مجلس السلام تحول إلى مجلس لديمومة احتلال قطاع غزة..بدلا من العمل نحو تعافي قطاع غزة المبكر

الكاظمي... رجل لا يتسع له المكان؟

الكاظمي... رجل لا يتسع له المكان؟

تاريخ النشر: 2021-11-08 | 06:00

غسان شربل
غسان شربل

هذه المرة لا يمكنُ إلقاءُ التهمة على «فلول صدام حسين»، ولا تعليقُها على شمَّاعة «داعش»، ولا إلصاقُها بـ«الشيطان الأكبر». القصة من إبداعات ما يسميها مقتدى الصدر «قوى اللادولة». البصماتُ واضحة والشمسُ ساطعة.

لا غرابة في استهداف مصطفى الكاظمي. من قلب صفحات عراق ما بعد الغزو الأميركي كان يتوقّع. وضع الرجل نفسَه في عين العاصفة. لا يمكن اعتباره بريئاً. ارتكب ما يستحقُّ العقابَ الشديد. إنَّه قائد الانقلاب الذي يرمي إلى استعادة قدرات الدولة العراقية من تحت عجلات الماكينات التي أدمنت استباحتها. وهذا ليس سهلاً ولا بسيطاً. ويستحيل أن يتحقَّقَ على البارد. ولم يكن أحدٌ يتوقَّع أن تنكّسَ القوى الموتورة أعلامَها وتتنازلَ عن امتيازاتها وشراهتها.

جاءَ مصطفى الكاظمي من عالم المعلوماتِ والقراءات. ولهذا يعرف القصة بأشواكها المحلية والإقليمية الدولية. وهو ليس مغامراً أو مقامراً. يدرك الصعوبات والأفخاخ. راحَ يتقدَّم ببطءٍ وتعقّل. تصرَّف كخبير في كسح المتفجرات. ينزع الصواعقَ وحين يتعذّر الأمرُ يلتف ويؤجل من دون أن ينسى الطريق وشروط القيادة في حقول الألغام. يتقدَّم ويتراجع. يبادر وينتظر. يقدم ويهادن. وفي كلّ الأحوال لا يتنازل عن جوهر معركته وهو ترميم الدولة العراقية.

بجمل مدروسة وسلوكياتٍ هادئة حاول الاستعانة بلاعبٍ نجحت غابة البنادقِ في تغييبه في السنوات الماضية. إنَّه العراقي العادي الجالس مع مخاوفه ومراراته من دون انتماء إلا إلى الأكثرية الصامتة والصابرة. ويمكن القول إنَّ حلم الدولة الطبيعية استيقظ لدى عدد غير قليل من المواطنين. الدولة الطبيعية حيث الشرطي شرطيٌّ. والمحكمة محكمة. وحيث يصنع القرار العراقي في المؤسسات الشرعية المنتخبة، ويكون هدفه الأول الدفاعَ عن أمن العراقيين ومصالحهم واستقرار بلادهم وازدهارها.

يشعر الكاظمي بالألم حين يسمع أنَّ عراقياً غرقَ بعدما استقلَّ «قوارب الموت» محاولاً الوصول إلى الجنَّة الأوروبية. أو أنَّ عراقياً اعتقل في هذه الدولة أو تلك بعد فراره من الجحيم العراقي. يتألَّم لأنَّ العراقَ يملك أصلاً شروط الازدهار والعيش الكريم إذا استعادت دولتُه حضورَها ودورَها، والتحقت بقطار العصر لا بالقطار المسافر إلى الماضي.

يعرف الكاظمي أنَّ الكارثة بدأت من ترسيخ فكرة «الساحة العراقية» بدلاً من الدولة العراقية. وأنَّ الساحة وصفة فشل واستباحة. فهي تتيح تحريك البيادق على الساحة العراقية وتحويلها مسرحاً للحروب البديلة، ومنصة للصواريخ وورقة في الانقلاب الإقليمي، فضلاً عن أنَّها تطيح فرص الاستقرار والاستثمار والازدهار. الساحة تعني بقاء العراق المفكّك والمهدّد بالاحتراب الداخلي والفقر والقطيعة مع محيطه الطبيعي والعالم.

بدل العراق الساحة لحروب الآخرين، قدم الكاظمي صورة العراق الجسر بين القوى الإقليمية. أرض حوار وشراكة مصالح ومشروع استقرار في منطقة نزفت على مدار سنوات، وتخلفت عن ركب العالم الملتحق بقطار التقدم والثورات التكنولوجية المتلاحقة. وبالتناغم مع توجهات الرئيس برهم صالح، وبالاستعانة برصيد العراق لدى العرب والعالم، راح الكاظمي يحاول نسجَ سجادة علاقات العراق العربية والدولية. ونظرت بعض الميليشيات بقلقٍ بالغ إلى سياسة ترمي إلى إعادة التوازن، وتمكين الدولة من الذهاب بصوت واحد إلى الإقليم والعالم هو صوت المؤسسات المتفلتة من رقابة الفصائل وقواميسها المناقضة لقاموس الدولة.

لا يرى الكاظمي مصلحة للعراق في معاداة إيران. يعرف حقائقَ الجغرافيا وحقائقَ تركيبة البلاد.

لكنَّه لا يرى أيضاً مصلحة في عراق تابع لإيران وملحق بقرارها. بواقعية وهدوء، روَّج لحق العراق في أن يخاطبَ دول الإقليم والعالم من دولة إلى دولة، رافضاً الانصياع للعبة تحريك الأوراق على مشارف «المنطقة الخضراء» وأصداء الصواريخ التائهة في فضاء بغداد أو أربيل.
في الداخل، ارتكب الكاظمي «جريمة» أخرى. أنكرَ على القوى الغامضة الشديدة الوضوح حق قتل من يخالف توجهاتِها. ساهمت سياسته في إماطة اللثام عن القوى التي تخاطب شبانَ الساحات بكواتم الصوت والخناجر. تشديده على التحقيق في الجرائم كشفَ هوية «فرق الموت» التي راحت تطارد الناشطين. كشفَ أيضاً أنَّ بعضَ القتلة يتحصَّنون ببزات رسمية وبطاقات ممهورة بتواقيع أمنية. وهذا فظيعٌ. كانت بعضُ القوى تراهن على أنَّها لن تتركَ بصماتِها في مسرح الجريمة. وأنَّ الدولة لن تجرؤَ على رفع البصمات أو الحديث عنها. خيَّب الرجل الهادئ توقعات بارونات السلاح، ما مكَّن العراقي العادي من معرفة صناع الكارثة.

استخدم الكاظمي سلاحَ الإقناع والصبر، لكن لم يَعُزْهُ الحزم في ترميم معنويات المؤسسة العسكرية والأمنية في مواجهة مختلف الأخطار المحدقة بالبلاد. ونجحت شخصيتُه التصالحية في خفض منسوب التوترات المذهبية، التي كان يسارع إلى تطويقها كلما هدَّدت مجدداً بالاستفحال.

تحسَّنت صورة الدولة في الداخل. وتحسَّنت صورتها في الخارج. لكن كان لا بدَّ من العودة إلى العراقيين أنفسهم ليختاروا ممثليهم وتوضيح توجهاتهم. لهذا كانت الانتخابات تجاوباً مع مطالب الشباب العراقي، وامتحاناً لتحسّن رصيد مشروع الدولة لدى المواطنين.

فوجئت بعض الميليشيات أنَّ ترساناتَها لم تنجح في إرغام صناديق الاقتراع على مبايعتها. شكَّكت في نزاهة الانتخابات، خلافاً لما قاله المراقبون العراقيون والأجانب. اتَّهمت الميليشيات التي كشفتها النتائج الكاظمي بتزوير الانتخابات لمعرفتها أنَّ الطعونَ التي تقدَّمت بها تفتقر إلى الأسباب المقنعة. هكذا بدأت عملية التهويل والتخويف على أطراف «المنطقة الخضراء». الميليشيات تؤمن بالبنادق والصواريخ لا بالإقناع وأصوات الناخبين. إنَّها مدرسة استخدام القوة لقلب الحقائق ومخاطبة المواطن والدولة. إنَّه قاموس الساحة وصياغة القرارات بفوهة البندقية وخارج الحكومة والبرلمان.

وحده الإصرار على العراق الساحة يفسّر استخدام المسيّرات في محاولة اغتيال الكاظمي المقيم على خط الزلازل الإيراني - الأميركي. من حسن حظ العراقيين وأصدقاء العراق أنَّ المحاولة لم تنجح. وبديهي أنَّ ردودَ الفعل العربية والدولية ستضاعف عزلة المتعلقين بقاموس العبوات والمسيرات والاغتيالات، لكن هذا لا يعني أنَّهم لن يجربوا وسائل أخرى. بعد الانتخابات يقف العراق على مفترق طرق. تتابع الحكومة الجديدة مشروع ترميم الدولة أو تتنازل لمنطق الساحة.

هذا هو الرهان والامتحان. أما الكاظمي فقد ارتكب جريمة إيقاظ مشروع الدولة، وهي جريمة تستحقُّ ثناءَ الشعب وعقاب الميليشيات وهو شديد. ثمة من يعتقد أنَّ الكاظمي وضع المدماك الأولَ في عودة الدولة العراقية. وثمة من يعتقد أنَّ الكاظمي رجل حالمٌ لا يتَّسعُ له المكان.

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
آيزنكوت يتعهّد بهزيمة "حماس" خلال 18 شهراً بعد قضية المسبحة.."استقالة" وزير الأوقاف الفلسطيني نتنياهو وسموتريتش يعتزمان نشر نحو ألفَي مراقب في صناديق الاقتراع بالبلدات العربية هجوم حوثي على مقر أرامكو بالظهران يدمر مكاتب الرئيس التنفيذي وكبار المسؤولين مجلس سلام ترامب لديمومة الموت في غزة! قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس: اقتحامات واعتقالات ومواجهات تحقيق جديد في الكونغرس حول تضارب مصالح كوشنر واستثماراته الإسرائيلية والخليجية سي إن إن: أمريكا تضع خططاً لاستخدام "أم القنابل" ضد إيران وثائق كتبها مساعدو نتنياهو تكشف مسؤوليته عن إخفاق 7 أكتوبر وتناقض روايته حول حماس الغارديان: إسرائيل تعرقل إنشاء قاعدة لمجلس السلام في غزة ترامب: كان ينبغي الإبقاء على قادة إيران السابقين لأنني لا أعرف مع من نتفاوض صفقة الديزل الروسي تثير الجدل.. ترامب يحمل زيلينسكي مسؤولية حرب الطاقة ويدعم موسكو تقرير: سياسات إيران ومحورها أضرت بالفلسطينيين وخدمت اليمين الإسرائيلي آيزنكوت يؤكد القدرة على هزيمة نتنياهو.. وينفي ادعاءاته بشأن عملية «البيجر» الأمم المتحدة ترصد غارات وقصفاً مكثفاً بجميع محافظات غزة وتطالب إسرائيل بوقف التضييق بالضفة باحث إسرائيلي: نتنياهو يصوغ «حقيقة بديلة» لهروب قيادته من مسؤولية إخفاق 7 أكتوبر السيسي يرد على سموتريتش برسالة إلى تل أبيب..ويؤكد موقف مصر مع فلسطين زيلنسكي: أشعر بالخيانة من قبل ترامب وهو لا يقف في الجانب الصحيح من التاريخ النقابة: جيش الاحتلال يشن حربا واسعة ضد الصحفيين الفلسطينيين لحجب جرائمها استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط