مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

المجاعة والطعام في خدمة حرب الإبادة

المجاعة والطعام في خدمة حرب الإبادة

تاريخ النشر: 2025-05-30 | 05:27

جمال زحالقة
جمال زحالقة

الثلاثاء الماضي، كان اليوم الأوّل لتطبيق المشروع الجديد لتوزيع المساعدات الإنسانية، الذي تقوم به «مؤسسة إغاثة غزّة»، التي أقامتها إسرائيل، وسجّلتها كمؤسسة أمريكية، وفي ساعات الظهر تدفّق وتدافع آلاف الغزيين إلى داخل مركز التوزيع في حي السلطان في مدينة رفح المدمّرة، ما أدّى إلى فوضى وإطلاق نار من قبل حرّاس أمريكيين وجنود إسرائيليين. وفي المعمعة استولى جياع غزّة على جميع محتويات المركز، وهرب أفراد شركة التوزيع وحرّاسها الأمريكيين.
وكان هذا هو السيناريو الذي توقّعته وكالات الأمم المتحدة والمنظمات العاملة معها في مجال الإغاثة الإنساني في قطاع غزة المنكوب، وقال مسؤولون أمميون إن نظام المساعدات، الذي عمل إلى الآن يشمل 400 نقطة توزيع في جميع انحاء القطاع، لتسهيل وصول الإغاثة إلى المحتاجين كافة، دون عناء السفر لمسافات بعيدة، في حين أن الشركة الإسرائيلية ـ الأمريكية تعتمد على 4 مراكز توزيع فقط، ما يؤدّي بالضرورة إلى اكتظاظ رهيب، وإلى صعوبة وصول نسبة كبيرة من المحتاجين من نساء ومسنين وجرحى ومرضى. في المشروع الإسرائيلي يخدم كل مركز إغاثة بالمعدّل نصف مليون إنسان، بعد ان كانت كل نقطة توزيع تخدم خمسة آلاف.
تدار مراكز التوزيع الجديدة من قبل مقاولين أمريكيين، وتخضع لإجراءات أمنية إسرائيلية مشددة، وتقوم بالحراسة شركة أمنية أمريكية خاصّة. ومن الواضح أن عدد مراكز التوزيع القائمة والمقبلة غير مؤهّلة لتلبية احتياجات مليوني إنسان في غزة، ولا تتسع للأعداد الضخمة من الناس الذين يتدفقون إليها، كلما علموا بتوزيع الطرود الغذائية فيها. وقال مسؤول في وكالة غوث اللاجئين الأونروا، إن «المشروع سيؤدي إلى تقليص المساعدات الإنسانية في الوقت الذي ازدادت الحاجة إليها بشكل كبير جدا». وتدّعي إسرائيل بأن ما ستوزّعه «مؤسسة إغاثة غزّة»، سيكون أكثر من القائم، الذي يقارب الصفر، وتتجاهل عمدا الحديث عن توفير الطعام، بما هو لازم لتغذية الإنسان وضمان صحته وحياته.

منذ بداية الحرب عملت إسرائيل على استعمال سلاح المجاعة، لتحقيق غاياتها ومآربها، وحاولت عبر هذا السلاح تأليب الناس في غزّة على المقاومة، وكانت الرسالة «إذا أردتم أن تأكلوا تخلّصوا من حماس». كما سعى جيش الاحتلال إلى فرض التهجير على الأهالي، من خلال منع وصول المواد الغذائية إلى مناطق محدّدة يريد إخلاءها. وبعد أن وُظّفت المجاعة في خدمة الحرب، تلجأ إسرائيل الآن إلى السيطرة على تفاصيل توزيع الغذاء وإخضاع الطعام لأغراض الحرب والاحتلال والتهجير، والمشروع الإسرائيلي، الذي تقوم به «مؤسسة إغاثة غزة» الأمريكية هو جزء لا يتجزّأ من عملية «مركبات جدعون»، التي ترمي إلى تحقيق أهداف حرب الإبادة، والمبدأ الناظم لحملة الإغاثة الإسرائيلية هو «الطعام في خدمة الحرب».
مؤسسة إسرائيلية
من الناحية الرسمية، جرى إنشاء «مؤسسة إغاثة غزّة» في الولايات المتحدة، في مارس الماضي، كمنظمة غير ربحية تهدف لتقديم مساعدات إنسانية لأهالي القطاع. وجرى توكيل عملية التسجيل والإقامة إلى ضابط البحرية الأمريكية السابق توم وود، الذي له تجربة في الإشراف على حملات إغاثة إنسانية في السودان ومينمار وهاييتي. لكن وود استقال قبل أن تبدأ المؤسسة عملها على الأرض، موضحا أنّه ليس مستعدا للمشاركة في مشروع يحفّز التهجير، وأنه من غير الممكن تطبيق البرنامج مع الالتزام بأسس الإغاثة المشروعة القائمة على مبادئ الإنسانية والحياد والإنصاف والاستقلالية. ويبدو أن المبادرين للمشروع، لم يشرحوا لتوم وود من البداية أهدافهم ومآربهم وأساليبهم، وما قاله يكشف من مصدر أوّل طبيعة المشروع البعيدة عن مقوّمات الإغاثة الإنسانية النبيلة، والقريبة من حالة «الطعام ومعه السم». لقد بدأ تداول فكرة إمساك إسرائيل بإدارة المساعدات الإنسانية لغزة في نهاية عام 2003، وشاركت في النقاش والتخطيط مجموعة من الموظفين الحكوميين وضباط الجيش وممثّلي القطاع الخاص. وواصل المسؤولون الإسرائيليون تطوير فكرة المشروع وحراسته الأمنية، بالمشاركة مع متعهدين أمريكيين من القطاع الخاص، ومنهم ضابط سي. آي. إي، فيليب ريلي. وجرى في بداية 2025 توظيف توم وود للإشراف والإدارة، لكنّه استقال بعد أن اكتشف حقيقة المخطط الإسرائيلي وتناقضه مع متطلبات الإغاثة الإنسانية الحقّة. وفي مقابلة أجرتها معه القناة 12 الإسرائيلية هذا الأسبوع، كشف وزير الأمن الإسرائيلي السابق أفيغدور ليبرمان، أن جهاز «الموساد» هو الذي يقوم بتمويل «مؤسسة إغاثة غزّة» وشركة الحراسة الأمريكية. وقال «أنا واثق مئة في المئة، لا بل مئتين في المئة، أنه يجري إهدار مئات ملايين الدولارات على حسابنا»، وأضاف أن آلية توزيع المساعدات مصيرها الفشل ووصفها بأنها غش واحتيال على الجمهور: «نحن نموّل بالكامل. مؤسسة الإغاثة هي مبادرة إسرائيلية، وجهاز الموساد يضخ إليها الأموال من حسابات ومصادر خفيّة». ولمّح ليبرمان إلى شبهات فساد، ودعا الشرطة للتحقيق في الأمر. وأضاف أن المشروع سيكلّف مليارات إذا استمر لسنة أو أكثر، جاءت هذه الأقوال بعد أن كشف رئيس المعارضة الإسرائيلية، يئير لبيد، أن إسرائيل أقامت شركات وهمية لتمويل المشروع، وأن الحكومة تخفي المعلومات ولا تكشف عن المعلومات الحقيقية.

غايات حربية

من المؤكّد أن هدف مشروع الإغاثة الإسرائيلي، ليس الإغاثة الإنسانية، فلو كان كذلك لكان بالإمكان فتح المعابر، وإدخال المساعدات وتوزيعها من خلال جهاز التوزيع الجاهز والناجع، الذي تقوده الأمم المتحدة والمنظمات المرتبطة بها. كان هذا سيوفّر على إسرائيل مئات الملايين من الدولارات ويغنيها عن الأعباء اللوجستية والأمنية، التي تسخرها في مشروعها الحالي. وقد تحدّت الأمم المتحدة الادعاء الإسرائيلي بأن حماس تستولي على المساعدات، مؤكّدة أن إسرائيل لم تأت بإثبات واحد يدل على أن مواد الإغاثة التي أدخلتها، وصلت إلى حركة حماس.
تهدف عملية «مركبات جدعون» فيما تهدف إلى احتلال 75% من أراضي القطاع وحشر أكثر من مليونين من سكانه في ثلاثة غيتوات في منطقة الوسط، ويضيف بعض وزراء حكومة نتنياهو بأن تجميع الناس هو محطّة لترحيلهم إلى دول أخرى. ولتسهيل تطبيق مشروعها، تستغل إسرائيل حاجة الناس الطبيعية للحصول على طعام، وهي لم تعد تكتفي بالتحكم بالبوابات التي تدخل منها قوافل المساعدات، وتريد التحكّم بالطرود الغذائية وبتزويد الأفراد بالطعام (وعدم تزويدهم به حين يحلو لها) فردا فردا، بلا مشاركة مع هيئات دولية محايدة. ولعل أهم أهداف المشروع بالنسبة لإسرائيل هو استغلاله لتهجير أهالي شمال القطاع إلى الغيتوات الثلاثة، عبر حرمانهم من الطعام وإجبار الناس على النزوح، بحثا عن القوت لهم ولأولادهم. ويتباهى مسؤولون إسرائيليون بأن خطة حصر الغذاء في مناطق محددة لجذب الناس نحوها هي خطّة عبقرية. في الحقيقة اضطرت إسرائيل إلى البدء بمشروع الإغاثة في ظل الضغط العالمي، والخوف من المحاكم الدولية، وسعت بمنظورها إلى «تخفيف الأضرار وتعظيم المكاسب» من مشروع اضطرت إليه لاعتقادها أنه شرط لازم لمواصلة الحرب لمدة أطول. وفي إطار الاستفادة من «الإغاثة» يتم في مراكز التوزيع استخدام التحقق البيومتري، مثل بصمة الوجه وبصمة العين، لإنشاء قاعدة بيانات واستغلالها في خدمة تحقيق أهداف الحرب. وبالمجمل تعتقد إسرائيل أن بإمكانها المناورة بالطعام لارتكاب المزيد من الجرائم، بحيث تبدو القنبلة «أكثر قبولا» في المجتمع الدولي إذا رافقتها اللقمة.

كارثة إنسانية

المساعدات الإنسانية، التي دخلت غزة في الفترة الأخيرة هي نقطة في بحر، وما زالت الأوضاع كارثية في كل مناحي الحياة، وفي مقدمتها النقص الحاد في المواد الغذائية وتفشّي المجاعة. ووفقا لتقرير «التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي» فإن 470 ألف شخص سيواجهون جوعا كارثيا (المرحلة الخامسة والأشد) خلال الفترة بين من مايو الحالي إلى سبتمبر المقبل. ويشير التقرير أيضا إلى 93% من أهالي القطاع يعانون من جوع من مرحلة الأزمة إلى الأسوأ منها. وحذّرت وكالة غوث اللاجئين «الأونروا» من أنّ 1.2 مليون فلسطيني في غزة عرضة للمجاعة المباشرة. غزة تعاني من كارثة كبرى، قل مثيلها في العالم: مجازر إبادة، تدمير شامل، انهيار الخدمات الصحية، تجويع والقائمة طويلة. هي بحاجة ماسة للإغاثة الحقّة الفعلية النبيلة وليس إلى طعام إسرائيلي، يدس فيه السم مع الدسم. لقد آن الأوان لطرح خطة إغاثة عربية كاملة ومتكاملة وفرضها على إسرائيل عبر المؤسسات الدولية والدفع بالثقل العربي كاملا. هذا ممكن إذا توفّرت الإرادة!

 عن القدس العربي

×
أخبار
استهداف قصر معاشيق الرئاسي في عدن بـ 4 صواريخ باليستية وتصاعد كثيف للدخان نتنياهو: أمليت موقفي على الشرع في مكالمة قصيرة وواضحة لوقف استهداف الدروز في خطوة تاريخية.. رابطة أمريكية للعلوم السياسية تصويت بالأغلبية لصالح المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل السيسي: أمن السعودية ودول الخليج خط أحمر واستقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي شبكة إعلانات إسرائيلية تتجسس على ملايين المستخدمين والمؤسسات الدولية لصالح شركات اختراق وتجسس تقرير حقوقي يكشف شهادات حول إطلاق حراس سجون الاحتلال النار على الأسرى الفلسطينيين داخل الزنازين نتنياهو يعلن إنشاء جدار أمني ضخم على الحدود الشرقية من اليرموك إلى إيلات ملادينوف يعلن تعليق تنسيق البضائع للقطاع الخاص بغزة ويدعو للإسراع بانتشار القوة الدولية الاتحاد الأوروبي ودول الخليج اتفقوا على تأجيل القمة المقرة بينهما في الرياض باكو: وفود عربية بيها فلسطين وتركيا وباكستان تغادر قاعة المؤتمر خلال كلمة هرتسوغ صندوق النقد الدولي يحذر من طول أمد الحرب والاضطرابات المتجددة كأكبر تهديد للشرق الأوسط الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,396 شهيدا آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط