مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الكرامة المهنية لذوي الإعاقة بين الحق وواقع التهميش

الكرامة المهنية لذوي الإعاقة بين الحق وواقع التهميش

تاريخ النشر: 2026-07-14 | 11:33

د. سلامه  محمود ابو زعيتر
د. سلامه محمود ابو زعيتر
لم تكن الإعاقة يوماً حائلاً دون مشاركة الإنسان في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وهذا ما تؤكده التجارب الإنسانية الحية عبر التاريخ؛ إذ إن العائق الحقيقي لم يكن يوماً في جسد الإنسان أو بصره أو سمعه، بل يكمن في تلك القوانين القاصرة، والثقافات المجتمعية السلبية التي تحرم الأشخاص ذوي الإعاقة من حقهم الطبيعي في الاندماج والمساهمة في بناء مجتمعاتهم وتطويرها بما يتناسب مع قدراتهم وإمكانياتهم. وعندما نتحدث عن هذه الفئة في فلسطين وخاصة في قطاع غزة، فإننا نتحدث عن حضور نوعي ووجداني خاص جداً؛ فالعديد من هؤلاء الأبطال تسبب الاحتلال في إعاقتهم نتيجة مشاركتهم الفاعلة في مراحل النضال الوطني، إلى جانب من أصيبوا بسبب حوادث، أو ظروف صحية ووراثية خارجة عن إرادتهم. ورغم كل هذه التحديات، لم تكن الإعاقة يوماً سبباً لاعتزالهم الحياة، بل كانت دافعاً صلباً لصناعة الأمل بالتعلم، والتأهيل، والتدريب، والوقوف بروح إيجابية يملأها الحب والعطاء استعداداً للمشاركة الكاملة في الحياة العامة، والمساهمة في العملية التنموية وتطوير المجتمع وتعافيه؛ وخاصة في ظل الظروف القاسية التي نعيشها جراء تداعيات الحرب المستمرة؛ وهذا الواقع يفرض علينا وبمسؤولية وطنية إيجاد بيئة عمل تراعي معايير ومبادئ العمل اللائق المقرة دولياً لهذه الفئة؛ فالعمل اللائق ليس مجرد وظيفة عابرة، بل هو كرامة إنسانية وحماية متكاملة. لقد ارتبط الوجود الإنساني بالعمل؛ فالعمل هو القناة التي يستثمر عبرها الإنسان طاقته ليشعر بآدميته، وكينونته، ومركزه الاجتماعي؛ ومن هذا المنطلق، لم يعد العمل مجرد وسيلة للحصول على أجر، بل تبلور عالمياً مفهوم العمل اللائق وفقاً لمعايير منظمة العمل الدولية (ILO) والاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (خاصة المادة 27)، ويرتكز العمل اللائق للأشخاص ذوي الإعاقة على أربع دعائم أساسية يجب على كل مشغل فهمها وتطبيقها: 1. الكرامة والإنصاف والحق في الحصول على فرص عمل متكافئة دون تمييز، وتلقي أجر عادل يعادل أجر نظرائهم دون أي انتقاص بسبب الإعاقة. 2. توفير الأمان وبيئة العمل المهيأة الخالية من المخاطر الجسدية والنفسية، وتوفير التسهيلات والترتيبات التيسيرية المعقولة (اللوجستية والتقنية) التي تضمن للموظف أداء مهامه دون إجهاد مفرط أو تهديد لسلامته. 3. الحماية الاجتماعية الشاملة فحق الموظف من ذوي الإعاقة في الضمان الاجتماعي والتأمين من المخاطر، والتأمين الصحي الشامل والمناسب لحالته، وتوفير الأمان الوظيفي الذي يحميه من الفصل التعسفي القائم على رصد قصور ناتج أساساً عن بيئة العمل غير المهيأة. 4. حرية التعبير والتطور المهني وتمكينهم من الترقية المستحقة، والمشاركة الفاعلة في صنع القرار داخل المؤسسة، والانتساب للأطر النقابية ليكونوا مدافعين عن حقوقهم ومصالحهم بأنفسهم. وعلى الصعيد الفلسطيني، لم يقصر المشرع في محاكاة هذه المعايير؛ حيث كفل القانون الأساسي الفلسطيني، وقانون حقوق المعوقين رقم (4) لسنة 1999، وقانون العمل رقم (7) لسنة 2000، حق ذوي الإعاقة في العمل والإنصاف، ملزماً الجهات المشغلة بتشغيلهم بنسبة لا تقل عن 5% في الوظائف والمهن التي تتناسب مع إعاقتهم لحفظ التوازن الاجتماعي؛ ولكن، أين نحن من تطبيق هذا القانون على أرض الواقع؟ تُظهر المؤشرات فجوة عميقة وبطالة مرتفعة جداً في صفوفهم، يقابلها تجاهل واضح من جهات التشغيل الرئيسية سواء كانت الحكومة، أو وكالة الغوث الدولية (UNRWA)، أو القطاعين الخاص والأهلي في الالتزام بنسبة التشغيل المقررة قانوناً، والمستغرب هنا، أن هذا القصور والتجاهل يمتد أيضاً إلى المنظمات الدولية والمؤسسات التي تعمل بتمويل دولي في قطاع غزة، سواء كان تشغيلها للأشخاص ذوي الإعاقة بشكل مباشر أو غير مباشر؛ حيث تُسجل الملاحظات والوقائع الميدانية عدم مراعاة هذه الجهات لنسبة التشغيل المطلوبة، أو لظروف عمل الموظفين الملتحقين بها ومواءمتها مع إعاقاتهم، وهذا الواقع يضعنا أمام تساؤل أخلاقي ووطني ملح؛ هل ينتهي الالتزام بتوقيع عقد عمل شكلي؟ أم أن هناك معاناة يومية صامتة تبدد طاقة هؤلاء الموظفين؟ وكيف يمكننا حقاً حفظ كرامة ذوي الإعاقة في بيئة العمل، ومنحهم الفرصة للإبداع وإبراز مهاراتهم الكامنة؟ تتجلّى المشكلة الأكبر في لجوء بعض المشغلين لسياسة غض الطرف؛ حيث يتم تعيين الموظف دون الالتفات لخصوصية إعاقته أو توفير التدابير التيسيرية المعقولة له، مما يضرب معايير العمل اللائق والأمان في مقتل، ويضع الموظف تحت ضغط نفسي وبدني هائل، وهناك نماذج حية تجسد هذه المعاناة اليومية: • نموذج الإعاقة البصرية الجزئية وهي أخصائية اجتماعية مساعدة متميزة ومؤهلة علمياً، تحظى بالتعيين في مؤسسة كبرى، وبدلاً من فرزها في مخيم أو مكان يسهل الوصول إليه، يتم تعيينها في مخيم للنازحين في منطقة وعرة وبعيدة يتطلب الوصول إليها جهداً مضاعفاً ورحلة شاقة. هنا، يرى المشغل الواهم أنه أسدى خدمة بتشغيلها، متجاهلاً مواءمة بيئتها التنقلية والعملية، لتتحول رحلتها اليومية إلى استنزاف بدني ونفسي حاد يفتقر لأبسط معايير الأمان المادي والجسدي. • نماذج لوجستية وتقنية غائبة وهو مهندس أصم يملك مهارات برمجية استثنائية يتم عزله وتهميشه في الاجتماعات الدورية لرفض الإدارة توفير تقنيات بسيطة ومتاحة لتحويل الصوت إلى نص مكتوب، واستخدام لغة الإشارة، أخر موظف ذو إعاقة حركية يواجه معركة يومية صامتة لدخول مبنى غير مجهز بممرات خاصة (رامبات). إن هذا الإهمال والتجنب الفني من قبل المشغلين يفرغ مفهوم الدمج من محتواه الفعلي ويحوله إلى دمج شكلي استعراضي يفتقر لأدنى معايير الكرامة المهنية، وإن توفير البيئة الميسرة ليس تكرماً أو منةً أو شفقة، بل هو حق أصيل وأداة عمل أساسية كجهاز الحاسوب ومكتب العمل، فمن منا كامل ويستطيع فعل كل شيء بمفرده؟! ولمعالجة هذا الواقع الصعب والنهوض بمسؤولياتنا الاجتماعية والوطنية، يحتاج مجتمعنا الفلسطيني بكافة أجهزته ومؤسساته لوقفة جادة تترجم القوانين الوطنية والمعايير الدولية إلى ممارسات فعلية عبر خطة تدخل استراتيجية واضحة تشمل: 1. بناء قاعدة بيانات تفاعلية وإنشاء نظام معلومات وطني محدث بشكل دوري يوثق بيانات ذوي الإعاقة، ومؤهلاتهم، ومهاراتهم، وميولهم المهنية لتسهيل عملية الدمج الذكي والموجه في سوق العمل. 2. التدريب المهني المتطور والرقمنة وتصميم برامج تدريبية وتأهيلية حديثة لتمكين ذوي الإعاقة من امتلاك مهارات تكنولوجية ورقمية متطورة تنسجم مع احتياجات السوق المتغيرة وتناسب قدراتهم الخاصة. 3. القدوة الحكومية وتطبيق القانون ويجب على الحكومة تطوير هياكلها الإدارية، وأن تكون هي القدوة والنموذج بالالتزام الفعلي بتطبيق القانون بتشغيل نسبة الـ 5% في التوظيف والبرامج التنموية، بالتوازي مع توفير برامج حماية اجتماعية حقيقية ورديفة لهم. 4. مساءلة الأطراف الدولية والخاصة والضغط عليها من خلال ممارسة ضغط جاد ومستمر على وكالة الغوث الدولية (UNRWA) والمؤسسات والمنظمات الدولية العاملة في قطاع غزة للوفاء بالتزاماتها الحقوقية والتشغيلية. ولا نعفي هنا الهيئات والوكالات الأممية والمنظمات الكبرى التي يُفترض بها قيادة هذا التغيير؛ مثل منظمة العمل الدولية (ILO)، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ومنظمة اليونيسف (UNICEF)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، وغيرها من الهيئات الدولية والإقليمية، وإن هذه الجهات مطالبة بمراجعة جادة لسياساتها وإجراءاتها لتصحيح هذا الخلل، وتقديم نموذج يحتذى به في الالتزام والانضباط بتطبيق شروط العمل اللائق والآمن ونسب التشغيل المقرة، بالتوازي مع مشاريعها التشغيلية، وإلزام منشآت القطاع الخاص والمؤسسات الأهلية بذات النسبة (بنسبة 5%، وبحد أدنى شخص واحد في المنشآت التي يقل عدد عمالها عن 20 عاملاً تماشياً مع بنية الاقتصاد الفلسطيني)، مع تفعيل آليات للتفتيش والرقابة. 5. تهيئة البيئة والوصول الشامل بإلزام كافة المؤسسات العامة والتشغيلية بتهيئة مرافقها الهندسية واللوجستية وتوفير سبل الوصول والاندماج المادي والرقمي كشرط أساسي مسبق لمنح وتجديد تراخيص المنشآت. 6. دعم الريادة والابتكار وتشجيع الأشخاص ذوي الإعاقة على التفكير خارج الصندوق لإنشاء مشاريعهم الريادية المستقلة، وتبني مبادراتهم التنموية وتقديم الدعم المالي والتمكين الاقتصادي الميسر لهم. 7. محو النظرة السلبية وتشكيل التحالفات عبر العمل على محو النظرة السلبية في المجتمع أو الرعائية السائدة تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز ثقافة حقهم في العمل اللائق، وتشكيل تحالفات قوية بين النقابات والمؤسسات المختصة للضغط المستمر والمطالبة بالحقوق وضمان الحماية الاجتماعية والصحية الشاملة، وتوعية المجتمع بذلك. 8. مواءمة التعليم العالي والمهني بتطوير سياسات القبول والتخصص في قطاع التعليم العالي والتدريب المهني لتمكين ذوي الإعاقة من الالتحاق بالتخصصات الأكاديمية والتقنية التي تراعي خصوصيتهم وتلبي متطلبات سوق العمل المعاصر. 9. إعادة مراجعة برامج التمكين المؤسساتية وضرورة قيام الجهات الأهلية والتنموية بإعادة النظر في كافة البرامج التدريبية السابقة بهدف تقييمها وتطويرها ومواءمتها مع التقنيات الحديثة، لفتح آفاق العمل عن بُعد والوظائف الرقمية التي قد توفر حلولاً بيئية مرنة وأماناً أعلى لبعض فئات الإعاقة. ختاماً، إن مراعاة الحق في العمل للأشخاص ذوي الإعاقة ليس ترفاً قانونياً ولا بادرة إنسانية عابرة، بل هو ركن أساسي في استقرار المجتمع وركيزة كبرى من ركائز البناء الاقتصادي والاجتماعي، وإن الخصوصية الفريدة لكل نوع من أنواع الإعاقة تفرض على المؤسسات والمشغلين واجب تذليل كافة العقبات وتهيئة بيئة العمل، بحيث تتلاءم الوظيفة مع الإنسان وليس العكس. يجب أن ندرك جميعاً يقيناً أنه لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية، مستدامة، وشاملة في مجتمعنا الفلسطيني، بينما نُقصي أو نتجاهل فئة عريضة وقادرة على العطاء والتضحية؛ فالتنمية الحقيقية هي تلك التي تُبنى بسواعد كل أبناء وبنات المجتمع دون استثناء، وحرمان أي فرد قادر من حقه في المشاركة الإنتاجية هو هدر لقدرات وطنية وإنسانية نحن بأمسّ الحاجة إليها، وإن تذليل الصعاب ومنح ذوي الإعاقة فرصة كاملة للعمل بكرامة وبحماية اجتماعية هو الاستثمار الأذكى والأنبل لبناء مستقبل فلسطيني عادل، متماسك، وقوي يعتز بكل طاقاته وإبداعاته.
×
أخبار
آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط