسك والزهد والارتباط برجال هذا المنحى المعبّر عنه بالتصوف وما سيتفرع عنه من زوايا وطرق وطوائف أو أشخاص بكراماتهم وحكاياتهم، مما سيمهد الطريق لمسار في التصوف له مفاهيم وأسانيد وكرامات، لباسهم الصوف الرث والجُبة، وانتعالهم الخف من الدوم والحَلفاء. أما طعامهم فمن الشعير والبقول والعصيدة أو نبات الأرض.إنها تحولات في الرؤى والقيم دفعت هذه الفئات الصاعدة إلى البحث عن اطمئنان في البدن والعيش والدين، وبالتالي كان الانفتاح والعودة إلى أسرار الثقافة الشعبية في الأكل والمداواة والتكيُّف مع كل الظواهر.

لقد كان هذا الواقع أفقا واسعا ومتلونا تلتقي فيه الأوعاء كلها وتتصادم، فتشكلت لغة جديدة وثقافة مرتبطة بالكرامات والعجيب والمدهش في علاقتها بالحياة الصحية والمعيشية للإنسان البسيط ورسمت له أملا تحوَّل إلى ارتباط "مقدس''.

ويمكن، في هذا السياق، الحديث عن طبيعة المعرفة في المجتمع المغربي خلال العهدين المرابطي والموحدي، فمن جهة، تصالحت الموروثات القديمة والشعبية مع الإسلام، بينما كانت الثقافة العالمة تجتهد حينا وتُبحر حينا آخر في بحر النهوض القوي الذي عرفته الثقافة العربية في كل المجالات منذ القرن التاسع والعاشر الميلاديين. وكذلك الشأن بالنسبة للتصوف الذي انحاز إلى المجتمع، مرتبطا في الجزء العالم منه بتأليفات رئيسة من قبيل الرعاية للمحاسبي ورسالة القشيري وإحياء العلوم للغزالي، وربما غيرها وما كان من تأثير للطوائف والفرق والملل وما كان يُدرّس ببغداد أساسا، مما نهل منه  صالح بن طريف في النصف الأول من القرن الثامن الميلادي والمهدي بن تومرت في القرن الحادي عشر، والكثير من الرجال ممن رحلوا لأجل ذلك خلال خمسة قرون.

 أما التصوف الشعبي، فإنه ترعرع في المجتمع، في باديته وحاضرته، كما في بيوتاته وحاراته، ثم في الزوايا والرباطات والمساجد، حاملا الموروثات القديمة المتعلقة بحياة الناس ومعيشهم وبعض سلوكهم وصراعهم بالتنبؤ والسحر تم تكييفها وفق الرؤية الدينية ضمن علوم السحر والتنجيم والطلسمات وعلم النجوم والفلك والكلام والجدل وأصول الفقه والحديث، والتفسير. لقد راكم التصوف الشعبي تلك الخصوصية والقوة التي جعلت للثقافة، آنذاك، ظاهرا وباطنا، دنيا وآخرة ، علما وغيبا، ولم يعد الناس يبحثون عن ادعاء النبوة لأن نهايتها محسومة من خلال تجارب كثيرة، فلجأوا إلى سبيل أصبح "شرعيا"، له ضوابطه وسننه، وهو الولاية.

كانت الموروثات الشعبية قد وجدت لها شرعية مزدوجة مع الحكام ولدى العامة، حتى إن شيخا مغربيا اسمه عبد الله الزناتي (كان حيا إلى غاية 1230م) أغفلت كتب التراجم والوفيات وتاريخ الأدب ذكره رغم أن كتابه الذي ألفه "كتاب الفصل في أصول علم الرمل" كان تأثيره كبيرا في الشرق العربي وعدد من الدول الإفريقية، في مجال السحر والتنجيم أو ما عُرف بعلم الرّمل، وسُمّي لاحقا باسم متداول في الثقافة الشعبية المغربية حتى الآن بالخط الزناتي في إشارة للتنبؤ بالغيب. وفي نفس الفترة سيظهر بالجزائر الشيخ البوني (توفي سنة 1225م) الذي اشتهر لدى الفقهاء بالسحر وهو يرى في الأرقام والحروف قوى سحرية ترجمها في كتابه شمس المعارف الكبرى، وكان متصوفا زاهدا ومنقطعا وغريب الأطوار، وقيل إنه استوعب تأثيرات  الهرمسية  والغنوصية في ما كتب.

 

كان المجتمع ناهضا بقوة وبفوضى، ثورات ببلاد تامسنا ودكالة وحاحة وركراكة (1149م) وهرغة ولمطة  وجزولة( 1153م)  وغمارة (1163م) وسلا  ومراكش(1184م) ثم فاس، شارك فيها فلاحون وحرفيون وتجار صغار ومن عامة الشعب ومن المتصوفة، وأصبح التصوف وسط هذا العالم المتحول إنتاجا خالصا لتناقضات المجتمع، في تدبير الصراع مع السلطة والحياة اليومية، صراع المجتمع الذي اتخذ أشكالا مختلفة، إما بالسرقة وقطع الطرق أو الاحتيال أو ضرب الدفوف أو إدعاء النبوة والثورة أو ادعاء الكرامة ومداواة الأمراض أو الكشف عن المستقبل. ولم يكن المتصوفة إلا من هؤلاء الناس: رعاة غنم وفلاحون وعطارون وخضارون ولصوص وقطاع طرق ومن عالم الدعارة ومغنون يضربون الدفوف، فقراء وسود وأميون.

من عمق هذا العالم قام وعاش التصوف الشعبي، ومن خلاله برزت مفاهيم صارت ركائز قوية أسهمت فيها المعرفة العالمة، مفاهيم الإغاثة والجوع والنبات وترويض الحيوان  والفتوح  والزكاة وعلة البخل، وكلها منطلقات ارتكز عليها هؤلاء المتصوفة لبناء صورهم "الخيالية".

لذلك كان هناك توجس من الحاكم الذي يريد الاستفراد بالدين والخيال في علاقته بالمجتمع، لا ينافسه أحد، بينما كان المتصوفة يعملون في صمت ومن الباطن إلى الظاهر وقد وجدوا في ما بينهم أكثر من سبب للابتعاد عن الحكام الذين هم أشبه بالنار، فكانت علاقة هؤلاء الحُكام بالمتصوفة متوترة نحو ما يحملونه من معارف جعلتهم أقرب إلى عامة الناس والتأثير فيهم، فلن يستسيغوا أن ينافسهم أحد في مخاطبة المجتمع والاستحواذ عليه. وهكذا أخذت الصوفية مكانها في المجتمع، وباتت حركة قائمة وفاعلا أساسيا، فلجأ المرابطون والموحدون إلى استقطاب من تمكنوا منه، أما من بقوا بعيدا أو انخرطوا مساندين بعض التمرد، فقد استعملوا معهم الإشخاص، أي النقل الإجباري أو النفي، كما عمدوا إلى الترهيب والحبس والاستنطاق ضدهم، ومن ذلك حالة ابن العريف الذي استُدعي للمجيء من الأندلس واستُبقيَ بمراكش إلى حين وفاته، أما برجان فقد جيءَ به إلى مراكش وقُتل ورميت جثثه، وكذلك الأمر بالنسبة لأبي مدين وأبي شعيب السارية وأبي يعزى.

×
أخبار
قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط